ظاهرة التحرش الجنسي في لبنان... غياب للدولة وخوف من الفضيحة

حملات لحماية الضحايا وتوعيتهن وملاحقة المتحرشين إلكترونيا
«ما تخافي كلنا حدك» حملة توعية ضد التحرش ضمن مشروع «حماية الذات وتمكينها» التي أطلقها مركز «عامل» في لبنان.

بيروت: ترتعد مسامع الجميع عند السماع به، حساسية مفرطة تجاه كلّ ما يدور في فلكه، قصص مروّعة، نظرات تخاف البوح، ذعر مما يسمّونه الـ«جرصة». غموض، وقاحة، تهديد، ومن يلام، هم في معظم الأحيان الضحايا.

تزدحم المخافر والسجون بهم، فيما تمتلئ الزوايا بآخرين خاف أهالي ضحاياهم من «الفضيحة». نعم، إنّه التحرّش الجنسي.

قد يكون الجار، أو صاحب الدكان، أو أستاذ المدرسة أو أحد أفراد العائلة، خارج المنزل أو داخله والذي يفترض أن يكون مساحة آمنة تمنح الفرد شعورا بالراحة، من دون أن يعرف أحد ما في نفسه من أمراض تفلت مكابحها أمام الآخر.

تكرّ سبحة الأزمات في لبنان وتتفاقم يوما بعد الآخر. أزمات سياسية، مالية، اقتصادية ومعيشية كبيرة، تفرض على المواطنين عبئا ثقيلاً، وتضعهم أمام تحديّات الصمود.

إلّا أننا وسط الأزمات تلك، ورغم فظاعتها، ما تزال ترهقنا الإحصائيات المرتفعة لظاهرة التحرش الجنسي وقصص الضحايا تنخر ضمائرنا بحثا عن حل.

 

شعار «نصدق الناجيات» لحملة أطلقتها «شريكة ولكن» 

 

عزلة وسوداوية وانتحار

تقول الاختصاصية في علم النفس والمعالجة النفسية الدكتورة ماري شاهين في حديث لـ«المجلة»، إن «أرقام ظاهرة التحرش الجنسي في لبنان لا تحصى وهي غالبا ما تحصل بشكل أكبر من الرجل إلى المرأة، فالتحرش هو أي عمل، قول أو تصرف، يتضمّن إيحاءات جنسية إن كانت لفظية أو جسدية، والتي قد تحصل في المنزل وفي الأماكن العامة من الشارع إلى مكان العمل، إلى المحال التجارية وغيرها».

وتصف شاهين الـ«المتحرش بشخص ثقته بنفسه ضعيفة ويحب السيطرة، يعاني من كبت جنسي ولا يتكلم عن المشاكل الجنسية التي يعيشها ولا عن رغباته وشهواته بل يعبّر عنّها بالشكل الخاطئ فليجا إلى فعل التحرش».

تسلّط الضوء الدكتورة شاهين على الأوضاع المعيشية التي راكمت حجم الضغط والقلق لدى الجميع، مؤكدة أنّها «تؤثر بشكل عميق على هذه الظاهرة».

وتضيف: «المتحرش يحوّل الإنسان إلى شيء ومتعة، حيث يفقد السيطرة، لا شعور بالندم، بل إحساس بالهيمنة وشعور بارد من دون أي كنترول».

تسرد الاختصاصية في علم النفس والمعالجة النفسية عددا من الأمثلة على استفحال ظاهرة التحرش، بدءا من رّب العمل الذي يستغل ظروف البلد ويُشعر الضحية يالإخضاع أو حتى الإرهاب والتهديد بالراتب، وصولا إلى الأشخاص الذين كانوا قبل الأزمة الاقتصادية هذه يدفعون المال لقاء خدمات جنسية، وتقول: «اليوم الأمور اختلفت».

تتابع: «حتى الأهل أصبحوا غير قادرين على ضبط الأولاد وخصوصا الشباب الذين يتابعون أفلاما إباحية عبر الإنترنت ما ينمّي شعور الرغبة الجنسية التي تتحول إلى تحرّش».

وتأسف شاهين لأنّ «مشكلة التحرش ليست أولوية الدولة اليوم، فالأمور الحياتية أكبر»، محذّرة من أنّ «تأثير التحرش على الضحية مخيف، إذ يبدأ بعدم الثقة بالنفس وبالآخرين، انطواء إلى حدّ العزلة، سوداوية وشعور بالذنب، هذا عدا الآثار الجسدية من آلام المعدة والظهر، والإدمان على الأدوية والكحول والمخدرات وينتهي في معظم الأحيان بالانتحار».

تختم شاهين حديثها بالتشديد على دور الجمعيات المعنية في التشجيع على البوح لما تسببه هذه الظاهرة من ألم.

 

المشرّع اللبناني في قانون العقوبات كان واضحا ولكن!

أمّا الناشط المدني والمحامي حسن عادل بزي، فيشرح لـ«المجلة» أنّ «المشرّع اللبناني في قانون العقوبات كان واضحا وصريحا حيث فرض أكثر من 25 إلى 35 مادة قانونية تناولت الاغتصاب والإغواء والخطف بقصد دافع جنسي والتعرض للأخلاق العامة».

وقال: «عقوبة الاغتصاب تصل لـ5 سنوات، وإذا وقعت على قاصر تحت سن الـ15 عاما 7 سنوات، أو في حال استغلال مرض قاصر تشدد العقوبة بالأشغال الشاقة لا تقل عن 5 سنوات».

وأضاف: «الإغواء والتهتك وخرق حرمة الأماكن الخاصة بالنساء مثلاً، كالنوادي والمسابح، عاقب المشرع اللبناني عليها بالحبس 6 أشهر فضلا عن الغرامات»، مشيرا إلى أنّ «المشرع اللبناني عاقب أيضا على التعرض للآداب العامة، المداعبة أو نشر صورة جنسية من شهر إلى سنة».

ويستطرد: «لا شك أن المرأة وبخاصة القاصر محميّة بقانون العقوبات اللبناني ولكن تبقى بعض الملاحظات كجرم الاغتصاب تحديدا والذي اعتبرت عقوبته 5 سنوات، هذا أمر يجب على المشرع اللبناني أن يشدد العقوبة فيه، إذ لا يعقل أن يعاقب وحش بشري بـ5 سنوات أشغالا شاقة، بل يجب تشديدها ورفعها على الأقل إلى 10 سنوات كعدد كبير من الدول».

ويتابع: «لكن القاضي لا يستطيع أن يحكم بخلاف النص لذلك يحكم بالعقوبة المتاحة أمامه، وهذا القانون حان الوقت لتطويره ليشكل رادعا فعليا وجدّيا للمغتصب».

ويختم: «نؤمن بالحرية، ولكن لا بد في مكان آخر من الاهتمام ببعض الأمور الجانبية كالتربية ومتابعة الأطفال، إذ إن جزءا كبيرا من الجرائم سببها الحرمان والإثارة المباشرة وغير المباشرة والمجرم قد يكون ضحية غريزته أو ضحية حياة اجتماعية غير سليمة»، داعيا لتنظيم المجتمع بشكل يصون الحرية ويعطي الأهمية للآداب العامة، محذّرا من أنّ «التفلت يجرّ إلى الجريمة».

 

الأخصائية في علم النفس والمعالجة النفسية الدكتورة ماري شاهين

 

حملة «متحرش كمشتك»

الصحافية اللبنانية والناشطة في قضايا المرأة، مريم ياغي تروي لـ«المجلة» تفاصيل حملة «متحرش كمشتك»، وتقول إن «الفكرة نفذتها السنة الماضية، مجموعة إلكترونية تتعقب التعليقات المسيئة، وحتى الصفحات التي ترسل مضايقات وتعليقات جنسية. والفكرة بالأصل كانت بتخطيط مشترك بيني وبين المناضلة النسوية الراحلة نادين جوني. كان من المخطط أن نطلق الحملة عبر خدمة البث المباشر عبر صفحتها الخاصة في «فيسبوك»، إلا أنّنا تفاجأنا بأنّها محظورة عن البث. أجلنا الموضوع، فخذلتنا فاجعة الموت. وعدت بعد فترة وأطلقت الحملة والتي اعتبرتها أمانة».

وتضيف: «فكرة الحملة أن نضع حدا للمتحرشين، خاصة مع انتشار هذه الظاهرة إلكترونيا وعدم وجود روادع أو ضوابط. هناك الكثير من الفتيات اللاتي يتعرضن للتحرش ويسكتن، البعض يتجاهل، وهناك فئة ترد وتوبخ المتحرش، ولكن هذا غير كاف. وطالما أنّه ليست هناك قوانين صارمة تحمي من التحرش، علينا أن نضع بأنفسنا حدا لهذه الظاهرة. المتحرش لا يتأثر بالتجاهل أو التوبيخ أو الحظر، لعلّ صورته أمام العامة هي الجزء الخاص الذي لم يحسب له حسابا حين يسمح لنفسه بالتحرش، أقصى ما قد يفعله عند تجاهل جريمته هو الانتقال إلى ضحية جديدة لأن أمره لم يفتضح بعد».

وتتابع: «قبل انطلاق الحملة، كانت الكثيرات تتشاركن معي ما تتعرض له من تحرش، بناء على متابعتهن لي واحترامهن لجرأتي في المواجهة. عند إطلاق الحملة لاقت اهتماما واسعا بشكل سريع، حتى أصبح في المجموعة خلال أسبوع واحد 1300 شخص. واعتبر البعض أن المبادرة أداة مبدئية لمواجهة المتحرش الإلكتروني، وكنت أتلقّى يوميا العديد من الشكاوى حول مضايقات إلكترونية أغلبها ذات طابع جنسي».

وتكشف ياغي أنّه «عند إطلاق الحملة، اضطر عدد من المتحرشين لإغلاق صفحاتهم، وذلك بعد تعرية سلوكهم غير الخلاقي أمام متابعيهم. فتعرّض المتحرش للفضح العلني يجعله يتخبّط، البعض يتمادى أحيانا ويردّ بتبريرات من وحي الأعراف البالية التي تحمّل الفتاة الذنب بسبب لباسها أو أفكارها أو صوتها وغير ذلك. هذه المعايير بالتحديد كالتحرش نفسه، يجب وضع حد لها».

وتؤكد أنّ «الهدف من المبادرة كان تشجيع الفتيات على مواجهة المتحرش بدل الهروب الذي يدعو إليه المجتمع. ولم يعد مقبولا جلد الضحية وتوجيه اللوم لها أو مطالبتها بأن تكتفي بـ(بلوك) مثلاً، في حين يترك المتحرش متنقلا من ضحية لضحية، ينشر تجاوزاته الأخلاقية».

وتأسف ياغي بأنّها توقفت عن متابعة الحملة، وتقول: «الأمر حقيقة سبب ضغطا نفسياً، بسبب فداحة الواقع وكثرة التجاوزات، بالإضافة لوقاحة المتحرشين والتهديدات التي كانت تصل لبريد المجموعة. كان هدفي (قرصة أذن) للمتحرشين، وأتصور وصلت الرسالة».


مقالات ذات صلة