مازري الحداد: الرئيس قيس سعيد اتخذ خطوة جريئة لصالح تونس

السفير السابق لبلاده في اليونيسكو قال إن على المسلمين قراءة دينهم بشكل عقلاني
مازري الحداد

باريس: الكاتب السياسي مازري الحداد السفير السابق لتونس في اليونيسكو، والذي يشرف على إدارة «المركز الدولي للدراسات الجيوسياسية والاستشرافية بباريس». وهو مهتم بشؤون العالم العربي، كما أنه أحد الأصوات الفكرية العربية في الغرب... يحارب الأصولية منذ سنوات طويلة.. ومن أشهر مقولاته «أعارض الإخوان لأني أعشق محمد»وهو مؤلف للعديد من الكتب بالفرنسية آخرها كتاب ظهر في فرنسا وتونس معا في شهر يناير (كانون الثاني) 2011 تحت عنوان: «الوجه الخفي للثورة التونسية: الأصولية الإسلاموية والغرب: تحالف شديد الخطورة».. والدكتور الحداد من أوائل من وصفوا الربيع العربي بـ«سايكس بيكو-2»وفيه تنبا (قبل حصول الانتخابات التونسية والمصرية بأشهر) بالانتصار الساحق لـ«الإخوان» المسلمين، ليس فقط في تونس ومصر وإنما في مجمل البلدان التي شهدت موجات احتجاجية. كما أنه تنبأ بحصول موجة من التفجيرات الترويعية الإرهابية الإسلاموية في الغرب وبالأخص في فرنسا التي اتهمها بالتواطؤ مع تنظيمات إرهابية في الشرق الأوسط.

في هذه المقابلة يتحدث الحداد عن الوضع الحالي في تونس وليبيا. كما أنه يتحدث بكلمات قوية عن الخطر الذي يمثله الرئيس التركي رجب إردوغان على أوروبا.

 

* ما المحصلة الختامية للربيع العربي في تونس على وجه الخصوص وأيضا في ليبيا؟ كيف تقيمون كل ذلك؟

- أولا اسمحوا لي بالتوضيح بأن استباقي لنتائج وتداعيات الربيع العربي منذ بدايته سنة 2011 لم يكن مبنيا على تنبؤ بل على تحليل عقلاني واستشرافي. لقد فعلت ذلك عندما كان الشارع العربي كما يقولون في حالة ثورية زائفة، حالة هيجانية وهستيرية بعد أن شرب العرب من نهر الجنون كما وصفهم توفيق الحكيم. لقد فعلته عندما كانت النخب السياسية، والثقافية، والإعلامية الغربية والعربية تشيد بهذه الثورات وتتملقها وتصفها خطأ وزورا بالربيع العربي التحريري! أنا شخصيا لا أعترف بحصول أي ثورة في العالم العربي ما عدا الثورات الوطنية التي خيضت ضد الاستعمار أيام بورقيبة وبقية القادة العرب الآخرين. لا أعترف بأي ثورة في تونس باستثناء ثورة يناير (كانون الثاني) 1952.

كما تفضلت كنت أحد النادرين آنذاك وربما الوحيد الذي أدان منذ شهر يناير 2011 هذه الحماسة الغربية المفرطة لهذه الانتفاضات الشعبية. كنت الوحيد الذي حذر مواطنيه التونسيين من الغد الأصولي الظلامي الذي ينتظرهم لا محالة. وهي ذات الأصولية التي مكنوها بالحكم في مصر ودعموا إجرامها وهي ذاتها التي ضربت فرنسا عام 2015 بتفجيرات مروعة ثم ضربتها أيضا عدة مرات لاحقا.

سوف أبتدئ الرد على سؤالكم انطلاقا من تونس لأنها بلدي وهو البلد الذي أشعل فتيل البارود الذي انفجر في بقية البلدان العربية لاحقا. ما هي محصلة هذا الربيع العربي المزعوم بعد عشر سنوات من حكم الإسلامويين وحلفائهم من ليبراليين ويساريين متطرفين؟ الحصيلة هي أن بلادي أصبحت مفلسة متسولة اقتصاديا، ومفككة اجتماعيا، ومنهارة أخلاقيا ومهمشة دبلوماسيا، ومتدنية المكانة سياسيا، وبليدة بلهاء إعلاميا. خلال هذه السنوات العشر السوداء حصل تفكيك مقصود ومنهجي للدولة، وتدمير للاقتصاد، ونهب وسلب وفساد. لقد حصلت صعلكة سياسية وبرلمانية، حصلت فوضى عارمة، بل وحصل توحش اجتماعي. الشعب التونسي مهذب في الأساس وحضاري، ولكنه توحش بسبب الظروف غير الطبيعية التي عاشها خلال تلك الفترة العصيبة المدعوة بالربيع العربي. لقد حصل فقدان للأمن وانتشار للجريمة، وإفقار للمجتمع.. هذه هي حصيلة الربيع العربي في تونس والمسؤول ليس الإخوان فقط بل كل الأطراف والأشخاص والأحزاب التي أتت بهم ثورة الياسمين وأخص بالذكر الباجي قائد السبسي. وقبل وفاته انهارت الدولة البورقيبية ونهبت أموال الشعب وعمت الخيبة العارمة وانتشرت لكي تشمل شيئا فشيئا جميع طبقات المجتمع وفئاته. وقد عبر الشعب التونسي بقوة وكثافة عن غضبه العارم على هذا الوضع المزري يوم 25 يوليو (تموز) الماضي عندما تظاهر في الشوارع بالآلاف المؤلفة. لقد نزلت الجماهير إلى الشارع تأييدا للقرارات الإنقاذية التي اتخذها الرئيس قيس سعيد. وهي قرارات حازمة وصائبة تهدف إلى وضع حد لهذا التدهور والانحطاط.

تسألني عن المحصلة وأنا أقول لكم: لم يبق شيء من إرث بورقيبة الكبير في مجال التربية والتعليم والدبلوماسية من جهة، وفي مجال السيادة الوطنية والقومية التونسية من جهة أخرى. وكذلك لم يبق شيء يذكر من إرث زين العابدين بن علي الذي نجح وتفوق في مجال تحقيق الأمن والازدهار الاقتصادي للبلاد. كل هذا ذهب أدراج الرياح إبان هذه العشرية السوداء من الربيع العربي المدمر والمخيب للآمال. ينبغي أن يعلم الجميع ما يلي: قبل هذا الشيء المزري الذي دعوته عام 2011 بالانقلاب الأصولي- الأطلسي على تونس كانت بلادي تصدر للشرق وللغرب المهندسين، والأطباء، وبقية الكفاءات الأخرى. ولكن بعد الربيع العربي أصبحت تصدر أيضا إلى العالم أولئك المساكين المرشحين للموت والانتحار في مياه البحر الأبيض المتوسط. كما أصبحت تصدر جحافل الإرهابيين. وبعد كل ذلك، بعد كل هذا الفشل الذريع، لا أزال أسمع بعض الربيعيين المشؤومين وبعض المدافعين المزعومين عن حقوق الإنسان يقولون إن تونس هي «البلد الوحيد الذي أنجح ربيعه العربي»! يا لها من فضيحة، من مهزلة حقيقية. ولكن هذه المعزوفة المغلوطة المنافقة ما عادت تخدع أحدا. ولم تعد تحدث أي صدى إشعاعي مبهج وإنما أصبحت تشبه الصلاة الجنائزية على الموتى. ولم يعد مواطنيّ التونسيون أنفسهم يصدقون هذه الأكذوبة التي خدعتهم طويلا. أقصد أكذوبة الربيع العربي.

أما فيما يخص ليبيا فلن أخبركم شيئا لا تعرفونه. الوضع في البلاد أصبح فوضى عارمة بانتظار الحرب الأهلية ربما. والحال هو أن البلد أصبح مقسما إلى دولتين وربما ثلاث. كان الشعب الليبي شعبا كريما شهما غنيا في عهد القذافي. ولكنه أصبح الآن شعبا فقيرا، محتاجا، مستسلما للمقادير. لم تعد لليبيين دولة مركزية. وثرواتهم التي تتجاوز البترول بكثير أصبحت منهوبة من قبل النهابين السلابين الأميركان والأوروبيين كما تعرفون. لقد أصبحت ليبيا مركز تجمع هائل للمتاجرين المهربين من كل نوع وصنف. لقد أصبحت أكبر مركز للمرتزقة والجهاديين المتعددي الجنسيات الذين يشهدون الآن وبعد جلاء أفغانستان عملية إعادة تنظيم شاملة وتركيبية كبرى. وأصبحت ليبيا أيضا ممرا لآلاف الأفارقة المهاجرين المرشحين للوصول إلى الجنة الأوروبية. فهل نيكولا ساركوزي وبوقه «الفلسفي»برنار هنري ليفي سعيدان بهذه المحصلة الفوضوية العارمة. هنيئا عليهم هذا الانتصار! أقول ذلك وأنا أعلم أن محكمة الجنايات الدولية لم تخلق لأمثالهم وإنما فقط للعرب والأفارقة. ولكني أعرف أيضا أنهما أدينا منذ البداية من قبل محكمة أكبر وأعظم: هي محكمة التاريخ. لو توصل خليفة حفتر أو سيف الإسلام القذافي أو الاثنان إلى السلطة فإن ليبيا يمكن أن تنبعث من تحت الرماد. يمكنها عندئذ أن تخرج من هذه «الفوضى الخلاقة»على حد تعبير كوندوليزا رايس. وعندئذ يمكنها أن تعيد بناء نفسها وتستعيد مجددا وحدتها الوطنية والترابية.

 

* ألستم تقسون على فرنسا وتظلمونها أكثر من اللازم بكلامكم هذا؟

- قسوتي تعبر عن حزني وألمي لما حصل ويحصل.. لست قاسيا مع فرنسا هذا البلد الذي أحببته وأعجبت بحضارته وقيمه. وهو بلد أشعر بالمديونية تجاهه على أكثر من صعيد. لا أقول ذلك لأني استفدت من إعاناته العائلية والاجتماعية كما يعيروننا نحن العرب والمسلمين بذلك في هذه الأزمنة الشعبوية المعممة والعنصرية التي أصبحت عادية اليوم. وإنما أقول هذا الكلام لأني كنت لاجئا سياسيا في فرنسا من 1989 إلى 2000 ثم بشكل أخص لأني درست في جامعة السوربون الشهيرة والعريقة ونلت منها شهادة الدكتوراة.

سوف أكون صريحا وواضحا: نعم أحس بمشاعر الغضب والاستنكار تجاه قادتها السابقين الذين كانوا في السلطة والذين ساهموا في انحلال وانشقاق فرنسا من الداخل وفي تخفيض سمعتها وقيمتها في الخارج. عندما يضع بعضهم يده في يد القاعدة أو جبهة النصرة فإنه لا يستحق أي اعتبار. عندما يساهم بعض السياسيين الفرنسيين في تدمير بلدين عربيين ويخاطرون بعملهم هذا في تحريك العصا الإرهابية ضد بلدهم بالذات فإني أشعر بالغضب ولا أفهم لماذا يفعلون ذلك؟ بل أفهم عندما يساهمون في جذب الإرهابيين بكثافة إلى الأرض الفرنسية فإنهم يثيرون الاستنكار ولا يستحقون أي احترام. عندما يقودون سياسات طائشة تؤدي إلى تهديد أمن مواطنيهم وحياتهم فضلا على أمن واستقرار بلداننا العربيةفإنهم لا يستحقون أي تقدير. ولست الوحيد الذي يعتقد ذلك ويقوله. هناك فرنسيون كثيرون يقولونه أيضا. فرنسوا هولاند ولوران فابيوس ارتكبا أخطاء فاحشة وقبلهم نيكولا ساركوزي. جميعهم ارتكبوا أخطاء جسيمة بحق فرنسا ذاتها.

 

* نعم ولكن فرنسا كبقية القوى الغربية لها مصالح في هذه البلدان حيث حاربت داعش أيضا!

- على الرغم من تونسيتي أو كوني تونسيا فإني لا أمتلك نفس التصور عن المصلحة العامة أو عقل الدولة كبعض المسؤولين الفرنسيين. وهذا ما قلته وكررته منذ عام 2011. لقد قلت بأنه ليس لفرنسا أي مصلحة في خوض الحرب وبخاصة في ليبيا بواسطة المرتزقة. أو لنقل إذا ما افترضنا وجود «نية طيبة»وأفضل «المقاصد الحسنة»لدى مسؤوليها بخصوص مصالح البلاد فإن هذه المصالح قصيرة النظر وليست على المدى البعيد. ينبغي العلم أن المصلحة العليا والحيوية لفرنسا ولكل دولة في العالم هي حماية مواطنيها أولا. ولكننا نعلم أن الصراع الذي انخرطت فيه في ليبيا كانت نتيجته المباشرة تعريض أرواح الفرنسيين للخطر. وذلك بدليل أنه تلاه وباءان اثنان: موجة الإرهاب، وغزو المهاجرين. هذه هي نتيجة السياسة الخاطئة التي انتهجها نيكولا ساركوزي أولا ثم فرنسوا هولاند ووزير خارجيته لوران فابيوس لاحقا. لقد تدخلوا لصالح المتطرفين في ليبيا فكان أن كافأهم المتطرفون بتفجير باريس ذاتها وبخاصة مجزرة مسرح الباتكلان الرهيبة!

أما عن انخراط فرنسا ضد داعش فدعني أذكر بالمثال الفرنسي «من الأفضل أن يحصل الشيء متأخرا على أن لا يحصل أبدا». ولا أملك هنا إلا أن أصفق لفرنسا وأشكرها حتى ولو كان عملها هذا قد تم من خلال تحالف مدعو بالدولي.

واسمح لي هنا أن أذكر بذلك الكلام الشجاع والشريف وأرجو أن يكون استراتيجيا لإيمانويل ماكرون. وأقصد بذلك تصريحاته لجريدة «لوفيغارو»يوم 21 يونيو (حزيران) 2017 حيث قال بالحرف الواحد: «لقد أخطأت فرنسا إذ قادت الحرب في ليبيا بهذه الطريقة. ماذا كانت محصلة تدخلها؟ لقد نشأت دولة فاشلة تزدهر فيها الجماعات الإرهابية». واسمحوا لي أن أذكركم بذلك التصريح الآخر الذي أدلى به الرئيس ماكرون لجريدة «الأحد»(جورنال دو ديمانش) بعد ثمانية أشهر من ذلك التاريخ يوم 2 فبراير (شباط) 2018: «تقع على كاهل أوروبا والولايات المتحدة وبعض الآخرين مسؤولية جسيمة بخصوص الوضع الحالي في ليبيا... إذ أقول هذا الكلام فإني لا أنسى أن العديد من المسؤولين قرروا التخلص من الزعيم الليبي ولكنهم لم يبلوروا أي مشروع مقبل لما سيأتي... مهما يكن رأينا في هذا القائد فإن الخطأ الذي ارتكب هو الاعتقاد بإمكانية الحلول محل سيادة شعب ما وتقرير مستقبله ومصيره نيابة عنه... ينبغي أن نعترف بالخطأ: لقد أغرقنا ليبيا في الفوضى منذ سنوات عديدة من دون أن نتمكن من حل المشكلة».

 

* بهذا الصدد نسألكم: لقد أصدرت تونس مذكرة اعتقال دولية بحق رئيس الجمهورية السابق منصف المرزوقي. لماذا؟

- نعم هناك مذكرة اعتقال بحق الرئيس المؤقت السابق وغير المنتخب الذي اغتصب المنصب بشكل مؤقت وانتقالي عابر. هناك عدة أجوبة على سؤالك. ظاهريا يبدو أن السبب هو تحريضه على بلاده لدى بعض البلدان الأجنبية وبعض المؤسسات الدولية والشيء من مأتاه لا يستغرب. ولكن أعتقد أن السلطات التونسية تعزو له إمكانيات وتأثيرات عالمية لا يمتلكها في الحقيقة على الإطلاق. إنها تعطيه أهمية لا يستحقها. المنصف المرزوقي ليس شيئا يذكر على الساحة التونسية والدولية. على الرغم من كل تدخلاته وتحريضاته المدفوعة والمأجورة، والسياسوية الشعبوية الغوغائية على صفحة «فيسبوك» فإن تأثيراته الدولية لا تتجاوز حدود الحي الصغير الذي يسكنه في باريس. أما جوابي الثاني الأكثر جدية فهو التالي: أني أنتظر من الحكومة التونسية الحالية أن تفتح تحقيقا عن الملفات الحساسة والتفجيرية الخاصة بهذا المدعو. ينبغي أن تفتح تحقيقا بغية تقديمه أمام العدالة التونسية وربما القضاء الدولي. تنبغي محاكمته بتهمة المسؤول الذي استرخص بلاده وباع مصالحها الحيوية. لقد فتح أرشيفات قصر قرطاج وقدس أقداسها لقطاع الطرق. بل وقد استقبل بعض الإرهابيين في ذات القصر الشامخ المنيف المعبر عن سيادة الأمة التونسية وشرفها. هذا ما فعله هذا المدعو منصف المرزوقي. نعم لقد فتح الأرشيفات السرية وفتح القصر أمام الإرهابيين، هذا القصر الذي كان عرينا للحبيب بورقيبة ثم لزين العابدين بن علي من بعده. وهذا الشخص المدعو بالمنصف المرزوقي كان متواطئا مع الغنوشي. وهو الذي نظم في تونس أول مؤتمر قمة للمعارضة السورية المأجورة. وهذا المدعو بالمنصف المرزوقي هو الذي سلم رئيس الوزراء السابق البغدادي المحمودي إلى الميليشيات الأصولية الإسلاموية في ليبيا... إن لائحة مساوئ هذا الشخص وانتهاكاته للسيادة التونسية وأفعاله الذميمة أطول من ذلك بكثير. ولذلك أقول ما يلي: بدلا من إصدار مذكرة اعتقال دولية بحقه (وهي كلام لفظي ورمزي لا قيمة له) فإنه ينبغي اتخاذ تدابير فورية وعملية ضد هذا المدعو وضد زعيمه وشيخه الروحي راشد الغنوشي. ينبغي أن يدفعا ثمن الأخطاء والتجاوزات والانتهاكات التي ارتكبت طيلة عشر سنوات.

 

* يبدو أنك متشائم بخصوص تونس. نقول ذلك على الرغم من أنه يوجد نظام ديمقراطي، ومجتمع مدني مثقف، وشعب مسيس يبدو أنه يرفض الأصوليين الإسلامويين من حركة النهضة!

- أنت تتحدث هنا عن شعب حضاري متحضر، وأنا أتحدث بالأحرى عن أمة تونسية كانت حضارية متحضرة سابقا متماسكة ملتحمة اجتماعيا مزدهرة اقتصاديا. ينبغي العلم أنه منذ سقوط تونس عام 2011، ولا أقول سقوط النظام، أصبح عندنا مليون رئيس محتمل من شعب لا يتجاوز عدد سكانه 11 مليون نسمة. وأصبح عندنا مليون وزير محتمل، ومليون سفير محتمل، ومليونا نائب وهمي، و5 ملايين محلل سياسي، وأكثر من 200 حزب سياسي، ونحو 2000 رابطة أو جمعية... وهذا يعني أننا شعب من النخبة مشكل من 11 مليونا من المواطنين المحترمين الأكفاء. الجميع يقولون: لماذا لا أكون أنا؟ وهذا شيء مفهوم في الواقع. فإذا كان شخص عجيب كالمنصف المرزوقي قد أصبح في يوم من الأيام وفي عثرة تاريخية رئيسا للجمهورية فإن كل شيء جائز ومحتمل. إذا كان أشخاص من نوعية عبد السلام بوشلاكة، وكمال الجندوبي، وسليم بن حميدان، وسهام بادي، ونور الدين البحيري، ومحمد الحمدي، وعلي العريض، قد أصبحوا وزراء، فلماذا لا يصبح كل التونسيين وزراء؟ وإذا كان أشخاص فائقو الوصف والعظمة من أمثال خالد بن مبارك، وعلي بن عرفة، وعادل الفقيه... كانوا سفراء فلماذا لا يصبح جميع التونسيين سفراء؟ وإذا كان إبراهيم القصاص، ويامنة زغلامي، وإياد الدهماني، وراشد خياري، وماهر زيد، وسيف الدين مخلوف... إلخ، قد أصبحوا نوابا بل وشاركوا في بلورة الدستور التونسي العظيم الذي حل محل دستور الآباء المؤسسين للجمهورية عام 1959! فلماذا لا يحلم جميع التونسيين بأن يصبحوا نوابا للشعب؟ إلخ.. ربما كانت كل هذه الأسماء لا تعني لكم شيئا ولم تسمعوا بها على الإطلاق. ولكنها تمثل بالنسبة للتونسيين غاية الوجع.

لنصرخ إذن بأعلى صوتنا: إما أن تكون الثورات هكذا وإما فلا! ثورة تفرخ كل هؤلاء وكل المصائب التي حلت بتونس ما أجملها! ثورة شبابية رفعت شعار «شغل، حرية، كرامة وطنية»وانتهت بتربع الغنوشي على عرش تونس وبرئاسة شيخ هرم قضى حياته في خدمة بورقيبة ثم بن علي وأعني الباجي قائد السبسي. بعض الأشخاص الذين ذكرت لكم أسماءهم انتقلوا مباشرة من البطالة والعطالة، أو من تهريب البضائع، أو من بيع المرغيز في حي البيلفيل الباريسي، أو حراس الليل، إلى منصب الوزير، أو السفير، أو النائب في البرلمان. ولذلك أقول: ينبغي على أصدقائنا الفرنسيين والألمان والإنجليز والروس والصينيين أن يتخذونا مثالا وقدوة فيما يخص سلم الارتقاء الاجتماعي! كما ينبغي عليهم اتباع النموذج «الديمقراطي»الليبي حيث يوجد تسعون مرشح للانتخابات الرئاسية المقبلة! 90 مرشحا فقط لا غير!

مع هذا التسابق المحموم على المناصب والغنائم التي نهبت الجمهورية التونسية نهبا نلاحظ أن أنبل وظائف الدولة وأعلاها قد دنست ولوثت وانتهكت حرماتها ونزعت عنها قداستها. يمكن أن ننتقد بورقيبة وبن علي على ارتكابهما لهذا الخطأ أو ذاك، على عدم معاقبتهما للفساد والفاسدين، على إثارتهما بعض الأزمات الاجتماعية خلال عهدهما الطويل. ولكن لا يمكن أن ننكر ميزتهما الكبرى النادرة لدى الحكام ألا وهي: اختيار الموظفين والمسؤولين طبقا لكفاءاتهم من جهة، ثم طبقا لتفانيهم في خدمة الوطن من جهة أخرى. خلال 56 سنة من الاستقلال الوطني كان بورقيبة وبن علي حريصين على الاختيار الجيد لموظفي الرتب العالية في الدولة وبالأخص الوزراء. والحق أن معظمهم ما عدا بعض الاستثناءات القليلة كانوا عبارة عن أمناء كبار على الدولة. وكانوا يمثلون كفاءات عالية نظرا لتخرجهم من أفضل وأكبر الجامعات التونسية، والفرنسية أو الأميركية. ففي يناير 2011 لم تنتقل تونس من الديكتاتورية إلى الديمقراطية، وإنما انتقلت من نظام المستبد المستنير إلى الأكلوقراطية أي نظام الجمهور الغفير الغوغائي. وهو نظام خاضع كليا لنزوات وقرارات المواطنين الافتراضيين الموجودين على «فيسبوك» و«تويتر». والكثيرون منهم يطمحون إلى وظائف عليا لا يمتلكون الكفاءات الثقافية أو السياسية اللازمة لها، ناهيك عن الكفاءات العلمية أو الشهادات الجامعية الضرورية لممارسة مثل هذه المسؤوليات.

 

* ولكن يبدو أن النظام التونسي قد تغير بعد عزل رئيس الحكومة السابق هشام المشيشي في شهر يوليو الماضي. كيف يقيم التونسيون العمل السياسي للرئيس قيس سعيد الذي يتهمه المعارضون بالانقلابي؟

- أولا ليس النظام هو الذي تغير وإنما الذي حصل هو أن الرئيس تجرأ وقام أخيرا برد فعل قوي وضروري لإنقاذ البلاد من الهوان. لقد اتخذ القرار التاريخي الشجاع عندما تسلم الأمور عن جد بغية مواجهة الأزمة السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والأخلاقية، والصحية التي تعاني منها البلاد. وهي أزمة ضخمة وغير مسبوقة في تاريخ تونس. أما النظام السياسي فلم يتغير بعد لأن الدستور المدعو بالثوري لم يلغ حتى الآن. ينبغي تغيير النظام السياسي في العمق. وهو تغيير أرغب فيه شخصيا كما يصبو له الشعب التونسي. وأقصد به العودة إلى القيم الجمهورية البورقيبية واستعادة سيادتنا واستقلالنا وعزتنا وكرامتنا. بانتظار تحقق ذلك فإننا لا نزال نعيش منذ 25 يوليو الماضي في ظل نظام استثنائي بالمعنى الذي يخلعه كارل شميت على الكلمة. أقصد أننا نعيش في ظل حكم قانوني دستوريا وشرعي سياسيا. أقول ذلك على الرغم من معارضة الغنوشي والإخوان المسلمين له ناهيك عن المتاجرين الغوغائيين بحقوق الإنسان من أمثال المنصف المرزوقي. وأقوله أيضا بغض النظر عن اعتراضات الباحث الدستوري عياض بن عاشور، مصحح ذلك الدستور الثوري الذي دبجه الباحث الأميركي الشاب نوح فيلدمان المتعاطف مع الأصوليين. ومعلوم أن هذا الأميركي كما كشف عنه صديقي المرحوم إدوارد سعيد أسهم سابقا في بلورة كل من الدستور الأفغاني والدستور العراقي. لقد اعتمد الرئيس قيس سعيد على المادة 80 من هذا الدستور لكي يقوم بحركته التصحيحية ويعيد الأمور إلى نصابها ويوقف شلل الدولة ويحرك عجلاتها ودواليبها المشلولة. من المعلوم أن قصر باردو، أي مجلس النواب، تحول إلى ما يشبه النزل الإسباني المليء بالصخب والضجيج والفوضى العارمة. وبالتالي فكان ينبغي وضع حد لكل تلك المهازل. وهذا ما فعله الرئيس قيس سعيد. وتنص المادة رقم 80 من الدستور التونسي أن «لرئيس الجمهورية في حال الخطر الداهم الذي يهدد كيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها، ويتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها الحالة الاستثنائية، وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس ومجلس نواب الشعب وإعلام رئيس المحكمة الدستورية، ويعلن (الرئيس) عن التدابير في بيان إلى الشعب».

لقد شرحت الأمور وأوضحتها في مقالتي المنشورة في جريدة «لوفيغارو»الفزنسية يوم 27 يوليو الماضي حيث قلت: «ما يحصل في تونس الآن ليس انقلابا وإنما هو انتفاضة جمهورية إنقاذية». هذا وقد عبر الشعب التونسي بواسطة مظاهرات كبيرة ومكثفة عن ارتياحه النفسي لهذه القرارات التي اتخذها الرئيس. لقد عبر عن دعمه الكبير للرئيس قيس سعيد منذ يوم 25 يوليو 2021. ومعلوم أن هذا الشعب كان قد أهمل واحتقر وأهين وأفقر وأذل على مدار عشر سنوات متواصلة. ولهذا السبب أراد التعبير عن غضبه على الطغمة الحاكمة سابقا والمتمثلة بجماعة الغنوشي والإخوان المسلمين وأدعياء اليسار من أمثال المنصف المرزوقي وغيره. كل هؤلاء لفظهم الشعب بعد أن اكتشف حقيقتهم. وقد حصل ذالك في مصر قبل أن يتسلم الرئيس عبد الفتاح السيسي مقاليد الحكم بطلب من الشعب المصري لإنقاذ البلاد من شر عصابة الإخوان.

 

* لماذا لا يزال تنظيم الإخوان المسلمين يشكل خطرا على تونس؟

- أنا مراقب محظوظ يتمتع بامتياز معين يمكنني من فهم هذا العالم العربي وهذه الحركات التخريبية والشمولية. قلت إنني أتمتع بامتياز معين وأقصد بذلك أني ولدت في هذا العالم العربي الإسلامي وأعرفه عن كثب. فبما أني عربي وتونسي فإني أراقب هذا العالم منذ نعومة أظفاري وأعيش همومه وقضاياه (أنا من مواليد عام 1961). لقد نشأت وترعرعت في تلك الفترة التي كان بورقيبة يبرع أثناءها في التحليل العقلاني للأوضاع وفي النقد الموضوعي لهذا العالم العربي الذي كان يعاني من صدمة موجعة بعد هزيمته أمام إسرائيل عام 1967. ينبغي العلم أن العالم السياسي والاجتماعي العربي كان آنذاك واقعا تحت هيمنة الجنون المخدر والمسكر اللاعقلاني للنزعة الشعبوية للآيديولوجيا الوحدوية العربية.

ثم تسألني: لماذا لا يزال الإخوان المسلمون يشكلون خطرا على تونس؟ وأجيبك بما يلي: لأنهم لا يزالون يشكلون دعامة أساسية للمخططات الجيوسياسية الأنغلو- ساكسونية. فالأميركان والإنجليز هم الذين دربوهم واستقبلوهم وحموهم ومولوهم ووضعوهم أخيرا على رأس السلطة في تونس وفي مصر بعد ذلك الربيع الأصولي- الأطلسي. وبالتالي فإنهم لن يتخلوا عنهم أبدا. لهذا السبب أخشى على تونس وعلى بقية الدول العربية. وعلاقة الإخوان المسلمين بهذين البلدين تشبه علاقة العبد بالسيد.. إن الأميركان والإنجليز يعرفون منذ عقود بل ومنذ تأسيس الجماعة عام 1928 مدى مديونيتهم لـ«الإخوان» المسلمين: أقصد مديونيتهم لهؤلاء المرتزقة المقنعين بلباس الدين. فقد نفذوا لهم مخططاتهم وسياساتهم في العالم العربي. وكذلك الأمر فإن الإخوان المسلمين يعرفون ماذا ينتظر منهم أسيادهم والمخطط الاستراتيجي الأكبر والأعلى لهم. وإذا كنت أقول هذا الكلام فإني لا أقصد فقط الإخوان المسلمين التونسيين وإنما مجمل الأصوليين الإخوانجيين في العالم العربي دون استثناء. هل تريدون برهانا على ذلك؟ لاحظوا أنه منذ أن قام الرئيس التونسي بالمنعطف الوطني الكبير يوم 25 يوليو 2021 لإنقاذ البلاد، فإن وفود مجلس الشيوخ الأميركي ما انفكت تتوالى على تونس بغية الضغط على قيس سعيد. الوفود بين واشنطن وتونس أصبحت متواصلة. وكل ذلك بحجة واهية وباطلة وهي العودة إلى المسار الديمقراطي واحترام الشرعية. وذات الشيء يمكن أن يقال عن الاتحاد الأوروبي الذي ألخص رسالته إلى القيادة التونسية على النحو التالي: سوف نجوعكم إذا لم تخضعوا لأوامرنا ونصائحنا. ينبغي أن تعيدوا لنا ديمقراطيتنا الأصولية «المعتدلة»في تونس. ثم بالأخص إياكم ثم إياكم أن تمسوا شعرة من رأس أصدقائنا الإخوان المسلمين!

أما الخطر الثاني الذي يشكله الإخوان المسلمون على تونس فيكمن فيما يلي: إنهم الأشخاص المحركون لتلك الآيديولوجيا التعبوية التجييشية التي تخلط بين الدين والسياسة والتي تستهوي الجماهير. ينبغي العلم أننا نحن العرب متعلقون جدا بالإسلام وهذا معقول ومحبذ ونحن كشعوب متأثرون كثيرا بالخطاب الديني والمعجم الديني التقليدي الذي يجبل روحنا جبلا ويحسم كل تصرفاتنا وأعمالنا. لا ريب في أن الإخوان المسلمين بارعون في استغلال الخطاب الديني لتحريك الجماهير. وينبغي العلم بأن الأصولية الإسلاموية هي عبارة عن حركة سياسية- دينية منظمة بشكل محكم وتمارس عملها كطائفة متعصبة رهيبة مغلقة على ذاتها. من هنا فعاليتها وقوتها وقدرتها على تحريك الشارع العربي. ولكنها ليست ذلك فقط. وإنما هي أولا وقبل كل شيء آيديولوجيا راسخة متأصلة في الأرواح والنفوس وموروثة أبا عن جد منذ عشرات السنين، بل منذ قرون. إنها عبارة عن قانون أنثربولوجي مترسخ في خلايانا وعقليتنا. باختصار شديد فإن الأصولية الإسلاموية هي روح راسخة في أعماق التونسيين والعرب أجمعين. يمكن لنا بسهولة تحجيم الأصولية عن طريق العنف الشرعي للدولة أو بواسطة «الضبط الاجتماعي»إذا ما استعرنا مصطلح دوركهايم. ولكن اقتلاع الروح التي ترتكز عليها الأصولية الإسلاموية يمثل عملية شاقة وطويلة ومعقدة جدا. وهذا الشيء لا يمكن أن يتحقق إلا على المدى الطويل. ولا يمكن أن يتحقق إلا من خلال العمل التربوي التعليمي النفساني الثقافي. باختصار شديد: ينبغي تنوير العقول. وهذا يعني أنه ما دام الفكر الإسلامي لم يحقق إصلاحه الداخلي الخاص وأن المسلمين لم يقوموا بعد بطفرتهم الفكرية والروحية فإن الأصولية الإخوانجية سوف تظل مهيمنة عليهم. ماذا أقصد بالإصلاح والطفرة المعرفية هنا؟ أقصد بأنه ينبغي على المسلمين أن يدرسوا نصوصهم الدينية التأسيسية بطريقة عقلانية وعلمانية وتاريخية. ينبغي أن يطبقوا منهجية النقد التاريخي التحريرية على نصوصهم المقدسة كما فعل المسيحيون في أوروبا. ما داموا يرفضون القيام بذلك فإن الأصولية الإسلاموية ستظل تشكل خطرا ماحقا ليس فقط على العالم العربي وإنما على الغرب أيضا. ينبغي أن يعلم الجميع الحقيقة التالية: الشعوب المجبولة جبلا بالأصولية لا يمكن بأي شكل أن تكون جاهزة للديمقراطية. الشعوب المولعة بالآيديولوجيا الإخوانجية الأصولية لا يمكن أن تكون مولعة بالديمقراطية أو متقبلة لها. بكلمة واحدة: إن العديد من شعوبنا ليست ناضجة بعد للديمقراطية. وعلى ذكر الديمقراطية فهي ثانوية في تراثنا الفلسفي والأدبي والسياسي حيث يسبقها مفهوم العدالة. في تراثنا العدالة أهم بكثير من الحرية. وكما قال ابن خلدون العدل أساس العمران.

 

* دعنا ننتقل الآن إلى الواقع الراهن والأحداث الجارية. كان مجلس الأمن الدولي قد صوت على القرار رقم 2602 القاضي بتمديد بعثة الأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية بغية تنظيم استفتاء بخصوصها. فلماذا امتنعت تونس من التصويت عليه؟

- بصراحة لا أعرف. ولكن فيما يخص ملف الصحراء الحساس جدا فإني أعتقد أنه ينبغي على تونس أن تحافظ على استقلاليتها الكاملة وعلى حيادها السياسي والدبلوماسي. أقول ذلك انطلاقا من تعلقي بالفكر والمنهج البورقيبي. هذا ما علمنا إياه الحبيب بورقيبة. ومعلوم أنه كان منذ عام 1956 قد حدد العقيدة التونسية في هذا المجال وفي مجال العلاقات الدولية بشكل عام. وتتمثل هذه العقيدة التونسية في التزام الحياد وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى. وقال لنا بورقيبة إنه ينبغي علينا القيام بمبادرات للتقريب في وجهات النظر بين الإخوة الأعداء الذين لا مصلحة لهم في هذا الخلاف المفتعل والذي ربما قد يتحول إلى نزاع مسلح لا قدر الله. على العكس فإنهم سيخسرون كل شيء إذا ما اندلعت الحرب بينهم لا سمح الله. هناك تحديات كثيرة وكبيرة لا يمكن لأي بلد مغاربي أن يواجهها بمفرده أو ينجح في حلها وحده. أقصد بذلك التحديات الجيوسياسية، والسياسية، والأمنية، والاقتصادية، والعلمية، والثقافية. وإذا كان التاريخ الحديث قد قسمنا منذ الاستقلال فإن التحديات والمخاطر التي نواجهها حاليا ينبغي أن تجمعنا وتوحدنا. وكذلك فإن مصلحة مستقبلنا تفرض علينا ذلك أكثر من أي شيء آخر. وما أقوله عن العلاقات المغاربية ينطبق أيضا على العلاقات بين الشمال والجنوب، أو بين الغرب والشرق، ثم بالأخص بين الدول الواقعة حول حوض البحر الأبيض المتوسط. وأقول هنا للغرب ما يلي: إذا لم تكن مصالحنا الاقتصادية والجغرافية السياسية متوافقة دائما فإننا نواجه جميعا خطرا واحدا مشتركا: هو خطر الإرهاب الأصولي الإسلاموي. هذا الشيء على الأقل يجمعنا من دون أدنى شك. وأمام تحد شامل من هذا النوع لا يوجد إلا رد شامل يقوم به الجميع. فالأصولية الإرهابية أصبحت تشكل تحديا عالميا شاملا. فضلا عن أنها تهدد وجود وسيرورة الإسلام كدين.

 

* سؤال أخير بخصوص هذا الخطر الإرهابي الشامل: هل تعتقد أن التهديد التركي لأوروبا شيء جدي؟ وهل تعتقد أنه توجد احتمالية للصدام بين تركيا وفرنسا خصوصا في حوض المتوسط كما يخشى ذلك بعض القادة العسكريين؟

- موقفي مضاد لموقف بعض المحللين الاستراتيجيين والاستشرافيين الفرنسيين أو الغربيين عموما. فعلى العكس منهم لا أعتقد بأن الحرب ستندلع مع الصين أو مع روسيا أو حتى مع إيران. على الأقل لن تندلع في المدى المنظور. بمعنى أن احتمالية حصولها ضعيفة جدا. ولكن الحرب مع الديكتاتور التركي رجب طيب إردوغان محتملة جدا وممكنة. ينبغي العلم أن دونالد ترامب سمح له بارتكاب كل التجاوزات الجيوسياسية وكل الاعتداءات والابتزازات في العراق، وليبيا، ومنطقة الكرباخ العليا. كما سمح له بالقيام باستفزازاته العسكرية أيضا في قبرص، وأرمينيا، أو اليونان. وبالتالي فهذه «الحرب» التركية ضد أوروبا بشكل عام وفرنسا بشكل خاص جارية وسارية المفعول حاليا. ولكنها لا تزال في المرحلة الحالية باطنية. ولا تزال بعيدة جغرافيا ومخاضة بشكل غير مباشر من قبل الأتراك. أقصد أن إردوغان يخوضها عن طريق الميليشيات المرتزقة لا عن طريق الجيش التركي مباشرة. راح خليفة إسطنبول الصغير يخوض الحرب في ليبيا. فهو يريد أن يفرض الهيمنة العثمانية الجديدة والسلام العثماني ليس فقط على ليبيا وإنما على مجمل منطقة المغرب الكبير. وهي منطقة تعاني من صعوبات بالغة حاليا نتيجة التوترات الجزائرية- المغربية وليست بحاجة إلى مشاكل إضافية.

والآن دعونا نتحدث عن أوروبا التي حقد عليها إردوغان بشدة نتيجة رفضها لدخول تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. ينبغي العلم أن اليونان التي هي عضو في الاتحاد الأوروبي والحلف الأطلسي تدرك أن إردوغان يمكن أن يهاجمها في أي لحظة. لماذا؟ لأنه تم اكتشاف كميات ضخمة من الغاز في المتوسط ولأن تركيا تشعر بأنها مستبعدة من هذه النعمة بسبب كيفية توزيع المناطق الاقتصادية الحصرية. ينبغي العلم بأن تركيا هي أيضا عضو في الحلف الأطلسي وعلاوة على ذلك ففيها توجد قاعدة أنجرليك التي تحتوي على خمسين رأسا نووية أميركية بحسب تقديرات الباحث الفرنسي ألكسندر ديل فال. هذا من جهة. وأما من جهة أخرى فقد صرح الجنرال الفرنسي تييري بوركهارد أمام لجنة الدفاع للبرلمان الفرنسي بأنه ينبغي على الجيش الفرنسي أن يستعد لخوض «معارك مكثفة محتملة في المتوسط». ونلاحظ أن تركيا تمثل التهديد الأكبر إذا ما عادت هذه الصراعات المكثفة جدا.

لكي يخوض إردوغان حربه جيدا، أقصد حربه الحضارية ضد أوروبا، أو لكي يقوم بمشروع الزعزعة داخل أوروبا ذاتها، فإنه يمتلك ثلاث أوراق غير تقليدية كل واحدة رهيبة أكثر من الأخرى. ما هي هذه الأوراق؟ أولا: أنه يتحكم بأبواب الهجرة التي يمكن أن يفتحها أو يغلقها على هواه كما يشاء ويشتهي. وهو يهدد ويبتز بها أوروبا باستمرار إما من خلال حدوده الأرضية المباشرة وإما من خلال الحدود البحرية التي يملكها مع بعض الدول الأوروبية، وإما انطلاقا من ليبيا التي يحتل بعضا من أراضيها، وإما انطلاقا من قبرص التي يسيطر على نصفها تقريبا منذ الاحتلال التركي عام 1974. وهو يحتلها بفضل التواطؤ الفعال لبريطانيا والولايات المتحدة. أما الورقة الثانية التي يمتلكها إردوغان فهي الجاليات التركية الموجودة في أوروبا والتي يقدر عددها بأربعة ملايين شخص متوزعين أساسا على ألمانيا، وبلجيكا، وفرنسا، وهولندا. وهم عموما ينتمون بقوة إلى التيار الإسلاموي- القومي التركي، أي تيار إردوغان ذاته. وحساسيتهم الدينية والقومية عالية. وأما الورقة الثالثة التي يمتلكها إردوغان فهي جماعات الإخوان المسلمين العالمية. ومعلوم أن تفرعاتها الجهادية العالمية أصبحت معروفة للقاصي والداني. وتطبيعه الأخير مع الإمارات الشقيقة ومع مصر، وإن كنا نرحب به فإنه يبقى نظريا وافتراضيا ما لم يبادر إردوغان بالتطبيق وباتخاذ قرارات سياسية وجيوسياسية واضحة وفعالة وغير معادية للعرب كما كان الشأن منذ سنوات. عليه أن يقطع تماما ونهائيا مع الحركات الإخوانية.

 

* كيف ترى أحوال العالم اليوم ومستقبلا؟

- بشكل عام فإني أعتقد أن النموذج الليبرالي العولمي للتجارة الناعمة الذي كان غالبا على المفكر آدم سميث والفيلسوف مونتسكيو لم يعد عامل سلام بين الشعوب وإنما أصبح مصدرا للتوترات والصراعات الدائمة. ينبغي العلم أن الحرب خاصية ملازمة للطبيعة البشرية وحالة دائمة للعلاقات الدولية. أقول ذلك سواء أكانت هذه الحرب كلاسيكية، أو حديثة، أو تقليدية، أو غير طبيعية، أو سرية من تحت لتحت، أو دبلوماسية، أو حضارية، أو اقتصادية، أو سيبرانية، أو دفاعية، أو ردعية، كل ذلك لا يغير في الأمر شيئا. وقد عبر عن ذلك الفيلسوف الاستراتيجي العسكري كلاوزفيتز أفضل تعبير عندما قال: «الحرب ليست شيئا آخر إلا مواصلة السياسة بأساليب ووسائل أخرى». بالطبع ينبغي أن نفعل كل ما في وسعنا لتحاشيها، «ينبغي أن نربح الحرب قبل الحرب» كما قال رئيس أركان الجيوش الفرنسية الجنرال تييري بوركهارد. ولكن عندما يفرضها العدو عليك فرضا ينبغي أن تكون جاهزا لخوضها. وينبغي بشكل خاص أن تكون قويا بما فيه الكفاية لكسبها والانتصار فيها.


مقالات ذات صلة