3 سيناريوهات محتملة حول مصير حكومة الدبيبة

بعد فشلها في إجراء الاستحقاق الانتخابي
رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة يترأس جلسة وزراية

القاهرة: مشاهد ضبابية تعتري المشهد السياسي الليبي بعد الأحداث التي طرأت على الساحة السياسية الليبية بعد تأجيل إجراء الانتخابات الرئاسية التي كان مزمعا إجراؤها في الرابع والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) 2021. في ظل صدور قرارات من مجلس النواب تتعلق بسحب الثقة من حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، والتي تعتبر غير شرعية بعد هذا التاريخ، وهو ما ألقى بظلاله على المشهد الليبي برمته، مثيرا للعديد من التساؤلات حول مصير حكومة الدبيبة، وهل أصبحت هذه الحكومة في مهب الريح؟ وهل فقدت شرعيتها، حسب البرلمان الليبي؟ أم إن الحكومة لها ظهير شعبي سوف تستمد تواجدها من خلاله في مواجهة الأطراف الأخرى غير الراغبة في تواجد الدبيبة نفسه على سدة الحكم في ليبيا؟ أم إن الأطراف الدولية والإقليمية هي التي سوف تصوغ المشهد المتأزم؟ وما هو موقف الفصائل، والميليشيات المسلحة، والتي تملك زمام الأمور على الأرض؟ في ظل حالة من التباين، والاستقطاب، في جميع أجزاء المشهد الليبي المعقد، والذي سوف يزداد تعقيدا إذا ما أقدم مجلس النواب على إصدار قرارات جديدة تعزز من قراراته السابقة حول عدم شرعية حكومة الدبيبة بعد تاريخ الرابع والعشرين من ديسمبر (كانون الأول) 2021، والتي يرفضها البعض اعتمادا على أن حكومة الدبيبة هي حكومة انتقالية تشكلت بعد توافق أعضاء ملتقى الحوار السياسي الليبي في 21 ديسمبر 2020. والذي توافق أيضا على خريطة طريق برعاية أممية تنتهي بعد 18 شهرا من تاريخها، وأن عمل الحكومة ينتهي في 20 يونيو (حزيران) المقبل وليس في ديسمبر كما يريد البعض، وأن تكليف شخصية سياسية ليبية أخرى، من قبل البرلمان لتولي رئاسة الحكومة بدلا من عبد الحميد الدبيبة، سيخلق حكومة موازية جديدة، قد يصعب وجودها من فرص الحل وتضع الأطراف الدولية والإقليمية الداعمة لحكومة الدبيبة أمام عقدة جديدة، إضافة إلى ركام من الأزمات المتلاحقة، وسيطرة الميليشيات المسلحة على مفاصل الدولة، وسط غياب الإرادة الحقيقية للمواطن الليبي.

 

موقف الأطراف المسلحة التي تملك زمام الموقف على الأرض متباين من حكومة الدبيبة

 

سيناريوهات محتملة

من جانبه، قال مسؤول ليبي رفيع في حكومة الدبيبة رفض ذكر اسمه، في تصريحات خاصة لـ«المجلة»: من المرجح أن مصير حكومة الوحدة الوطنية لن يخرج عن السيناريوهات الثلاثة المحتملة، وهي: أولا استمرار الحكومة بوضعها الحالي لحين إجراء انتخابات مع عدم عودة المترشحين للانتخابات الرئاسية من شاغلي المناصب الوزارية.

ثانيا من المحتمل استمرار عبد الحميد الدبيبة على رأس الحكومة مع عمل تحوير وزاري وتقليص العدد وعدم ترك حالة من الفراغ السياسي التي قد تدخل البلد في سباق تفاوضي جديد لا طائل منه في ظل احتدام الاستقطاب بين الأطراف الليبية.

ثالثا من المتوقع أن يقوم مجلس النواب بمغامرة غير مدروسة تنتج عنها حكومة موازية مثل حكومة الثني بهدف إطالة عمر أعضاء مجلس النواب في السلطة التشريعية للحفاظ على المرتبات العالية والحصانة وغيرهما.

وأضاف المسؤول الليبي: أعتقد أن الصورة باتت واضحة بعد بيان الدول الخمس، لا يوجد ما يشير إلى أن المجتمع الدولي يريد الدخول في دوامة تشكيل حكومة جديدة والتي تحتاج إلى وقت طويل للوصول إلى تفاهمات. كما أن موقف الأطراف السياسية والمسلحة من الحكومة هو بلا شك موقف متباين بين مؤيد معارض، في الوقت الذي استطاع فيه الدبيبة كسب تأييد جزء لا يستهان به من الشارع الليبي من خلال البرامج التي استهدف بها جمهور الشباب مثل صندوق دعم الزواج، فقد أدرك في فترة وجيزة ماذا يريد الشارع الليبي وقام برفع مرتبات بعض الموظفين في الدولة مثل قطاع التعليم، لذا فإن الحكومة تملك ظهيرا شعبيا كما سبقت الإشارة إليه. ولكن المهم الآن هو الموقف الدولي الذي يشهد نوعا من الاستقرار تجاه حكومة الوحدة الوطنية في هذا التوقيت، ولكن الموقف الإقليمي غير مؤثر لأنه يتأثر بعنصر قوة الموقف الدولي الدعم لهذا الطرف أو ذاك.

 

صورة ضبابية للمشهد الليبي

البرلمان الليبي هو من سيقول كلمته في شأن حكومة عبد الحميد الدبيبة، وسوف يجتمع مجلس النواب في خلال أسبوع لاتخاذ القرار بشأن هذه الحكومة، خاصة بعدما صوت في جلسة عقدت الاثنين الماضي لصالح اعتبار السفيرة البريطانية لدى طرابلس كارولين هورندال شخصية غير مرغوب فيها في البلاد، على خلفية تصريحاتها في بيان أعربت فيه عن دعمها لخريطة طريق ملتقى الحوار السياسي الليبي ولحكومة الوحدة الوطنية حتى موعد إجراء الانتخابات في البلاد، مشيرا إلى أنه سيتم إخطار وزارة الخارجية لاتخاذ الإجراءات اللازمة وإخطار الجهات المعنية لتنفيذ قراره، معتبرا تصريحات هورندال ضغطا غير مرغوب فيه، وهذا يؤكد أن مصير حكومة الدبيبة من سيحدده هو البرلمان، وذلك وفقا لرأي المفكر الاستراتيجي والخبير العسكري اللواء سمير فرج، والذي أكد في تصريحات خاصة لـ«المجلة» أن الجميع في انتظار قرار مجلس النواب خاصة أنه اجتمع الثلاثاء الماضي لتعيين رئيس وزراء جديد بدلا من عبد الحميد الدبيبة.

وقال فرج: المشكلة الحقيقية في ليبيا هي الميليشيات المسلحة التي تملك زمام الأمور على الأرض، وهو ما يجعل المشهد الليبي في منتهى الضبابية، لأن من يتحكم الآن في المشهد الليبي هم الميليشيات المسلحة وما بين الميليشيات المسلحة والمرتزقة علينا نسيان عملية إجراء الانتخابات، وستتم عرقلتها ولن يتمكن الليبيون في هذه الوضعية من إتمام الاستحقاق الانتخابي، كما أن حكومة الدبيبة لا تملك أي ضغوط على بقية الأطراف الليبية الأخرى، وأعضاؤها لا يعلمون حتى إن كانت الحكومة ستبقى أم لا؟ ومن الممكن أن يصدر البرلمان خلال أيام قرارا بحل هذه الحكومة وتعيين حكومة بديلة عنها.

كما أن حكومة الدبيبة أيضا فشلت في تكوين ظهير شعبي أو حاضنة شعبية تمكنها من البقاء في مواجهة الأطراف التي لا ترغب في استمرارها، لأنها حكومة فاشلة، والدبيبة يرغب في البقاء في السلطة، وجميع الأطراف السياسية في ليبيا يقفون ضد بقاء الدبيبة لأنه لا يمكن لشخص يمسك بمقاليد الأمور في الدولة إضافة إلى البوليس، أن يرشح نفسه لمنصب رئيس الدولة، فلا بد من رحيله. كما أنه لا أحد من الأطراف الدولية والإقليمية يمكنه البت في شأن الحكومة الليبية الآن، خاصة بعد قرار البرلمان باعتبار سفيرة بريطانيا لدى ليبيا شخصية غير مرغوب فيها، والجميع ينتظر حتى يرى ماذا سيفعل مجلس النواب، في ظل فشل حكومة الدبيبة في تحقيق جميع الأهداف التي وجدت من أجلها، والدبيبة نفسه يسعى لأن يكون رئيسا للبلاد، في مخالفة صريحة لتعهداته السابقة عندما تم تعيينه على رأس الحكومة، حيث تعهد وقتها هو ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، بعدم الترشح في الانتخابات، كما أن ممارسات الحكومة، وسلوكيات الدبيبة، أعطت الحجج لجميع الأطراف المناوئة له التمسك برفض بقاء الحكومة، ولكن المهم هو: من صاحب القرار؟ فقد اجتمع مجلس النواب الثلاثاء الماضي وفشل في اتخاذ القرار، بتعيين رئيس جديد للحكومة بدلا من حكومة الدبيبة، وتم تأجيل التصويت لمدة أسبوعين وهو ما يشير إلى أن الموقف في ليبيا أصبح ضبابيا.

 

يبدو الحكومة الليبية الحالية غير قادرة على فرض المسار الانتخابي

 

انقسام ومواقف متباينة

حكومة الدبيبة أصبح مصيرها على المحك، حيث إن فكرة وجودها كحكومة تسيير أعمال أو حكومة انتقالية قد تغير بمجرد إعلان رئيسها عبد الحميد الدبيبة ترشحه في الانتخابات على منصب الرئاسة، على عكس التفاهمات التي كانت موجودة في الفترة التي أعقبت ملتقى الحوار الليبي العام الماضي، بمعنى أن هذه الحكومة كانت حكومة انتقالية وكان يفترض سواء على أعضائها، أو أعضاء المجلس الرئاسي عدم الترشح في انتخابات الرئاسة، وذلك حسب رؤية الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية الدكتور عمرو الشوبكي في تصريحات خاصة لـ«المجلة»، مؤكدا أنه بترشح الدبيبة سواء كانت حكومته حكومة انتقالية، أو حكومة تسيير أعمال، فهو قد أصبح أحد المتنافسين في الساحة، بما غيب صفة الحيادية عن هذه الحكومة التي يفترض أنها حكومة محايدة، ومستقلة، وأصبحت هي ورئيسها جزءا من عملية التنافس الذي سيحدث في انتخابات الرئاسة. وبالتالي كونها حكومة تسيير أعمال، أو حكومة انتقالية أيا كان المسمى فقد أصبحت بترشح رئيسها لا ينطبق عليها صفة الحكومة الانتقالية المحايدة أو المستقلة مثلما أشارت إليه التفاهمات الحاصلة في ملتقى الحوار الليبي. كما أن موقف الأطراف الليبية من حكومة الدبيبة متباين، فهناك أطراف في طرابلس والغرب الليبي، تتفاعل بإيجابية مع الحكومة، وهناك أطراف في الشرق، وفي الجنوب مثل مؤيدي سيف الإسلام القذافي لا يرغبون في بقاء حكومة الدبيبة، التي لم تنجح في كسر حالة الاستقطاب، وبالتأكيد هي ليست مسؤولة عن هذا الاستقطاب، ولكنها لم تنجح في كسر هذه الحالة، ولذلك أصبحت شرعيتها غير ممتدة، ولم تستطع فرض سيطرتها على كل المناطق الليبية.

كما أن موقف الأطراف المسلحة التي تملك زمام الموقف على الأرض متباين من حكومة الدبيبة، فالموضوع أصبح الآن معقدا بعيدا عن تحديد المواقف بناء على تصنيف جغرافي (شرق، وغرب)، فهناك أطراف في غرب ليبيا هي ضد الحكومة، وهناك أطراف مسلحة من مصراته، ورأينا زيارة وزير الداخلية السابق فتحي باشاغا إلى مصراته ولقاءه مع المشير خليفة حفتر، وهناك أطراف مسلحة ضد الحكومة، وأيضا هناك فصائل مسلحة في طرابلس نفسها ضد الحكومة وقد شهدنا اشتباكات بين أكثر من فصيل، وبالتالي الحكومة تعبر عن جزء من القوة المسلحة الموجودة في الغرب، كما أن الكثير من قراراتها تم الاحتجاج عليه وقد رأينا حصار مقر الحكومة الأسبوع الماضي، وحتى هذه اللحظة لا نستطيع القول إنها استطاعت فرض سيطرتها حتى على غرب ليبيا وأنها أصبحت هي الطرف الشرعي الوحيد الذي يملك في يده السلاح، وأن القوات النظامية (جيش نظامي، وأجهزة أمن وشرطة) موحدة خلفها. حتى في طرابلس هناك انقسام حولها، فما بالنا في الشرق والذي يوجد فيه الجيش الوطني الذي يتحرك خارج شرعية هذه الحكومة، بعدما كان قد أيدها فور الإعلان عنها.

وقد سبق أن اتخذ البرلمان قرارات سحب الثقة من حكومة الدبيبة، وكل هذه القرارات هي إجراءات شكلية، وموقف القوى الإقليمية والدولية حتى وإن كان داعما للحكومة، وبالفعل هو ما زال داعما لها، ولكن التحدي الحقيقي ليس دعم الحكومة من عدمه، إنما هو ضمان بيئة صالحة لإجراء الانتخابات الرئاسية تحترم فيها النتائج، وهذا هو التحدي الحقيقي، والحكومة الليبية الحالية غير قادرة على فرض هذا المسار الانتخابي وحصيلتها بعد سنة من التوافق عليها هي حصيلة مخيبة للآمال، والحكومة كان لديها استحقاقات كان يفترض القيام بها ولكنها لم تفعل، وذلك مثل خلق بيئة مواتية لإجراء الانتخابات، وتوحيد مؤسسات الدولة، وإجراء الانتخابات، وقد نتذكر ما خرج منذ عام بعد ملتقى الحوار من توحيد مؤسسات الدولة وإجراء الانتخابات، بما يعني مهام الاستحقاقات. وبالعودة لعام من الآن لنرى ما كان يجب على الحكومة القيام به، نجد أنها لم تقم بشيء من هذه الاستحقاقات.

 

 

 

 

 


مقالات ذات صلة