جرح لا يندمل

انكسار القلب والخوف شعوران لا يمكن أن يتخيلهما سوي من مر بهما، وفي بعض الأحيان يتبعهما الإحساس بالعجز وعدم القدرة على فعل شيء تجاه من نحب، وهي تجربة مررت بها وتجرعت مرارتها منذ عام، عند وفاة أبي الحبيب في مثل هذا اليوم، حيث لازمتني تلك المشاعر أثناء مرافقتي لأبي وقت رحلة علاجه من مرضه وصبره والتي لم تتجاوز ستين يوما حسمها قضاء الله وقدره ليتسلل بعدها إلى قلبي إحساس الألم الذي لم يفارقني حتى اليوم رغم مرور عام على رحيله.


عام مر على رحيل الأغلى، علي، من علمني الحياة والسير في دروبها، وحتى بعد رحيله ما زلت أتحسس خطاه وأسير على دربه وأفكر بعقله وقلبه، حيث كان عطوفا رحيما بغيره، لا يقول إلا أنه يعامل الله في تعامله مع الناس، ورغم ألمي على رحيل أبي الحبيب ولكني أحمد الله أنه سبحانه كتب له الرحمة من آلام المرض بعد صبر وعناء. وعلى الرغم من الجرح الذي لم يندمل وأحاول أن أخفيه بداخلي وأتذكر فيه ما قيل:


وفراق الآباء شيءٌ عظيمٌ/ ما لذكرى همومه من براح.


إلا أن فراقه ترك أثراً بالغ الحزن والأسي وغصة في القلب لم تندمل، بل تربض بين الضلوع، ولم تستطع أن تواريها الذكريات.
أتذكر من عام وأنا أهرول إلى المستشفى بعد إبلاغي بنفاذ قضاء الله، وأنا أدعو الله أن يكون ما سمعته وما أُدركه كابوسا يوقظني منه أحد.


 أتذكر كل تفاصيل هذا اليوم كما لو كان الأمس، وقلبي مقبوض وأكتم أنفاسي كما لو كانت روحي تخرج مني وإحساس الخوف يطغى عليه، خاصة كلما اقتربت من غرفة الرعاية، وأدعو الله أن أراك وأن يكونوا أخطأوا في إخباري أو أخطأوا في تقديراتهم حتى رأيت مكانك خاليا ليسيطر الحزن على قلبي كالظلام الكاتم المخيف وتضيق أنفاسي ويذرف الدمع من قلبي ويُغلق أعيني وأتذكر وقتها قول الله سبحانه: (الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ).. لأُوقن أن الله كتب لك الرحمة أبي الحبيب وكُتب علي الألم والحزن والانكسار.


مر عام بأكمله على فراقك يا أبي وحزننا عليك والألم الموجود في قلوبنا كالصدأ الذي يأكل الحديد وندعو الله أن يلهمنا الصبر علي فراقك وأن يسكنك الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء ويجازيك عن مرضك وصبرك خير الجزاء.