تأملاتٌ في حالةِ الشرق الأوسط...

 

 

 

في سنة 1979 حدث أمرٌ من أسوأ الأحداث التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال الألف سنة الأخيرة. وأنا هنا أتحدث عن عودة الخميني (من باريس) لطهران وتأسيسه لدولة ثيوقراطية (يكون فيها الحكمُ لرجال الدين) في زمنٍ كانت الإنسانية قد تخلصت فيه من هذا النوع من الحكمِ والحكامِ. وكانت لذلك الزلزال تداعيات عديدة، منها رد الفعل في المجتمعات الإسلامية السنية والذي أُلخصُه بهذه الكلمات: مع صعود الأصولية الإسلامية الشيعية لحكمِ إيران، تنامت تياراتٌ أصولية إسلامية سنية في معظمِ المجتمعاتِ الإسلامية، ومن بينها التيار الذي سُمي لاحقا «الصحوة». وعندما فشل مشروعُ تمكينِ جماعة الإخوانِ من حكمِ مِصْرَ، ووقوف السعودية والإمارات ضد المد الإخواني المدعوم من عدة جهاتٍ غربية، جاءت موجة تغييرٍ في السعودية ضد الأصولية ومع الحداثة لتجهض سيناريو تعاظم الأصولية الإسلامية السنية التي بدت أحداثُ ما عُرِفَ بالربيعِ العربي وكأنها تقود المجتمعات ذات الأغلبية المسلمة السنية لها.

 

ورغم الواقع الآني الدامي في العراقِ وسوريا واليمن، فإن أسبابا تدعو للتفاؤل، وفي مقدمتها الدور المصري والسعودي والإماراتي. وأيضا، تراجع احتمال نجاح الإخوان في تأسيسِ حكمٍ أصولي (ثيوقراطي) في سوريا وليبيا وتونس. وكذلك، الاحتمالات الإيجابية للسيناريو المتوقع في السودان.

وكما أُكررُ، فإن تجربتي كمال أتاتورك في تركيا، والحبيب بورقيبة في تونس، تُعلمنا (أو ينبغي أن تعلمنا) أن «تحديثَ المجتمعاتِ بقراراتٍ وأوامر فوقية» ستكون دوما معرضة بشدة لنكساتٍ كما حدث في تركيا وتونس على يد اثنين من الأصوليين (أردوغان والغنوشي). وهو ما يجب على دولٍ مثل مِصْرَ والسعودية والإمارات إدراكه وإدراك أن البديلَ الضامن للاستدامة والنجاحِ هو وضعُ أسسِ حداثة مجتمعاتِها من خلال منظوماتٍ تعليمية حداثية. وأُكررُ هنا ما قلتُه مرارا في جلساتٍ دعيتُ للحديثِ فيها بعددٍ من البرلمانات الأوروبية من بينها مجلس العموم ومجلس اللوردات البريطانيين ومجلس النواب الإيطالي والبرلمان الأسترالي، وأعني هذا السؤال: أين في كل أوروبا تحققت الحداثة وذاعت قيمها بأوامر فوقية؟!

وأنا هنا لم أقلْ إن الحداثة والديمقراطية ليستا مهمتين، ولكنني قلتُ إن الديمقراطية ثمرة تطوراتٍ مجتمعية وليست أمطارا صناعية تسقط بقراراتٍ فوقية. فالحداثة وقيمُها هما الهدف الأسمى لكل أنشطتي الفكرية والثقافية منذ صدر أولُ مؤلفاتي منذ 44 سنة. ولكننى لا أؤمن بتحقيقِ الحداثة وتأصيل قيمها بقراراتٍ سياسية فوقية وإنما بتوفرِ رؤية سياسية تتوخى تحديث مجتمعاتها وبوجودِ منظوماتٍ تعليمية حداثية توفر المواطن القابل للحداثة وللإيمانِ بقيمِها.

وأعودُ لمنطقتنا بقلبِ الشرق الأوسط فأقول: إن حالته الراهنة شديدة التعقيد والتضارب:

فالأوضاعُ في العراق وسوريا ولبنان واليمن مقلقة جداً. وفي مقدمة أسباب ذلك، الوجود الإيراني الإمبريالي بهذه البلدان.

والأحوال في الأردن والجزائر والمغرب «شبه مستقرة» مع استاتيكية تاريخية واضحة.

والأحوال في تونس قابلة للتقدم ولكنها أيضا قابلة للانتكاس.

وفي السودان هناك ما يدعو للتفاؤل الحذر.

وفي ليبيا، الشهور من الآن لمنتصف السنة القادمة ستحدد لون المصير: هل أسود؟ أم أبيض؟ أم رمادي؟

أما قطر، فستبقى كما هي الآن «حالة خاصة جداً».

وأبقى أنا متفائلا بمستقبلِ مساراتِ مِصْرَ والسعودية والإمارات والبحرين وأيضا بمسار سلطنة عمان.

وهذه النظرة التأملية لمنطقة الشرق الأوسط تعمدت عدم التطرق للمسألتين: الفلسطينية- الإسرائيلية، والعربية- الإسرائيلية عن قصدٍ، لاستحالة تناولهما بشكلٍ مقتضب ولاستحقاقهما لتناولٍ مستقلٍ.

 

لقراءة المزيد من كتابات طارق حجي: http:--www.tarek - heggy.com