أزمة روسيا وأوكرانيا على طاولة مفاوضات أميركا والناتو

أوكرانيا تسعى إلى عضوية الناتو وموسكو تحذر من التوسع المحتمل
جندي أوكراني يركّب صاروخ جافلين المضاد للدبابات خلال عرض عسكري بمناسبة عيد استقلال أوكرانيا في كييف- أوكرانيا في 24 أغسطس 2018. (رويترز)

منذ أكثر من شهر حتى الآن، تجهز روسيا حشدا عسكريا كبيرا بالقرب من حدودها مع أوكرانيا وفي شبه جزيرة القرم التي تم ضمها بشكل غير قانوني. وأثناء كتابتي لهذه السطور، كان هناك ما يقرب من 175000 جندي روسي على مقربة من حدود أوكرانيا. وبناءً على هذه التطورات، حذرت أجهزة المخابرات الأميركية وحلف شمال الأطلسي من احتمال غزو روسي واسع النطاق لأوكرانيا، وفي الوقت نفسه أعلن الرئيس الأوكراني زيلينسكي مؤخرا أن حكومته كشفت مؤامرة انقلابية ضده.

يعد هذا استمرارا لحشد عسكري كبير بالقرب من أوكرانيا كانت روسيا قد قامت بحشده في وقت سابق من هذا العام. وبالعودة إلى مارس (آذار) وأبريل (نيسان) الماضيين، أجرى الجيش الروسي حشدا واسع النطاق على الحدود مع أوكرانيا. ووفقا لبعض التقارير، فقد حشدت ما يصل إلى 15 في المائة من إجمالي قوتها البشرية ونحو ثلث كتائبها التكتيكية، فضلا عن المعدات العسكرية، بما في ذلك الدبابات وعربات المشاة القتالية والمدفعية وأنظمة الدفاع الجوي على الحدود. وفي الوقت نفسه، دقت أوكرانيا ناقوس الخطر محذرة حلفاءها الغربيين من أن موسكو تستعد للغزو. وفي مايو (أيار) الماضي، سحبت روسيا قواتها، موضحة أن الحدث كان مجرد تدريب عسكري. ومع ذلك، ظلت معظم المعدات الثقيلة في مكانها ولا تزال موجودة. يبدو أن قمة يونيو (حزيران) بين الرئيس بايدن وبوتين أدت إلى نزع فتيل التوترات، على الرغم من عدم التوصل إلى اتفاق «إعادة ضبط» بين الخصوم القدامى.

وتعود وتنفي موسكو مرة أخرى وجود خطط لغزو أوكرانيا؛ حيث أوضح فلاديمير بوتين أن الحشد العسكري على الحدود هو مجرد «تكتيك دفاعي»، وفي المقابل يتوقع أن يضمن الناتو عدم ضم أوكرانيا، واصفا هذه الخطوة المحتملة بالخط الأحمر. كما يطالب الرئيس بوتين بضمانات بعدم وضع صواريخ أميركية في أوكرانيا أو في أي مكان آخر على الحدود مع روسيا. وفي 7 ديسمبر (كانون الأول)، تحدث الرئيس بايدن والرئيس بوتين عبر مكالمة فيديو استغرقت أكثر من ساعتين، وقال البيت الأبيض إن الرئيس بايدن حذر السيد بوتين من «عواقب وخيمة» لأن الولايات المتحدة ستتبع «إجراءات اقتصادية وغيرها من الإجراءات القوية» إذا غزت روسيا أوكرانيا. وقالت واشنطن إن حزمة عقوبات رئيسية مطروحة على الطاولة في حالة حدوث غزو، وسيشمل ذلك إخراج روسيا من نظام SWIFT الدولي، وضمان أن توقف ألمانيا مشروع خط أنابيب «NordStream - 2» المثير للجدل مع روسيا.

 

 

 

ورد في تعليق الكرملين على المباحثات بين بوتين وبايدن أن «الأزمة داخل أوكرانيا وعدم إحراز تقدم في تنفيذ اتفاقيات مينسك لعام 2015» كانت مقلقة لبوتين، وأنه في المناقشة أعرب عن «قلقه الشديد بشأن إجراءات كييف الاستفزازية ضد دونباس». ووفقا للبيان، قوبل قلق بايدن بشأن تحركات القوات الروسية على الحدود مع أوكرانيا بتحذيرات السيد بوتين ضد الناتو: «وحذر فلاديمير بوتين من نقل المسؤولية إلى روسيا، حيث إن الناتو هو الذي يقوم بمحاولات خطيرة لكسب موطئ قدم في الأراضي الأوكرانية وحشد إمكانياته العسكرية على طول الحدود الروسية. ولهذا السبب، فإن روسيا حريصة على الحصول على ضمانات موثوقة وملزمة قانونا تستبعد احتمال توسع الناتو شرقا ونشر أنظمة أسلحة هجومية في الدول المجاورة لروسيا. واتفق الزعيمان على إصدار تعليمات لممثليهما للمشاركة في مشاورات هادفة بشأن هذه الأمور الحساسة».

سرعان ما كشفت هذه الأزمة عن نفسها على أنها في جوهرها مواجهة بين روسيا والولايات المتحدة- الناتو. ويبدو أن إدارة بايدن تدرك ذلك جيدا وتعرب عن مزيد من القلق والدعم لأوكرانيا أكثر مما أبدته منذ أن ضمت روسيا شبه جزيرة القرم في عام 2014. في ذلك الوقت كان جو بايدن نائب رئيس الولايات المتحدة؛ حيث اختارت إدارة أوباما عدم التدخل بشكل كبير، اكتفت بدعم أوكرانيا بخطابها فحسب. لم تبدأ الولايات المتحدة في تسليح أوكرانيا إلا بعد رئاسة ترامب. والآن يقول البيت الأبيض إنه مستعد لمواجهة روسيا إذا حدث غزو آخر. ووفقا لمستشار الأمن القومي بالبيت الأبيض، نيد برايس: «نحن الآن على استعداد لاتخاذ إجراءات لم نتخذها في عام 2014».

تُظهر هذه المجموعة من الصور التي تم التقاطها في 6 ديسمبر 2021 الرئيس الأميركي جو بايدن خلال حفل توقيع في البيت الأبيض في 18 نوفمبر 2021 والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في مؤتمر حزب روسيا المتحدة في موسكو، في ديسمبر 2021 (أ.ف.ب)

 

كما عملت الولايات المتحدة بنشاط لفصل التهديد العسكري الروسي الفوري ضد أوكرانيا عن احتمالات عضوية أوكرانيا في الناتو. ويرى قادة الولايات المتحدة الأزمة الحالية على أنها شيء مرتبط بشكل مباشر بالصراع في دونباس، وغير مرتبط تماما بمستقبل أوكرانيا مع الناتو. ووفقا لهم فإن الرسالة القديمة في الغرب هي أن انضمام أوكرانيا (أو أي دولة أخرى) إلى عضوية حلف الناتو من عدمه هي مسألة بين الناتو والدولة المرشحة نفسها بالكامل، ولا توجد أسباب قانونية أو منطقية لمنح روسيا حق النقض عليها.

عرضت الولايات المتحدة على روسيا «مخرجاً» في شكل الانضمام إلى اتفاقية مينسك وتجديد اتفاقيات السلام المتوقفة التي بدأت في عام 2015، حتى الآن دون مشاركة الولايات المتحدة. ستتضمن اتفاقيات مينسك منح مكانة خاصة لمنطقة دونباس الانفصالية المدعومة من روسيا في أوكرانيا، وإجراء انتخابات هناك حتى تتمكن من الحكم الذاتي. وفي المقابل، سيتعين على موسكو سحب قواتها من دونباس، وتسليم السيطرة على الحدود إلى أوكرانيا، وضمان مغادرة جميع المرتزقة من المنطقة المحاصرة. ولكن، هذا الاتفاق لا يحظى بشعبية كبيرة في أوكرانيا، وعلى مر السنين اندلعت احتجاجات حاشدة في كل مرة حاول الرئيس زيلينسكي احتواءها. ومع ذلك، تعتبر الولايات المتحدة حاليا أنها السبيل للخروج من الأزمة مع روسيا، ويبدو أن قادة الولايات المتحدة واثقون من إمكانية إحياء هذا الاتفاق إذا جلست روسيا إلى طاولة المفاوضات. وفي وقت سابق من هذا الأسبوع، أوضحت وكيلة وزارة الخارجية الأميركية للشؤون السياسية، فيكتوريا نولاند، للجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشيوخ: «إن تقدم اتفاقيات مينسك أفضل أساس للمفاوضات، وأن الولايات المتحدة مستعدة لدعم الجهود المتجددة إذا رحبت الأطراف بذلك.. فإن وجود علاقة أكثر استقرارا وقابلية للتنبؤ بين الولايات المتحدة وروسيا هو أفضل لكلا الجانبين».

في هذا العام وحده، قدمت الولايات المتحدة أكثر من 450 مليون دولار كمساعدة أمنية لأوكرانيا. وعلى مدى السنوات الأخيرة، وبعد الكثير من التردد، باعت الولايات المتحدة وحلفاء آخرون في الناتو أسلحة لأوكرانيا حتى تتمكن من الدفاع عن نفسها. والجدير بالذكر أن أوكرانيا اشترت 210 صواريخ جافلين المضادة للدبابات و37 قاذفة من الولايات المتحدة في عام 2018 مقابل نحو 47 مليون دولار، ووافقت وزارة الخارجية على بيع الدفعة الثانية المكونة من 150 صاروخا و10 وحدات إطلاق في أواخر عام 2019. كما باعت تركيا أيضا طائرات من دون طيار Bayraktar TB2 إلى أوكرانيا، والتي نشرتها الأخيرة بنجاح في دونباس.

لكن كل هذا يُنظر إليه على أنه قطرة في المحيط عندما يتعلق الأمر باحتياجات أوكرانيا الأمنية الحقيقية، حيث تواصل كييف طريقها نحو التكامل الأوروبي الأطلسي منذ عقود منذ استقلالها عن الاتحاد السوفياتي. ومع ذلك، في هذا الوقت، أوكرانيا ليست حتى مرشحة رسميا لعضوية الناتو. فهي تتمتع بأنواع مختلفة من وضع الشريك الرسمي مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي- وهو بعيد كل البعد عن الضمانات الأمنية التي تمنحها عضوية كاملة في الناتو. لكن هذا لم يمنع موسكو من إدراك التهديد المتمثل في توسع الناتو المحتمل شرقا على أنه خطر حقيقي ووشيك على الأمن القومي لروسيا. وحتى الآن لم ينجح أي شكل من أشكال جهود الناتو لبناء جسور مع موسكو.

 

مايا أوتاراشفيلي: باحثة ونائب مدير برنامج أورآسيا. وتشغل أيضا منصب نائب مدير الأبحاث في معهد أبحاث السياسة الخارجية (FPRI). وتشمل اهتماماتها البحثية الجغرافيا السياسية وأمن منطقة البحر الأسود والقوقاز، والسياسة الخارجية الروسية، والصراعات «المجمدة» بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.

 

 

 

 


مقالات ذات صلة