«Don’t look up» عندما ينتج عن تحالف المال والسلطة موتنا الجماعي

من وحي جائحة كورونا وتداعيات الاحتباس الحراري
Don’t look up

على وقع الدمار الذي يعيشه كوكب الأرض جرّاء التغيّر المناخي، فيضانات وحرائق وموجات حر وصقيع، وعلى وقع تحذير العلماء الذين لا يصغي إليهم أحد، وبعد أسابيع من انتهاء قمّة المناخ التي دقّت ناقوس الخطر حول مصير أسود للكوكب ما لم يبدأ الإنقاذ اليوم، ينطلق فيلم «Don’t look up» على شبكة نتفليكس للمخرج آدم ماكاي الذي جمع نخبة من النجوم (ليوناردو دي كابريو، جينيفير لورانس، ميريل ستريب، كايت بلانشيت، أريانا غراندي) في الفيلم الذي تفاوتت حوله الآراء وتطرّفت، فحاز الفيلم تصنيفا مرتفعا على «IMDB 7.3». بينما حاز على 55 في المائة على «Rotten Tomatoes» ما يعكس حجم التفاوت في الحكم على الفيلم.

وجاء تصنيف خيال علمي من قبل نتفليكس ليظلم الفيلم، إذ إنّ القضيّة التي يطرحها هي الواقع الأسود لكوكبٍ يحصد اليوم ثمن عقود من التدمير الممنهج، وليس مجرد خيالٍ علمي.

يبدأ الفيلم عندما تكتشف عالمة الفلك كيت ديباسكاي (جينيفير لورانس) وأستاذها البروفسور راندال ميندي (ليوناردو دي كابريو) مذنبا سيدمّر الأرض في غضون ستة أشهر، فينتقلان إلى البيت الأبيض ليعرضا القضيّة على رئيسة الولايات المتّحدة ولجنة من العلماء لإيجاد حلول لإنقاذ الأرض.

عندما بدأ مخرج الفيلم وكاتبه آدم ماكاي العمل على الفيلم، لم يكن فيروس كورونا قد اجتاح العالم بعد، وأراد تقديم فيلم كوميدي يسخر من تعامل القوى الكبرى مع مسألة التغيّر المناخي، واستهتارهم بالتحذيرات التي يطلقها العلماء، وعدم جدّيتهم في إيجاد الحلول، إلا أنّ جائحة كورونا عدّلت في مخطّطات المخرج، بعد أن أصبحت الرؤية واضحة ولم يعد يتعامل مع فرضيات، بل مع واقع مرير كيف أنّ استهتار الدول الكبرى، وأنانيتها في توزيع اللقاحات، وتضارب الآراء بين العلماء، أطلّ عمر الجائحة وراح ضحيتها الملايين.

في البيت الأبيض تبرز شخصية الرئيسة (ميريل ستريب) التي يقول صنّاع العمل إنّها مستوحاة من شخصيّة الرّئيس الأميركي السّابق دونالد ترامب، شخصية هزيلة، ساذجة، مستهترة، أنانيّة، تحاول استثمار الكارثة لتزيد أصوات المؤيّدين لها قبل الانتخابات.

بأسلوبٍ علمي ممل، يحاول البروفسور راندي الذي استوحى المخرج شخصيته من دكتور فاوتشي كبير علماء البيت الأبيض، شرح نظريته للرئيسة، تتدخّل مساعدته ديباسكاي لتبسيط المسألة، لكن الرئيسة لا تعير الكارثة أي اهتمام، على طريقة ترامب الذي قال في بداية الجائحة إنّ كورونا هو «مجرد رشح» داعيا الناس إلى الالتحاق بأعمالهم، لتتربع الولايات المتّحدة لاحقا على قائمة الدّول التي سجّلت أكبر عدد لضحايا كورونا.

بعد فشلهما في البيت الأبيض، يحاول العالمان إيصال فكرتهما عبر وسائل الإعلام، فيختاران برنامجا جماهيريا في محطة مرموقة، وهناك يصطدمان بكم السطحية التي تتعاطى بها وسائل الإعلام مع القضايا الكبرى، وتفضيلها المسائل الخفيفة، مثل انفصال نجمين وعودتهما، على مذنب يهدّد كوكب الأرض.

لا تصغي وسائل الإعلام إلى الصوت المنخفض، تضطر كيت (جينيفير لورانس) إلى الصراخ «سوف نموت جميعاً» لتتحوّل إلى مادّة ساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

يعرّي الفيلم الإعلام الأميركي، واستخفافه بالقضايا الكبرى، وضحالة المذيعين، وميل دفّة الأخبار التافهة لتكون هي الحدث، على حساب القضايا التي تمسّ حتى الوجود الإنساني.

ويعرّي المجتمع القائم على «الترند»، حيث يخضع كل شيء للموضة، بما فيها قضايا الموت والمرض ونهاية العالم.

ويعرّي الفنانين الذين يسارعون إلى اقتناص الفرص، عندما تقف أريانا غراندي على المسرح تغنّي لنهاية العالم.

ويعرّي السلطة، حيث تحكم أكبر دولة في العالم شخصيّة مهزوزة، تحظى بتأييد الملايين، ويدير حملتها ابنها الذي لا يقلّ عنها سطحية، يقول صناع العمل إنّ هذا الأخير مستوحى من إيفانكا ترامب.

والأهم أنّه يفضح تواطؤ السلطة والمال، عندما يقنع مالك شركة هواتف كبرى، مستوحى من شخصية إيلون ماسك الذي اقتحم الفضاء، بإقناع الرئيسة بأنّ المذنب الذي ينصح العلماء بتوجيه رؤوس نووية لتفتيته قبل أن يفتّت الأرض، يحتوي على معادن ثمينة ستجعل الولايات المتّحدة أغنى بلد في العالم، وستعزّز موقعها بين الدول، وينصح باستخدام أسلوب جديد لتخفيف الارتطام بدل القضاء على مذنب الذهب والمعادن الثمينة.

وعلى طريقة الأعمال التي أطلقتها نتفليكس المستوحاة من أدب نهاية العالم والتي راجت بعد جائحة كورونا، تنتهي حلول الأرض بانتظار حلول السماء، فينقسم النّاس حول الطريقة التي يستقبلون بها نهاية العالم.

المؤمن يصلّي، والملحد ينظر إلى السماء لا يدرك كيف يناجي خالقا لم يؤمن به يوماً، والعائلات تجتمع، وبعضها يتفرّق، والخائن يعود طالبا السماح، والموظفون يتركون أعمالهم فلا شيء يستحق العناء في كوكب على شفير الرحيل، والطعام يصبح طعمه ألذ، والذاكرة تنشط، والخوف يقوى عند البعض، ويخف عند البعض الآخر، فالموت الجماعي يعزّز فكرة أنّ لا أحد سيبكي على أحد، ولا أحد سيبكي بالمطلق لأنّها ستكون نهاية حتميّة بعدها ليس ثمّة من يخبر ماذا حصل.

نهاية الفيلم أقلّ ما يقال عنها إنّها نهاية مهيبة تعطي أعذارا تخفيفيّة لعثرات الفيلم، تترك المشاهد أمام مخيّلته لصورة نهاية العالم، وهو يعيش على وقع جائحة كلما اعتقد أنّها انتهت عادت أقوى وأشرس، يحصد تبعات الاحتباس الحراري، ويعيش تداعيات الجائحة التي تضافرت مع الاحتباس الحراري لتجعل الحياة أكثر صعوبة، مرشّحة لمزيد من التأزّم، مع تقاعس السلطات العليا عن إيجاد حلول ملموسة لجائحة الفيروس والطقس.

«Don’t look up» فيلم يحتوي على كل شيء، هو دراما وكوميديا وكوميديا سوداء استحالت تهريجا عندما أراد المخرج آدم ماكاي انتقاد خفّة وسائل الإعلام في التعامل مع الأحداث الكبرى، فخرجت المعالجة خفيفة.

هو فيلم أراد تسليط الضّوء على الكوارث الكبرى، وكيف أنّ الجمهور لا يتلقّفها عندما يقوم بطرحها عالم يستخدم أسلوبا مملاً، مع مصطلحات علميّة لا تصل إلى عامّة الشّعب، فيتعامل معها بالكثير من اللامبالاة، فوقع في الفخ نفسه، من خلال طرح القضيّة بطريقة مملّة، سار إيقاع الفيلم ببطء ثم حلّق.

هو عمل أراد طرح سؤال: «لماذا لا يصدّق الناس الحقائق الماثلة أمامهم؟»، ولا يجد أي إجابة، يترك المشاهد ليجيب بنفسه، تتفاوت الإجابات، تتفاوت التصنيفات، يتفاوت الحكم على الفيلم، إلا أنّه فيلم لا يمر مرور الكرام.


مقالات ذات صلة