الأعياد في لبنان والأعجوبة المنتظرة!

ازدياد نسبة الإحباط وضعف الأمل
الاحتجاجات الأخيرة في بيروت (أ ف ب)

بيروت: تغيّر معنى العيد في لبنان، حتى لا نقول إنّه انتهى! إنّها الحقيقة، فأقصى أمنياتنا قبل انقضاء عام واستقبال عام آخر باتت أن يجتاز وطننا محنته هذه.


ولكن كيف؟ انهيار تامّ في كافّة القطاعات، غلاء فاحش في الأسعار طال السلع كافّة، قدرة المواطن الشرائية تدنّت بعد أنّ لامس سعر صرف الدولار في السوق السوداء 26 ألف ليرة لبنانية، والحلول غائبة في الأفق القريب، إنّها حقاً المرحلة الأسوأ.


يحلو للبعض طبعاً، أن يربط بين بداية الانهيار الماليّ وبين توقيت اندلاع الاحتجاجات في أكتوبر (تشرين الأوّل) 2019 حيث تم تصوير انهيار المصارف والعملة وكأنّه ثمن من أثمان الثورة.


ولكن غاب عن أذهان هؤلاء أن النزول إلى الشارع في تلك الليلة جاء بعد إعلان وزير الإعلام اللبناني جمال الجراح آنذاك، أن الحكومة اللبنانية أقرّت فرض ضريبة قيمتها 20 سنتاً في اليوم على المكالمات التي تجرى عبر تطبيق «الواتساب»، وأن تلك التحرّكات كانت الصحوة التي طال انتظارها، وأنّ التغيير الذي طمح إليه عدد كبير من اللبنانيين لم يعد خيالاً بل أصبح ممكناً وحقيقياً.


إنّ ما انفجر في أكتوبر (تشرين الأوّل) 2019 لم يكن أزمة ماليّة ناتجة عن مظاهرات في الشارع، بل انهيار مهّدت له تراكمات كبيرة ولفترة طويلة. تلك التحركات نجحت في هزّ أركان الهيكل رغم اصطدامها بالصعوبات في تحقيق أي تغيير سياسي في لبنان والتهويل المفترس باندلاع حرب أهلية.


وحتى يومنا هذا، وعلى مشارف عام جديد، بيروت بكل ما فيها ما تزال تلملم جراحها، ودماء ضحايا انفجار المرفأ، غير أنينها ضمائر المسؤولين فيها. أمان مفقود، نظرات قلق على المصير تملأ العيون، لا شيء سوى معان مفقودة.

الاحتجاجات الأخيرة في بيروت (أ ف ب)


في جولة بشوارع المدينة ومحالها، تلحظ حجم الخيبة، القلق على المصير، والجوع للأمان والأمل.


المحال شبه خالية، إلا من الضروريات، وأصحاب المحال أصابهم ضجر الانتظار لشبه انعدام حركة الزبائن. والزبون الذي يدخل محلا ما يصيبه الذهول ويخرج محاولاً إقناع نفسه بأنّه حصل على «نفس الموديل ولكن أرخص». إنّها المأساة!


آباء وأمهّات وضعتهم الأزمة الراهنة في مواقف محرِجة وصعبة، والغصّة كبيرة.  «لا طريقة في هذه الظروف لتسكيت الأولاد سوى الكذب: نشتريه عندما يكون والدكما معنا.. نسيت محفظة المال في المنزل». هذا هو الحال.


إذن، اللبنانيون يدخلون موسم الأعياد والحمل ثقيل، ثقيل جداً.

الاحتجاجات الأخيرة في بيروت (أ ف ب)

الحلّ قد يتطلب أعجوبة


وفي قراءة للوضع الراهن، يقول الخبير الاقتصادي باتريك مارديني في حديث لـ«المجلة»: «الوضع الاقتصادي سيئ جيداً إذ إن المصائب تسقط على رأس المواطن الواحدة تلو الأخرى. فلبنان كان لديه نمو سلبي العام الماضي وكذلك في العام الحالي وعدد من الشركات أغلقت أبوابها، أمّا المحال التجارية التي ما تزال أبوابها مفتوحة فلا زبائن لديها والموظفون عدد منهم سرّح من عمله، أمّا العدد الآخر فراتبه لا يكفيه».


وأضاف: «نحن أمام أزمة اقتصادية ضخمة، إذ إن نسبة البطالة تفاقمت، هذا عدا الأزمة المصرفية، حيث خسر الناس مدخراتهم بالدولار في المصارف»، مؤكداً أن «سعر الصرف مجحف فالناس خسروا تعبهم».


وتابع: «المشكلة الثالثة التي يواجهها اللبناني في فترة الأعياد هي الغلاء المعيشي فالأسعار ارتفعت بشكل كبير ودخلنا بالتضخم المفرط».


وعن الحلول المقترحة، قال مارديني: «أمام هذة الحكومة خيارات مفصلية وأهمّها وقف انهيار سعر صرف الليرة ويثبتها مقابل الدولار عن طريق إنشاء currency board، وبالتالي نضبط التراجع المخيف في قدرة المواطن الشرائية».


وتابع: «80 في المائة من اللبنانيين تحت خط الفقر، لكن الحكومة قادرة على المعالجة».


ودعا مارديني إلى أنّ يكون «الإصلاح النقدي الحجر الأساسي لأي إصلاح آخر إنّ كان في قطاع الكهرباء أو غيره».


وختم: «سعر الدولار في السوق السوداء هو السعر الحقيقي، وبالتالي أي سعر آخر هو ذر للرماد في العيون»، مشدداً على أنّ «الحلّ قد يتطلب أعجوبة، إذ إن توقعات البنك الدولي لبلد كلبنان مبنيّ على الانقسامات السياسية تشير إلى ان الأمور قد تأخذ 20 سنة، إلاً في حال أقرّت الإصلاحات ما يوفر على اللبناني مدّة طويلة من المعاناة».

ازدياد نسبة الإحباط وضعف الأمل


إلى ذلك، أكد البروفسور روك - أنطوان مهنا، وهو باحث اقتصادي وأكاديمي، في حديث لـ«المجلة» أنّ «عدّة عوامل تراجعت، فسعر صرف الدولار كان أفضل في فترة الأعياد العام الماضي عمّا هو في عامنا الحالي، إذ إن الشيكات المصرفية بالدولار مثلاً كانت تصرف في فترة الأعياد بين 30 و32 في المائة مقارنة بالسنة أقل من 18 في المائة، أي تراجعت النسبة أكثر من النصف حيث كان الدولار 12 ألفا بينما الآن 25».


وقال: «سعر صرف الدولار شكل عبئاً أساسياً على القدرة الشرائية التي تراجعت وعلى الأسعار التي ارتفعت حتماً».


وأردف: «النقطة الثانية الجدير ذكرها أنّ نسبة دعم على السلع الغذائية والمحروقات والأدوية وحتى الكهرباء كانت أكبر والدعم كان موجوداً».


وشرح: «النقطة السلبية الثالثة هي نسبة التضخم التي ارتفعت جراء رفع الدعم وتدهور سعرف الليرة واحتكار التجار للبضائع وكذلك التهريب».


وعن النقطة السلبية الرابعة، قال: «قدرة المواطن الشرائية تراجعت، فالمواطن بات يصرف راتبه لتأمين المحروقات خصوصاً أنّنا مقبلون على موسم تدفئة، كما على الأدوية والسلع الأساسية والتي كانت العام الماضي مدعومة».


ووصف البروفسور روك - أنطوان مهنا ارتباط الوضعين الاقتصادي والسياسي بـ«الوثيق»، قائلاً: «إذا كان الوضع متشنجاً يتدهور سعر الليرة والعكس صحيح».
وأشار مهنا في معرض حديثه إلى ازدياد نسبة الإحباط عند اللبنانيين وضعف الأمل، قائلاً: «اللبنانيون كانوا متفائلين بحكومة الرئيس نجيب ميقاتي حيث وصل الدولار لـ14 ألفا وما دون، ولكن ما لبث أن عدنا للتشنج والتعطيل».


كذلك سلّط مهنا الضوء على «انخفاض الصادرات وبخاصة إلى دول الخليج وتحديداً إلى السعودية، ما شكّل عاملاً سلبياً أرخى بظلاله على تدفق العملات الأجنبية التي نحن بأمسّ الحاجة إليها».


لا يزال هناك من يؤمن بأنّ لبنان ما زالت أمامه فرص للنهوض من قعر الأزمات، بالرغم من الصورة القاتمة، إلّا أن ما هو حتميّ أنّ هذه الفرص لن تأتي بـ«أعجوبة إلهيّة» بل بـ«همّة» الشعب، فكفانا!