كتاب أميركي: الكيسنجرية.. نصف السلام

واشنطن: مؤخرا، كتب مارتن إنديك، مؤيد قوي لإسرائيل، ومبعوث رئاسي سابق لإسرائيل، وكان مرتين سفيرا في إسرائيل، كتابًا عن هنري كيسنجر، وهو، أيضا، مؤيد قوي لإسرائيل، وكان مستشارا سابقا للأمن الوطني، ووزيرا للخارجية. وأيضا، هو صديق إنديك، ومعلمه، وكان رئيسه، وكان رئيس زوجته عندما عملت سكرتيرة خاصة له.

بعد صدور الكتاب، قالت تقارير إخبارية أن كيسنجر لم يرض عن أجزاء من الكتاب وصفته بأنه «متلاعب»، خاصة في تعامله مع الدول العربية خلال «دبلوماسيته المكوكية» في أعقاب حرب عام 1973 بين إسرائيل والعرب.

لكن عنوان الكتاب «سيد اللعبة» يوضح أن إنديك بذل قصارى جهده لتمجيد كيسنجر.

وهذه بعض فصول الكتاب:

الاستراتيجية. تحقيق السيطرة. أزمة الأردن. جحيم غولدا مائير. هنري العرب. فك ارتباط سيناء. اختراق. الخطوة التي لم يتم اتخاذها. إعادة التقييم.

صار واضحا من عناوين هذه الفصول أن الكتاب سرد سياسات وإنجازات كيسنجر في الشرق الأوسط، والتي يبدو أنها كانت الرائد لسياسات إنديك وإنجازاته عندما لعب دورًا رئيسيًا في سياسات وإنجازات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط بعد نحو 20 عامًا منذ أن ترك كيسنجر العمل الحكومي.

وفي الولايات المتحدة، صدرت عشرات الكتب عن كيسنجر. وبرز بعضها. مثل: «محاكمة هنري كيسنجر»، الذي كتبه كريستوفر هيتشن. و«كيسنجر: سيرة ذاتية»، الذي كتبه والتر إيزاكسون. و«ثمن القوة»، الذي كتبه سيمور هيرش. رغم أن الكتاب الأول، كما يوضح عنوانه، كان ناقدا قويا لكيسنجر، كان الكتابان الآخران عادلين، وأظهرا جوانب مختلفة من حياة كيسنجر.

وقال إنديك أن سبب عنوان كتابه، «سيد اللعبة»، هو أن كيسنجر «كان جيدًا جدًا في الأشياء الضرورية للدبلوماسيين الكبار. فن الدبلوماسية هو إقناع القادة بأشياء ما كانوا يريدون الاقتناع بها. وكان كيسنجر بارعًا في ذلك».

واحد من الاكتشافات القليلة في الكتاب، على لسان صديق كيسنجر هذا، هو أن كيسنجر «كان يشك شكوكا قوية فى السلام» بين إسرائيل وجيرانها العرب. وأن كيسنجر آمن بأنه لن يكن هناك سلام حقيقي بين الجانبين. ويبدو أن إنديك سار وراء كيسنجر في هذا الإيمان.

كتب إنديك في كتابه: «كان صنع السلام بالنسبة لكيسنجر هو تخفيف المشاكل بين الدول المتعارضة، وليس إنهاء هذه المشاكل». وأن كيسنجر «قاوم مقاومة شديدة الجهود الأكثر طموحًا لحل الصراع العربي الإسرائيلي حلا نهائيا. وذلك لأن كيسنجر خاف من أن محاولات تحقيق سلام مثالي ونهائي سوف تهز حالة الاستقرار بين الأعداء التي تقوم عليها فلسفته».

وأضاف إنديك: «السلام بالنسبة لكيسنجر هو المشكلة، وليس الحل».

وجادل إنديك بأن كيسنجر لم يكن مؤيدًا لمبدأ «الأرض مقابل السلام»، بل كان مؤيدا لمبدأ «الأرض مقابل الاستقرار». وأن كيسنجر «كان يؤمن بالنهج التدريجي. وهو كسب الوقت لإسرائيل لتقوية نفسها، بالدعم الأميركي، وكسب الوقت، ليرهق العرب أنفسهم، حتى يقبلوا بوجود إسرائيل».

أراد كيسنجر، الواقعي دائمًا، أن يكون العرب واقعيين أيضًا. وهو أن إسرائيل موجودة لتبقى، بدعم قوي من الولايات المتحدة.

لكن، غريب أن إنديك جادل بأن سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط تباطأت منذ أن ترك كيسنجر الحكومة.

ربما كان إنديك يريد إرضاء غرور كيسنجر. لأنه، واقعيا، سمحت الولايات المتحدة لإسرائيل، عامًا بعد عام، ببناء مزيد من المستوطنات في الضفة الغربية، وفي مرتفعات الجولان السورية. وخلال رئاسة دونالد ترامب، فاز الإسرائيليون بأكثر مما كانوا يتصورون في أي وقت مضى:

أولا، الاعتراف بالقدس كعاصمة لإسرائيل.

ثانيا، السيادة الإسرائيلية على مرتفعات الجولان. (في امتنان جزئي، يقوم الإسرائيليون ببناء مستوطنة أطلقوا عليها اسم «مرتفعات ترامب»).

هكذا، تفوق ترامب على كل من كيسنجر وإنديك. وحقق هدفهما المتمثل في «شراء الوقت لإسرائيل، لتقوية نفسها بالدعم الأميركي، وكسب الوقت للعرب لإرهاق أنفسهم حتى يقبلوا بإسرائيل».

فعلا، مؤخرا، فعلت ذلك بعض الدول العربية. رغم أن الاعترافات العربية السابقة بإسرائيل (من قبل مصر والأردن) لم تسفر عن سلام حقيقي.

لكن، في انتصار آخر لكيسنجر، لم يكن الهدف تحقيق سلام حقيقي، ولكن «تلطيف المشاكل بين الدول المتنازعة، وليس إنهاء هذه المشاكل». كان الهدف هو «سلام غير كامل، ومزيف، أو نصف سلام».

لهذا، يمكن القول إن الدول العربية التي اعترفت مؤخرا بإسرائيل سارت على خطى هذه الكيسنجرية.

وربح الجانبان لأنهما اتفقا على نصف سلام.

كتب إنديك: «كان نجاح كيسنجر الأول هو إخراج مصر من الصراع مع إسرائيل. عندما فعل ذلك، من خلال الاتفاقيتين اللتين تفاوض عليهما بين إسرائيل ومصر، جعل من المستحيل على الدول العربية الأخرى التفكير في شن حرب مع إسرائيل».

طبعا، كل ذلك لم يحدث دون الدور المهم للولايات المتحدة. وعن ذلك كتب إنديك: «معاهدة السلام بين إسرائيل ومصر، ومعاهدة السلام بين إسرائيل والأردن، واتفاقيات أوسلو، كلها لم تتحقق دون مشاركة الولايات المتحدة».

سؤال: ماذا عن الفلسطينيين؟ هل سيقبلون أيضًا نصف السلام الكيسنجري؟

أجاب إنديك: «صار واضحا أن شراء الوقت لم يحل المشكلة بين إسرائيل والفلسطينيين. لكنه قلل، تقليلا هاما، توقعاتهم عن دولتهم في المستقبل».

وأضاف إنديك: «بدأ الفلسطينيون بهدف تدمير إسرائيل. وأمام الأمر الواقع، صاروا واقعيين، وعدلوا توقعاتهم عن دولتهم في المستقبل».

سؤال: ماذا عن أخلاقيات سلام الكيسنجرية، السلام الزائف وغير الكامل؟

أجاب إنديك: «أعتقد أن كيسنجر واقعي أكثر منه أخلاقيا».

سؤال: ماذا عن موقف الكيسنجرية من الحروب المستمرة في المنطقة، مؤخرا وحاليا، رغم أنها لا تشمل إسرائيل مباشرة (الكويت، العراق، سوريا، ليبيا، اليمن.. إلخ)؟

أجاب إنديك: «يعارض كيسنجر الحروب التي تعرقل الاستقرار الذي تقوم عليه فلسفته. لهذا، لا يعارض الحروب الجانبية، ولا يعارض الحروب التي تقوي هذا الاستقرار».

هذه الآراء من رجلين، كيسنجر وإنديك، يؤيدان إسرائيل تأييدا قويا، يجب أن لا تفاجئ أي شخص.

 

الكتاب: «سيد اللعبة: هنري كيسنجر وفن دبلوماسية الشرق الأوسط»

المؤلف: مارتن إنديك

الناشر: نوبف، نيويورك

عدد الصفحات الورقية: 688

ورقي: 28.49 دولار

إلكتروني: 14.99 دولار


مقالات ذات صلة