هل تشن إسرائيل هجوما على المنشآت النووية الإيرانية؟

هذا هو السؤال الذي يشغل بال كل المعنيين بقضايا الشرق الأوسط وما أكثرها وأعقدها خاصة بعد تصريحات القادة الإسرائيليين علانية باستعداد الجيش الإسرائيلي مهاجمة المفاعل النووي الإيراني حتى لو اضطره الأمر أن تحلق طائراته وحيدة في سماء طهران من دون سند أميركي.

نسبة قيام إسرائيل بهذه الضربة زادت مع الزيارات المتتالية لكبار مسؤوليها إلى الولايات المتحدة الأميركية والحديث عن رفض إدارة بايدن التسريع بتسليم طائرات شحن تزود المقاتلات بالوقود، لتسهيل مهمة ضرب إيران، فيظل عدم وضوح مآل المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة الأميركية التي تجري في فيينا.

فهل تقوم إسرائيل بتلك الخطوة بشكل أحادي وما يمكن أن تكون تداعيات هكذا خطوة وردات فعل العالم وإيران خاصة؟

من المعلوم أن إسرائيل موجودة بشكل فاعل في إيران، وكل الضربات التي تعرض لها البرنامج النووي الإيراني على شكل حرائق أو انفجارات أو هجمات سيبرانية في السنين الأخيرة إضافة إلى اغتيال رأس هذا البرنامج العالم النووي فخري زاده وسرقة آلاف الملفات من طهران بالذات كان ثمرة عمل الموساد، طبعا هذا في المعلن ولا يدري الجمهور العام ما يجري من عمليات سرية بين طهران وتل أبيب. إسرائيل نفسها لم تعد تنفي اتهامات إيران بأنها وراء تلك الهجمات. أما إيران من جهتها فاكتفت بتهديد «عدوتها»بالرد على هجماتها في الوقت المناسب والمكان المناسب.

يبدو أن المسؤولين الإسرائيليين عازمون على منع إيران من دخول النادي النووي مهما كان الثمن. من جهتها لا تبدو الولايات المتحدة الأميركية راضية أو راغبة في قيام إسرائيل بأي نشاط عسكري خطير تجاه إيران يمكنه أن يعرقل من الجهود الدبلوماسية التي تراها حلا وحيدا لمعالجة تلك الأزمة. يتحجج الموكلون بالملف الإيراني في إدارة بايدن بأن تجربة الضغوطات القصوى دفعت إيران إلى التسريع في وتيرة البرنامج أي فشل من هنا الرهان الوحيد على الدبلوماسية. أما روسيا والصين فيعارضان تماما أي خطوة عسكرية إسرائيلية ضد إيران فيما بدأ الأوروبيون من خلال صحافتهم (الفرنسية على الأقل) بالكلام عن وجوب تعود العالم على فكرة إيران نووية.

تبدو إسرائيل وحيدة في مواجهتها مع إيران، وهي تكثف مشاورتها مع الدول الحليفة أو تلك التي تمثل لها إيران تهديدا مباشرا، سعيا لحشد دعم إقليمي وعالمي في حال قيامها بضرب إيران. وزيارة رئيس وزراء إسرائيل نفتالي بينيت التاريخية للإمارات في جزء منها يتعلق بهذا الأمر.

احتمال قيام إسرائيل بهذه الضربة في ظل إدارة أميركية متسامحة مع إيران يكبر. وأمام إيران عدة احتمالات طبعا إذا ما حصلت.

أولها قصف تل أبيب وهي تستطيع تقنيا القيام بذلك كنوع من ردة فعل على الهجوم لا أكثر، ما يفتح المجال للحلول الدبلوماسية لتلك الأزمة العسكرية. كما تستطيع إيران في حال حدوث الهجمات بتحريك ميليشياتها في لبنان وغزة وسوريا أيضا، وتوعز لهم بقصف إسرائيل وتحميلها خسائر كبرى على كل الصعد بشرية ومادية واقتصادية. كما تستطيع إيران اللجوء إلى السلاح الذي لطالما استعملته بفعالية ألا وهو الهجمات الإرهابية كالتي قامت بها في الأرجنتين وتفجير المركز اليهودي فيها.

الاحتمال الأول سيدخل في إطار الدفاع عن النفس وسيدفع العالم إلى إدانة إسرائيل كما العادة ويدفع ربما الأميركيين إلى رفع العقوبات عن إيران، ثمن الإدانة تعتبره إسرائيل بسيطا وهي مستعدة لدفعه إذا ما استطاعت تدميرالبرنامج النووي الإيراني.

الاحتمال الثاني هو أقسى على إسرائيل وهي تخشى فتح جبهات متعددة بوجهها، ولكنه وإن كان مكلفا لها فهو أيضا بمكان ما مكلف لإيران، إذ إنه أولا سيؤدي إلى إنقاص مخزون ميليشياتها من صواريخها الدقيقة أو طويلة المدى وهو أمر تستعمله إيران لابتزاز إسرائيل في أمنها وسيكون إذّاك من المستحيل إعادة تكوينه في المدى المنظور لأن إسرائيل تطال أدنى شحنة تأتي إلى تلك الميليشيات فكيف إذا كانت بالحجم الذي وصلت إليه اليوم تلك الميليشيات؟ كما سيكون لتلك الخطوة تداعيات كارثية على البلدان التي ستنطلق منها الصواريخ أو العمليات العسكرية إذ ستتعرض للتدمير الكبير وسيكون من الصعب مثلا على حزب الله مواجهة اللبنانيين. في هذه الحالة أيضا ستتعرض استثمارات إيران لنكسة كبيرة ما يعني تراجع نفوذها في المنطقة. أما العمليات الإرهابية فمردودها سيكون سلبيا على إيران وقد يعرضها إلى المزيد من العقوبات والإدانات من دون أن يكون هناك إمكانية الاعتراض من قبل الروس أو الصين خاصة أنها ستترافق مع حملات إعلامية تدينها بشكل واسع وكبير.

العالم يسعى لمنع قيام هكذا ضربة ولكن إسرائيل تبدو مصممة، فيما إيران تبدو من ناحيتها واثقة بأن الولايات المتحدة ستمنعها عنها لذا تراها تتشدد في مفاوضات فيينا.

لا أحد يستطيع توقع ما يمكن أن يحدث ولكن إن قامت إسرائيل بتنفيذ تهديدها فعلى الأرجح ستقصف إيران تل أبيب كما فعل صدام حسين قبل نحو ثلاثين عاما، أو قد تلجأ إلى الاعتماد على الهجمات الإرهابية التي ستستهدف اليهود في العالم. أما أن تخسر استثماراتها ونفوذها في المنطقة من خلال دفع ميليشياتها الشيعية لمواجهة إسرائيل بالوكالة فهو أمر مستبعد.