الاحتلالات الإيرانية في سوريا

بعد أكثر من عشر سنوات على انطلاق الثورة السورية وبداية التدخل الإيراني المباشر والمعلن وإرسالها لمرتزقة وميليشيات تابعين لها بدءا بحزب الله اللبناني وليس انتهاء بمرتزقة أفغانيين وباكستانيين، مرورا بالميليشيات العراقية، لا يزال البعض يتوهم أن بالإمكان الطلب من إيران الانسحاب من سوريا فتنسحب، ويتوهمون أكثر عندما يظنون أو يحاولون الإيحاء بأن الوجود الإيراني في سوريا مقتصر على الوجود العسكري وبعض التأثير السياسي على نظام الأسد.

عشر سنوات لم تكتف إيران خلالها بنشر ميليشياتها للقتال إلى جانب قوات النظام السوري في معركته ضد السوريين، حتى يكاد لا يمر أسبوع من دون أن نقرأ عن اتفاقيات وقعت بين سوريا الأسد وإيران، اتفاقيات عسكرية ولكن أيضا اتفاقيات اقتصادية وسياحية وتعليمية.

فإذا وضعنا تغلغل الميليشيات التابعة لإيران جانبا، وافترضنا أن قوة ما ستجبر إيران على التراجع عن تواجدها داخل مؤسسات النظام الأمنية وأن إيران سترضخ للضغوط الناعمة فتقرر هي الحد من تأثيرها على أجهزة الأمن السورية أو الميليشيات الرديفة التي أنشأتها، فماذا عن نفوذها في باقي القطاعات؟

قبل أيام كشفت مصادر إعلامية موالية لنظام الأسد عن وصول وفد إيراني إلى «جامعة البعث»، في حمص لتوقيع اتفاقية تعاون علمي، وهو ليس الاتفاق الأول على هذا الصعيد، فبين عامي 2019 و2020 وصل عدد الاتفاقيات ومذكرات التعاون بين وزارتي التربية والتعليم السورية والإيرانية إلى ما يقارب الـ12 اتفاقية ومذكرة. وقبل ذلك بأسابيع زار وزير الصناعة والتجارة الإيراني رضا فاطمي أمين سوريا «بهدف تنمية وتطوير العلاقات الاقتصادية في مختلف القطاعات»، وكذلك شارك الوزير الإيراني في افتتاح المركز التجاري الإيراني في المنطقة الحرّة بدمشق، والذي يضمّ عددا من الشركات الإيرانية المختصة في المجالات التجارية والصناعية والزراعية ومعدات البناء. وقبل ذلك بأشهر أبرمت طهران ودمشق اتفاقية للتعاون في قطاع الاتصالات، كذلك الأمر تم توقيع اتفاقيات لتشجيع «السياحة»بين البلدين.

لا تترك الجمهورية الإسلامية في إيران قطاعا إلا وتتغلغل من خلاله في سوريا، فسياسة نشر التشيع التي اعتمدتها طهران كانت من أبرز أدوات التغلغل الثقافي، فقد رصدت مبالغ كبيرة لنشر التشيع في مختلف المناطق السورية، وإن كان الأمر قد بدأ مع وصول حافظ الأسد إلى السلطة بعد انقلابه عام 1970. إلا أن وتيرة انتشار التشيع ارتفعت بشكل كبير مع تسلم بشار للحكم.

والجميع يعلم أن الشيعة الاثنى عشرية في سوريا أقل من واحد في المائة من إجمالي عدد السكان ومع ذلك فإن نفوذهم المدعوم إيرانيا سواء على المستوى الاقتصادي أو على المستوى السياسي بات طاغيا، فأسواق دمشق القديمة إما سيطر عليها تجار محسوبون على إيران من الأقلية الشيعية الصغيرة في دمشق عن طريق إجبار الدمشقيين ملاك هذه الأسواق التقليديين على بيعها لملاك جدد، ومن رفض البيع تم إحراق محلاته كما حدث في سوق المناخلية الملاصق للمكتبة الظاهرية في دمشق، حيث تكررت حرائق المحلات لإجبار ملاكها على بيعها لصالح إيران، لقد استطاعت إيران أن تبني نفوذا كبيرا داخل مؤسسات الحكم المحلي وخاصة في مجالس محافظات دمشق وريف دمشق وحلب مع تركيز كبير من قبل إيران على محافظة حلب التي باتت أشبه بمدينة الصدر في بغداد حيث بات كل شيء غريبا عن أهلها وتقاليدهم.

ومع ارتفاع وتيرة التشيع والتغلغل الإيراني، زاد الحديث عن مقامات شيعية تاريخية في سوريا نادرا ما كان يسمع بها السوريون، كما بدأت الحوزات العلمية في الظهور، ليصل عددها وفقا للدراسات المنشورة إلى 69 حوزة، تعمل على جذب الطلاب الشيعة من الجنسيات كافة للدراسة المجانية فيها. ويكثر الحديث في دمشق عن تقديم إغراءات لهؤلاء الطلاب للبقاء هناك والحصول على الجنسية السورية.

ووفقا لتقرير نشرته الأمم المتحدة في العام 2016. فقد بلغ عدد الوافدين الإيرانيين إلى سوريا عام 1979 نحو 20000 زائر وتصاعد هذا العدد بشكل كبير بعد انطلاق الثورة السورية في العام 2011 ليصل عام 2014 إلى مليوني زائر.

إضافة إلى ذلك اجتهدت إيران في نشر اللغة الفارسية عن طريق المدارس والمراكز التعليمية التابعة لها في مختلف المناطق السورية، بل ووصل الأمر إلى الجامعات السورية الرسمية وبدعم من نظام الأسد، حيث افتتح قسم اللغة الفارسية في عدة جامعات سورية مثل جامعة تشرين وحلب والبعث إضافة إلى جامعة دمشق بموجب اتفاقية تعاون بين وزارتي التربية والتعليم السورية والإيرانية.

ويبقى من أبرز أساليب التغلغل والسيطرة الإيرانية في سوريا هو تهجير أكثر من نصف السوريين، ومصادرة أملاكهم واستصدار قوانين تسمح بإعادة توزيع هذه الأملاك، إضافة إلى تجنيس عناصر الميليشيات الشيعية وعائلاتهم لإحلالهم مكان السوريين المهجرين.

وإن كانت هذه لمحة سريعة عن أساليب التغلغل والتغول الإيراني في سوريا، فكيف تبني دول بأجهزتها ومؤسساتها استراتيجياتها وسياساتها على أن انسحاب بضع مئات من المقاتلين الموالين لإيران كفيلة بإنهاء الهيمنة الإيرانية على سوريا؟ وإن كانت إسرائيل ترى أن مصلحتها تقتصر على إنهاء خطر صواريخ إيران الباليستية على حدودها إضافة إلى محاولة إبعاد المقاتلين الشيعة، فكيف لا يرى الآخرون الخطر الثقافي والذي من خلاله استطاعت إيران بناء ميليشيات في عدة دول عربية مهددة أمن وسلامة هذه الدول والمجتمع.