إخوان سليماني يبكونه ويرفضون الدولة

بعد مرور عامين على مقتل قاسم سليماني قائد فيلق القدس، لا تزال ردود الفعل على عملية اغتياله تسبب المزيد من الانقسامات والمشكلات في المنطقة، فالرجل في مماته- كما كان في حياته- مثال على تغلغل فكر الميليشيا مقابل الدولة والتطرف مقابل الاعتدال.

 

يحاول أتباع إيران في المنطقة الاستمرار بكذبة أن سليماني «استشهد» دفاعا عن قضايا «الأمة»، دفاعا عن فلسطين، عن العراق وعن سوريا ولبنان، قاسم سليماني الذي قاد ودرب الميليشيات الإرهابية التي عاثت فسادا وقتلا وتدميرا في المنطقة.

 

حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله المصنف إرهابيا أيضا، يكمل ما بدأه سليماني ليس بالعسكرة فقط ولكن بالسياسة أيضا، فها هو لا يترك مناسبة إلا ويستغلها لإبعاد لبنان أكثر وأكثر عن محيطه العربي، من التهجم إلى إرسال وتدريب الإرهابيين كما حصل في الكويت، إلى المشاركة بالاعتداء على أمن الدول العربية كما حصل في المملكة العربية السعودية وكما حصل سابقا في مصر، فهو قبل أن يكون معاديا للدول العربية، معاد للبنان الدولة.

فحزب الله كما الحشد الشعبي في العراق وفيلق القدس والميليشيات الشيعية في سوريا، هي ميليشيات تحارب من أجل المشروع الإيراني في المنطقة على حساب الدولة الوطنية والتي يبدو أن دول المشرق العربي حتى اليوم فشلت في إقامتها بالمعنى الفعلي.

وإن كان ليس غريبا أن يشن نصر الله هجوما على المملكة العربية السعودية في ذكرى سليماني، ويهدد ويتوعد، إلا أنه أيضا ليس غريبا أن يتهم محمود الزهار عضو المكتب السياسي لحركة حماس كل من فرح بمقتل قاسم سليماني بـ«الشواذ» وأن يعتبر أن سليماني رجل أممي يؤمن بوحدة الأمة وضرورة دعمها بكاملها. ففكرة هذه الأمة التي يتحدثون عنها هي النقيض الطبيعي والبديهي لفكرة الدولة الوطنية. وعلى كل هي ليست المرة الأولى التي تنعى فيها حركة حماس قاسم سليماني، فقد سبق وشارك رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية بتشييع سليماني، بكاه ووصفه بـ«شهيد القدس».

سليماني الذي أمضى حياته بمحاربة الدول العربية وقتل الشعوب العربية، يصر أبناء الحركات الإسلامية على اعتباره «شهيدا» في سبيل قضايا الأمة، من حماس وطالبان، إلى الميليشيات الشيعية المدعومة من إيران، يجمعهما قاسم مشترك وهو العداء لفكرة الدولة، يحاولون خديعة «الجماهير» تارة بأن معركتهم هي مع الاحتلال الإسرائيلي، وتارة مع الوجود الأميركي، ومرات مع الإرهاب، حتى لو كانت كل أفعالهم إرهابية.

في الذكرى الأولى لمقتل سليماني، أي قبل عام، نشرت وكالة «تسنيم» الإيرانية التابعة للحرس الثوري، عن تفاصيل مخطط تحدث عنه سليماني عام 2011 للتحالف مع جماعة «الإخوان المسلمين» بهدف التوغل الإيراني في مصر. سليماني، الذي قال في معرض تحليله للثورة المصرية عام 2011 وعن إمكانية توغل إيران في مصر، بحسب ما نقلت عنه «تسنيم»: «نحن نعتقد أن ما يحدث في المنطقة هو من طبيعة (الثورة الإسلامية)».

وبالطبع لم ينس سليماني أن يذكر أن «أحد الشوارع الرئيسية في إيران سمي باسم حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين».

وإذا ما نظرنا إلى طبيعة العلاقة بين إيران وبين الإخوان، حينها لن تصبح تصريحات نصر الله وقادة الميليشيات الشيعية الأخرى فقط غير مستغربة، بل أيضا تصريحات وأفعال قادة الميليشيات السنية التي ولدت من رحم فكر الإخوان المسلمين.

والحادثة الأوضح التي لا بد دوما من التذكير بها وتذكرها، هي أنه وعندما اجتاح صدام حسين الكويت، سافر إليه يوسف ندا القيادي في تنظيم الإخوان المسلمين وعرض عليه مبادرة تنص على خروج الجيش العراقي من الكويت مقابل دخول قوات إسلامية بقيادة إيران، وهذا ما أعلنه يوسف ندا بنفسه في مذكراته وكرره في لقاءات تلفزيونية.

وقبل أسابيع أصدر تنظيم الإخوان المسلمين بيانا أدان فيه الغارة الإسرائيلية على سوريا، الغارة التي استهدفت سفنا تنقل سلاحا إيرانيا للميليشيات التي شاركت وتشارك في قتل السوريين وغيرهم، حتى اليوم وبعد كل الانتقادات التي وجهت للإخوان على بيانهم، لم يصدر أي تعليق مقنع ولو قليلا لماذا أصدروا هذا البيان، ولذلك يبقى التفسير الأقرب للمنطق أن هذه الحركات مهما اختلفت فإن ما يجمعها أكبر مما يفرقها، ولو كلف الأمر دماء آلاف الضحايا.

لا يمكن فصل المشروع الإسلامي السني عن مثيله الشيعي، فالمشروعان يستمدان نسغ الحياة من بعضهما البعض وإن بدا للمراقب أنهما متناقضان من حيث التوجه الطائفي، إلا أن هزيمة أحدهما تعني هزيمة الآخر، فالمشروعان المتناقضان ظاهريا يقومان على نفس التوجه من حيث رؤيتهما للدولة والمجتمع وتناقضاتهما تكمن فقط في مساحة هيمنة كل مشروع على جغرافيا المنطقة، وهو تناقض يتم تحييده عادة عندما يشعر المشروعان أنهما مهددان.

قد يكون مقتل سليماني بغارة أميركية حدثا إيجابيا للمنطقة وشعوبها، ولكنه غير كاف، فلا إيران كفت شرورها ولا ميليشياتها توقفت عن الاستمرار في الإرهاب الذي بدأته مع سليماني.

إن أقوى ضربة كان من الممكن لها حقا إضعاف المشروع الإيراني التوسعي هي دعم الثورة السورية، ودعم القوى الديمقراطية فيها، فسوريا بالنسبة للمشروع الفارسي الذي يقوده الولي الفقيه هي حبل الوريد الذي يغذي الميليشيات الإيرانية في المنطقة ويحقق لها الوجود الجغرافي من طهران إلى المتوسط، أما وقد كان ما كان، فإننا اليوم أمام تحد كبير وهو دعم مشروع قيام دولة وطنية في المنطقة بدلا من شبه الدويلات الموجودة في كل من العراق وسوريا ولبنان، والحالة الغريبة أو «الشواذ» حسب وصف الزهار في غزة.