سوريا... بؤرة عالمية لإنتاج الكبتاغون

تهريب المخدرات إلى الأردن «مشكلة إقليمية ودولية» تواجهها عمّان
حسن المومني المحلل السياسي وأستاذ العلاقات الدولية

القامشلي: يكاد لا يمرّ أسبوع دون أن تعلن السلطات الأردنية عن وقوع اشتباكاتٍ مسلّحة مع مهرّبين حاولوا إدخال كمياتٍ كبيرة من المخدرات والأسلحة إلى أراضيها عبر الحدود مع سوريا، التي تمتد لمساحات شاسعة يسعى المهرّبون لاستغلالها، حتى وصل الأمر بهم إلى استخدام طائراتٍ مسيرة في عمليات التهريب كما حصل في أواخر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عندما أعلنت عمّان عن إحباطها لعملية تهريبٍ كانت تتمّ بواسطة طائرة بلا طيار.

 

قبل اندلاع الاحتجاجات الشعبية في سوريا في مارس (آذار) من العام 2011 وما تلاها من خروج مدنٍ ومعابرٍ حدودية عن سيطرة قوات رئيس النظام السوري بشار الأسد، لم تكن عمليات تهريب المخدرات والأسلحة بهذا الحجم، حسب ما أفاد لـ«المجلة» محلل سياسي أردني معروف.
المحلل السياسي وأستاذ العلاقات الدولية حسن المومني قال في تصريح لـ«المجلة
» إن «مسألة تهريب المخدرات والأسلحة هي واحدة من القضايا التي تؤرق كامل المنطقة وليس الأردن فقط، وعلى سبيل المثال كانت مشكلة التهريب واحدة من الأسباب التي أدت لسوء العلاقات الخليجيةـ اللبنانية».
وأضاف أن «التهريب على الحدود السوريةـ الأردنية ومنها إلى دولٍ عربية أخرى، كان مشكلة حتى ما قبل الحرب الحالية، لكن الصراع المستمر أدى إلى وجود نوعٍ من الفراغ الأمني خاصة على الحدود البرية مع الأردن ولبنان والعراق، وهذه الحدود ليست منضبطة كلها وهناك ميليشيات مسلّحة وجماعات طائفية تتواجد بالقرب منها قد يكون من مصلحتها مسألة التهريب، بمعنى أن تعتمد عليه للحصول على التمويل
».

وتابع المومني أن «الحدود السوريةـ الأردنية تمتد لمسافاتٍ طويلة، وبعيدا عن مهنية وبراعة القوات الأردنية في ضبطها، ومع ذلك قد يكون هناك بعض عمليات التهريب التي قد لا تنجح القوات الأمنية في السيطرة عليها، وبالتالي هذه مشكلة رئيسية فيما يتعلق بالأمن الداخلي الأردني وأيضا دول الجوار، وهناك يوميا أخبار تفيد بإحباط السلطات الأردنية لمحاولات التهريب وإلقائها القبض على مهربين للأسلحة والمخدرات».

كما شدد على أن «الحرب وما نجم عنها من تشكيل ميليشيات طائفية أو متطرّفة، ساهمت في تفاقم مشكلة التهريب بين سوريا والأردن، حتى إن هناك اتهامات لشخصياتٍ بارزة في النظام السوري ربّما تورطت في عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات إلى الأردن، إما لدوافع مادية أو لاستخدام التهريب كورقة ضغط على دول الجوار السوري، بمعنى أن تكون سلاح ضغط كمسألة اللاجئين والإتجار بالبشر».

وأشار إلى أنه «قد تكون هناك ميليشيات وعصابات تعمل على مسألة تهريب الأسلحة والمخدرات، لكن في نفس الوقت هناك رموز النظام أو بعض المسؤولين لديه، يستخدمون مسألة التهريب هذه مع دول الجوار لأجل التنسيق معه وتغيير موقفها منه، خاصة أن دول الإقليم كلها تشكو من تهريب المخدرات بدءا من أفغانستان ووصولا إلى إيران والعراق وسوريا ولبنان والأردن ودول الخليج أيضاً».

وبحسب أستاذ العلاقات الدولية، فإن الأردن نسّق أمنيا مع قوات النظام ومعارضته وأيضا مع الروس لضبط حدوده خشية من عمليات التهريب.

وقال أيضاً: «رغم الخلافات لكن التنسيق الأمني بين الدولتين بقي موجوداً، وهناك تنسيق قوي بين عمّان وموسكو أيضاً. وكذلك عند وجود جماعات معارضة على الحدود السوريةـ الأردنية، كانت عمّان تنسق معها، لكن في الوقت الحالي الحدود برمّتها تحت سيطرة قوات النظام، وبالتالي التنسيق يكون مع أجهزته الأمنية مع وجود دور روسي».

وأضاف أن «الوضع في الجنوب السوري ليس مثاليا وتتواجد فيه ميليشيات طائفية منها قوات لحزب الله اللبناني وأخرى إيرانية أو مدعومة من طهران، وهذا يحد من قدرة النظام في هذه المنطقة، ولذلك في السياق الأمني يكون التعامل بين من يملك القوة على الأرض للمحافظة على الأمن، ولهذا عندما افتتحت الحدود السوريةـ الأردنية، تمّ ذلك بين الحكومتين السورية والأردنية بشكلٍ رسمي، لكن سابقا كان هناك تنسيق بين عمّان وقوات المعارضة في درعا وأريافها».
ولفت إلى أن «مسألة تهريب المخدرات باتت مشكلة دولية انطلاقا من أفغانستان وإيران باتجاه العراق وسوريا ولبنان وغيرها، وبالتالي هناك تنسيق أردني دولي فيما يتعلق بمشكلة تهريب المخدرات والأسلحة
».

 

لا قدرة للسيطرة على الحدود

ومن جهته، كشف مسؤول أمني أردني أن «تهريب المخدرات والأسلحة من سوريا إلى الأردن خلال الفترة من العام 2006 ولغاية 2011 كان يتم بكمياتٍ صغيرة، مما يعني أننا كنا نضبط مع المهربين على سبيل المثال نحو 20 ألف حبّة كبتاغون مخدّرة على أكثر تقدير، لكن منذ العام 2011. ارتفعت كميات التهريب بشكلٍ ملحوظ وقد ارتفعت أكثر بحلول العام 2014».
وأضاف أن «ارتفاع كمية المخدرات المهرّبة كان سببه الفلتان الأمني داخل سوريا، فقد كان يتمّ إدخالها من لبنان إلى سوريا ومنها باتجاه الحدود السوريةـ الأردنية، حتى باتت الأجهزة الأمنية الأردنية تضبط ملايين حبات كبتاغون المخدرة عوضا عن آلاف الحبوب قبل الأزمة السورية
».
وتابع أن «الأزمة السورية ساهمت في منح المهربين طرقا جديدا للتهريب منها الحدود السوريةـ الأردنية من جهة محافظة السويداء، وهي المنطقة التي تكثر فيها عمليات التهريب مقارنة مع درعا، ومعظم كميات المخدرات التي نضبطها في تلك المنطقة يكون مصدرها لبنان
».
كما شدد المسؤول الأمني على أن «عمليات تهريب الأسلحة بين سوريا والأردن تكاد لا تذكر مقارنة مع عمليات تهريب المخدرات، فهي المادة الأساسية التي تهرّب، بينما الأسلحة أغلبها تكون لاستخدامها في مواجهة القوات الأمنية الأردنية ويكون سلاحا شخصياً
».

إلى ذلك، كشف المحلل السياسي والأمني الأردني محمد الملكاوي أن «الحدود السوريةـ الأردنية هي أكثر الحدود نشاطا في عمليات التهريب في منطقة الشرق الأوسط، ويأخذ مسارين، الأول يستخدم في تهريب أسلحة فردية بمختلف أنواعها، والثاني يستخدم في تهريب المخدرات، وفي كلتا الحالتين الأردن ممرّ لتهريب هذه المواد».

وقال لـ«المجلة» إن «المشكلة حاليا تكمن في أن الحدود السوريةـ الأردنية وهي منطقة مثلث حدودي تقع بين سوريا والأردن وإسرائيل وهي مناطق جبلية وعرة وأودية، وبالتالي ليس من السهل السيطرة عليها بالكامل، وهذا ما يمنح المهربين خطوة متقدمة في معرفة المناطق الرخوة منها واستخدامها في التهريب».

وأضاف الملكاوي أن «الأردن وإسرائيل يسيطران على هذه المناطق بشكلٍ جيد للغاية، لكن المشكلة تكمن في الجانب السوري الذي يتواجد فيه خليط من القوة العسكرية كقوات النظام وميليشيات إيرانية وقوات روسية وأيضا من جماعات المعارضة».

وتابع أن «بعض الجهات التي تتواجد في الجانب السوري قبالة الحدود الأردنية تريد أن تكون هذه المنطقة ضعيفة وهي القوات الإيرانية أو المحسوبة عليها ومن ضمنها حزب الله اللبناني، ويضاف إليهم عصابات التهريب التي تريد أن تخترق الأراضي الأردنية للوصول إلى الخليج».

كما شدد على أن «بعض عصابات التهريب تريد كذلك أن تخترق الداخل الإسرائيلي والفلسطيني لتأمين سوقٍ للأسلحة، ومع ذلك الأردن حريص على أن لا يتم تهريب أي مواد عبر أراضيها كالأسلحة والمخدرات، وعلى هذا الأساس هناك تنسيق أردني مع مختلف الأطراف بما في ذلك الإسرائيلية والفلسطينية. وكذلك للأردن علاقات أمنية مع المملكة العربية السعودية خاصة أن عمليات التهريب تأخذ طابعا إقليميا خطيراً».

 

ضرورة تفكيك انتاج المخدرات في سوريا

 

وفي الأسبوع الماضي، أوصل نائبان أميركيان هما فرينش هيل الجمهوري من ولاية أركنساس، وبرندان بويل الديمقراطي من ولاية بنسلفانيا، مشروعا إلى مجلس النواب الأميركي، يطالب واشنطن بتطوير استراتيجية مشتركة بين الوكالات الفيدرالية، لتعطيل وتفكيك إنتاج المخدرات في سوريا والإتجار بها، والشبكات التابعة المرتبطة بالنظام السوري هناك، وذلك بعدما صوّتت الغالبية في مجلس النواب على قانونٍ بهذا الشأن.

كما شدد النائبان هيل وبويل على أن تفعل واشنطن كل ما يلزم لتعطيل المستوى الصناعي لإنتاج المخدرات في سوريا، مشيرين إلى أنه منذ عام 2018. حوّل إنتاج المخدرات والإتجار بها سوريا إلى دولة مخدرات لتمويل جرائم ضد الإنسانية، بحسب بيانٍ صادرٍ عنهما.

وفي يوم 21 أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2021 الجاري، أحبطت القوات المسلحة الأردنية محاولة تهريب مواد مخدرة بواسطة طائرة مسيرة قادمة من سوريا إلى الأردن.

وذكرت الوكالة الرسمية الأردنية (بترا) أن القوات الأردنية تابعت ورصدت الطائرة المسيرة التي تحمل مخدرات وأسقطتها، وفتشت المنطقة وعثرت على كميات أخرى من المخدرات.

ويعتمد النظام السوري، والميليشيات المسلحة التابعة له والتي تقاتل إلى جانبه، على تجارة المخدرات في تمويل معاركه العسكرية في البلاد، حتى باتت سوريا تُعرف بالدول التي أضحت عواصم لصناعة المخدرات، بحسب تقارير دولية.

وفي شهر أكتوبر الماضي أيضاً، ضبطت السلطات الأردنية 800 ألف حبة كبتاغون داخل شاحنة لنقل الفاكهة والخضار في معبر نصيب الحدودي بين سوريا والأردن.

وأضاف مصدر من معبر نصيب الحدودي لصحيفة «الوطن» المقرّبة من النظام أن براد نقل الخضار والفواكه كان قادما من منطقة معربة في ريف دمشق، مشيرا إلى أنه تمّ احتجاز البراد وإحالة القضية إلى الجهات المختصة لمتابعة الملف، مؤكدا أن هناك متابعة ودقة في التعامل مع مثل هذه القضايا.

وفي شهر أغسطس (آب) الماضي، أحبطت وحدات من الجيش الأردني عملية تهريب كبيرة للمخدرات من سوريا بحسب مصادر عسكرية أردنية رسمية.

وأشارت المصادر حينها بحسب وكالات أنباء أردنية إلى أن القوات الأردنية طبّقت قواعد الاشتباك، واشتبكت مع المهربين، ما أدى إلى إصابة عدد من المهربين وفرار الآخرين إلى داخل الأراضي السورية، وصادرت كميات كبيرة من المواد المخدرة. وقتل الجيش الأردني خلال الاشتباك كذلك ثلاثة مهربين على الأقل.

وبحسب الحكومة الأردنية فإن قوات الجيش ضبطت (1.307.665) حبة كبتاغون و(2100) حبة لاريكا.
وعملية التهريب هذه أحبطت من جهة الحدود الأردنية. وكانت تتألف من شحنتين منفصلتين من مادة الكبتاغون مخبأة في أكياس البنّ.

وطبقا لدراسة نشرها مركز التحليلات العملياتية والأبحاث (كور-Coar)، حول الاقتصاد السوري منذ بداية الحرب في سوريا، فقد تحولت سوريا إلى بؤرة عالمية لإنتاج الكبتاغون. وقدرت قيمة صادرات سوريا من الكبتاغون في عام 2020 الماضي وحده بأكثر من 3.46 مليار دولار أميركي.

 

 

 


مقالات ذات صلة