«الديانة الإبراهيمية»: تحامل وافتراء في بيان «علماء»

في فبراير (شباط) سنة 2021 أصدرت لجنة الدعوة بالاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بيانا صحافيا أشارت فيه إلى أنها نظمت بتعاون مع رابطة علماء المسلمين ورابطة علماء المغرب العربي ما أسمته المؤتمر الدولي الأول حول موضوع «موقف الأمة الإسلامية من الديانة الإبراهيمية»، مضيفة أن هذا المؤتمر الذي أضفت عليه صبغة تجمع علمي عرف مشاركة من قالت إنهم نخبة متميزة من علماء الأمة من تسع عشرة دولة، لم تذكر اسم أي واحدة منها في صلب البيان.

ويبدو أن البيان لم يحدث في حينه الأثر المنشود من أصحابه، الذين بادروا في الآونة الأخيرة إلى الترويج له عبر مختلف المنابر ومنصات التواصل الاجتماعيال لدرجة أن كثيرين تداولوه عبر تقنية الواتساب بصيغة «انشره ولا تدعه يقف عندك»، كما جرى تكليف بعض الأقلام للحديث عن موضوع «الديانة الإبراهيمية»المزعومة واختلاق معركة فكرية وفقهية حولها انطلاقا من البيان المذكور، معتبرين أن بعض المبادئ الإنسانية العامة كالتسامح والتعايش والحوار التي تبنتها عدة دول عربية نبراسا لسياستها الخارجية استعملت فقط كشعارات لتمرير نشر الديانة المتوهمة.

لقد تضمن البيان الذي يجري تداوله من أرقام مجهولة مقدمة وعشر نقاط لا يمكن الجدال في محتوى بعض منها مثل التأكيد الذي تضمنته النقطة الثانية على سعي من أعطوا لأنفسهم صفة علماء الأمة إلى المساهمة في التعاون الإنساني والتعايش القائم على المحبة والتسامح والحرية والعدل والحوار البناء وعدم ازدراء الأديان ورموزها. فهذه المبادئ والقيم ليست حكرا على جماعة بشرية دون أخرى، وإنما هي قيم تتشارك فيها كل المجتمعات الإنسانية بغض النظر عن انتماءاتها العرقية والدينية وغيرها.

وفي ذات السياق لا أحد يمكنه أن يعارض محتوى النقطة الثامنة التي تنص على دعوة الهيئات الرسمية العربية والإسلامية المكلفة بالتعليم والإعلام بالعمل على ترسيخ ثوابت العقيدة والشريعة السمحة، وتحصين الأجيال الصاعدة من كل ما من شأنه الانحراف بها بعيدا عن التربية الإسلامية السليمة. فالذي لا شك فيه ولا يحتاج إلى بيان مناسباتي هو أن معظم الدول الإسلامية تسعى جاهدة إلى محاربة كل محاولات استقطاب شبابها لاستغلالهم من قبل الجماعات المتطرفة والإرهابية الهادفة إلى تدمير مجتمعاتها المحلية تحت غطاء جهاد مزعوم ضد المجتمعات الغربية.

لكن إذا استثنينا النقطتين السابقتين، ورغم تدثير البيان بأسمال دينية وفقهية، وتضمينه العديد من آيات الذكر الحكيم أملا في تسهيل تلقيه من أوساط واسعة من الرأي العام العربي والإسلامي، فإن واضعيه لم يستطيعوا إخفاء صبغته ودوافعه السياسية المحضة، المتمثلة ليس فقط في انتقاد مواقف سياسية لمجموعة من الدول العربية أقدمت مؤخرا على الانفتاح على إسرائيل وتبادل التمثيل الدبلوماسي معها، وإنما في التهجم على تلك الدول، وعدم التردد في الغمز من زاوية تكفيرها أيضا.

هكذا، وفي افتراء واضح أقر كاتبو البيان في مقدمته وبصيغة الجزم، وليس الشبهة فقط بأن بلدا عربيا بأكمله، وبكافة مؤسساته وشرائح مجتمعه قد تبنى هذه الديانة المزعومة، وذلك من دون سند فقهي صحيح لما يدعون، ومن دون أن يكلفوا أنفسهم عناء تعريف هذه الديانة الموجودة في مخيلتهم، ولا ذكر ماهية عباداتها ومناسكها إن وجدت، تاركين أمر التهويل فيها والتخويف منها لعدة أقلام اكتفت بالإشارة إلى أنها جزء مما سموه الدبلوماسية الروحية، متغافلين عن أن فكرة «تكفير الآخر»ليست سوى بدعة ممقوتة أتت بها الجماعات الإرهابية التكفيرية منذ زمن بعيد بغية تصفية معارضيها، ومن يقفون في وجه أفكارها الهدامة.

وتزداد الصبغة السياسية الفجة للبيان تجليا ووضوحا في نقطته الرابعة، التي أكدت ودون دليل أن هذه «الديانة»جاءت في سياق توفير الدعم لاتفاقيات السلام المبرمة بين عدد من الدول العربية وإسرائيل، جازمة بأن الأمة الإسلامية رفضت «التطبيع السياسي»مع الدولة العبرية منذ بدايته أواخر سبعينات القرن الماضي، متجاهلة عن قصد عدم الإشارة إلى أن واحدا من أكبر البلدان الإسلامية تربطه بإسرائيل علاقات دبلوماسية منذ سنة 1949؛ الأمر الذي يدلل على وقوف جهات سياسية من لون معين وراء هذا البيان.

وقد تكلفت النقطة السادسة من البيان بإزاحة القناع عن وجه هذا اللون السياسي المتشح بالدين، إذ في سعي أصحابه للشحن العاطفي للمتلقي تحدثوا عن أن اليهود أنفسهم بددوا «أوهام السلام»متعمدين الخلط بين اليهودية كديانة توحيدية، وبين دولة إسرائيل ككيان سياسي قائم ومعترف به من طرف الأمم المتحدة باعتبارها أعلى هيئة دولية، وكذا التعتيم على حقيقة أن مساعي السلام في المنطقة والتفاعلات الدولية والإقليمية حولها تجري مع مؤسسات دولة إسرائيل، وليس مع ديانتها.

لا شك في أن من حق أي كان انتقاد السياسة الخارجية لبلد ما، والبحث عن دوافع اتخاذ بعض قراراتها سواء أكانت دوافع استراتيجية وسياسية أو اقتصادية واجتماعية وثقافية وعلمية، بل وحتى من خلال تحليل العلاقات الإنسانية والعاطفية للزعماء انطلاقا من دراسات عالم الاجتماع هربرت سيمون Herbert Simonعن وجود ما يسميه «العقلانية المحدودة»(La Rationalité limitée)، ولكن شرط أن يكون الانتقاد موضوعيا وفي إطار معرفي، وليس بمصطلحات إيمانية وتكفيرية تروم استغلال الدين وتسييسه لمآرب بعيدة عن مقاصده النبيلة والسامية.

فمن غير المقبول أن يحشر المرء نفسه في زمرة العلماء، ويمارس في ذات الوقت التحامل والافتراء، ناهيك عن النفاق والرياء.