تجارة المخدرات والاتفاق النووي

ذكرت في الأسبوع الماضي كيف احتلت سوريا الرقم الأول باستخدام السلاح الكيماوي في القرن الحالي، والمرتبة الأولى في عدد اللاجئين والنازحين في العالم، ويبدو أن سوريا الأسد تأبى إلا أن تحافظ على المراتب الأولى بكل ما هو سلبي. فها هي سوريا اليوم تتحول إلى «المركز العالمي لإنتاج الكبتاغون» وفق تقرير لمنظمة البحث «مركز التحليل والبحوث التشغيلية».

قبل أيام نشرت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية تحقيقا عن تورط مقربين من بشار الأسد في صناعة وترويج الكبتاغون، وأشارت الصحيفة إلى أن الكثير من عمليات الإنتاج والتوزيع تشرف عليها الفرقة الرابعة في الجيش السوري بقيادة ماهر الأسد شقيق بشار.

وفي الواقع أن ما نشرته «نيويورك تايمز» ليس بمفاجأة ولا بجديد، فسوريا الأسد هي جزء من المحور الإيراني ونشاط الميليشيات الإيرانية بتجارة المخدرات وتصنيعها كما تبييض الأموال وتهريبها أمر مثبت عشرات المرات وفي عدة دول في العالم، حيث تلجأ دول وميليشيات هذا المحور إلى الجريمة لتمويل نشاطاتها الإجرامية الأخرى كتمويل الميليشيات والقيام بعمليات إرهابية عابرة للحدود.

وليس وحده ماهر الأسد المتورط بتصنيع وتجارة المخدرات، فسابقا عثرت السلطات المصرية على 4 أطنان من الحشيش معبأة في علب حليب أطفال تعود لشركة يملكها رامي مخلوف ابن خال بشار الأسد، كانت آتية من سوريا، وفي دبي قبل عامين، صادر المحققون حمولات من أقراص الأمفيتامين آتية أيضا من سوريا الأسد. كذلك الأمر عندما كشفت السلطات السعودية شحنتين تعادلان 45 مليون حبة معبأة في علب المتّة، آتية من سوريا وتعود ملكيتها لشركة يملكها أحد أفراد عائلة الأسد. في حين ضبطت السلطات اليونانية عشرات الأطنان من الحبوب المخدرة كانت تعود ملكيتها لأشخاص مقربين من النظام السوري مثل شقيق رأس النظام ماهر.

حقيقة أن إحصاء عدد المرات التي ضبطت فيها شحنات مخدرات على أنواعها آتية من سوريا إلى دول العالم تحتاج إلى صفحات وصفحات، ولكن من المؤكد أنه وخلال السنوات العشر الأخيرة تحديدا صار إنتاج وتجارة المخدرات مصدر تمويل أساسي للنظام السوري وخصوصا بعد العقوبات التي فرضت عليه بسبب حربه على السوريين.

وقبل أيام أعلنت وكالة «سانا» الرسمية في دمشق: «إن الجهات المختصة ضبطت اليوم كمية كبيرة من حبوب الكبتاغون المخدرة كانت موضوعة ضمن شحنة معكرونة معدّة للتصدير إلى السعودية»، وأنت تقرأ هذا الخبر لا يمكنك إلا أن تتذكر عندما تمكنت الجمارك السعودية قبل أشهر من إحباط إدخال كمية كبيرة من حبوب الكبتاغون بلغت أكثر من (5.3) مليون حبة، مُخبأة ضمن فاكهة الرمان، أتية من لبنان وأوقفت على أثرها المملكة العربية السعودية استيراد الفاكهة والخضار من لبنان. يومها قيل همسا إن النظام السوري هو من كان يقوم بالإبلاغ عن شحنات الكبتاغون في محاولة منه لمغازلة الدول العربية وابتزازها في آن.

فصحيح أن حزب الله يعتمد بشكل كبير في تمويله على تجارة المخدرات التي بدأ نشاطه بها للتعويض على أي نقص في التمويل الإيراني، إلا أن نظام الأسد شريك أساسي وفاعل بهذه التجارة، ولم يبدأ نشاطه بها خلال السنوات العشر الأخيرة، إلا أن الأرقام ارتفعت كثيرا وازداد نشاطه «الصناعي والتجاري» بهذا المجال خلال حربه على السوريين لتعويض خسائره.

أضرار مخدرات الأسد وحزب الله تجاوزت النطاق الإقليمي ودفعت الكونغرس الأميركي لبدء حراك قانوني لتعطيل شبكات المخدرات التابعة للنظام السوري، ولذلك بادر الجمهوريون في مجلس النواب الأميركي لوضع استراتيجية شاملة لمكافحة المخدرات التي يصدرها نظام الأسد والذي وصفه السيناتور الجمهوري فريش هيل صاحب اقتراح صياغة القانون بـ«نظام المخدرات».

ولكن كي يتحول هذا النص لقانون نافذ فإنه يحتاج لإقرار من مجلس الشيوخ الأميركي الذي يسيطر عليه الديمقراطيون، وهو بذلك أمر غير مضمون حيث إن إدارة بايدن في سياق تفاوضها مع إيران قد تكون مستعدة لغض الطرف عن المخدرات التي يصدرها حلفاؤها لإغراق المنطقة، كما سبق وفعل الرئيس السابق باراك أوباما حسب تحقيق نشرته مجلة «بوليتيكو»، حيث أشارت فيه إلى أن أوباما تغاضى عن نشاطات حزب الله لتهريب المخدرات حتى لا يغضب إيران قبيل توقيع الاتفاق النووي معها.

عرف عن حافظ الأسد إتقانه للعبة المساومة والابتزاز للحفاظ على حكمه، كان على سبيل المثال يرسل مجموعات محسوبة على نظامه لخطف صحافيين ودبلوماسيين أجانب في لبنان أثناء الحرب الأهلية، لتعود دولهم وذووهم ويفاوضونه هو للتوسط على إطلاق سراحهم، وتبدأ حينها لعبة المساومات التي كان يتقنها.

وعند نظام الأسد الولد كما الأب كل شيء قابل للمساومة، فلطالما ساوما في موضوع الإرهاب، ويوما ما كان التطبيع مع بشار مقابل وقفه إرسال إرهابيين والقيام بعمليات اغتيال في الدول المجاورة، وكأن ما سبق الاتفاق من إرهاب واغتيالات لا يستحق المحاسبة والعقاب، فهل يدخل تصنيع وتجارة المخدرات اليوم بلعبة المساومة، وخصوصا أنه قد يجد في واشنطن من يقبل معه بالأمر وكله في سبيل العودة إلى الاتفاق مع إيران؟