بعد اللحوم والدجاج والأسماك... اللبنانيون محرومون من الخضراوات

«مافيا الدولار» ترفع أسعار السلع الحياتية
الغلاء طال كل السلع الغذائية بما فيها الخبز

بيروت: تتفاقم الأزمات في لبنان، ويخيم شبح الفقر على يوميات اللبنانيين المتروكين لمصير مجهول تتحكم في مفاصله قوى داخلية وإقليمية من دون أفق للحل على كل الصعد.

وتؤكد تقارير بأن 90 في المائة من سكان لبنان باتوا فقراء. ويعود تعريف معنى الفقر، بأن كل فرد أو أسرة لا تكفيها مواردها لسد احتياجاتها الأساسية تعتبر فقيرة.

وكان تقرير البنك الدولي الذي صدر تحت شعار «الكساد المتعمد»، قد اتهم السلطات في لبنان- التي وصفها بـ«صانعي السياسات»- بالمسؤولية عن التأخر في اتخاذ إجراءات إصلاحية فعالة، ما أدى إلى كساد اقتصادي شاق، مقابل إغراق اللبنانيين بنتائج فسادها وسوء إدارتها للأزمات.

 

دعم الفقراء في خطر

ولعل اتساع رقعة الفقر في لبنان يرتبط بتداعيات الإجراءات الخاطئة التي اتخذتها حكومة رئيس الوزراء السابق حسان دياب وأبرزها عدم سداد الدين الخارجي، ودعم المواد الغذائية الذي استنزف احتياطي مصرف لبنان من العملات الصعبة وكان لمصلحة التجار والمهربين من دون أن يستفيد المواطن اللبناني من هذا الدعم، الذي وصفه الخبير الاقتصادي الدكتور نسيب غبريل بأنه لم يكن خيارا سليما لأنه في كل دول العالم يكون ملحوظا في موازنات الحكومات ومن خزينة الدولة وليس من المصارف المركزية.

أما رئيس الهيئات الاقتصادية الوزير السابق محمد شقير فاعتبر أن أكبر عملية فساد بتاريخ لبنان حصلت عامي 2020 و2021. وقال: «دفعنا على الدعم خلال هاتين السنتين 17 مليار دولار ذهب منها نحو 13.5 مليار دولار في جيوب الفاسدين أي نحو 7 مليارات في السنة وهناك أشخاص وعصابات وقوى سياسية حققت المليارات، وهذا لم يحصل في السنوات السابقة عندما كان يذهب مليار أو ملياران بسبب الفساد في السنة».

وأضاف شقير: «لو استطاعوا أن يتصرفوا بالـ14 مليار المتبقية في الاحتياطي الإلزامي لكانوا أكملوا عليها».

إضافة إلى ذلك الاحتكار المخيم على كل القطاعات الاقتصادية والتي لم تستطع كل العهود التي مرت على لبنان أن تحد منه، متذرعة بأن نجاح لبنان وازدهاره كان في السابق مرتكزا على مبدأ الاقتصاد الحر، لكن المحتكرين وعصابات التهريب والمافيا المسيطرة على سوق الدولار والمحمية سياسيا زادت من معاناة الناس في حياتهم اليومية إذ إن هذه «المافيا» بالتواطؤ مع محال الصيرفة الشرعية وغير الشرعة تعمل ليلا نهارا وأيام العطل والأعياد تحت أعين القوى الأمنية، وهمها سرقة المواطن وحرق اقتصاد البلد، وهذا ما انعكس سلبا على حياة المواطنين بعدما باتت كل السلع والمواد الحياتية مرتبطة بتسعيرة هذه «المافيا» خصوصا بعد رفع الدعم عن المحروقات والأدوية والسلع الغذائية.

وهذه «المافيا» هي التي ساهمت في ضرب الاقتصاد الوطني وأفقرت كل الناس لأن تلاعبها بأسعار العملة الخضراء انعكس على كل القطاعات وعلى جميع السلع الحياتية والضرورية وعلى المحروقات والأدوية والاستشفاء وغيرت نمط الحياة للمواطنين.

 

الليرة اللبنانية تشهد أكبر انهيار لها أمام الدولار

 

اللحوم والدجاج والأسماك

اللحوم الحمراء، والدجاج والسمك هي من أكثر السلع التي حُرم منها اللبنانيون في الأشهر الأخيرة بعد رفع الدعم إذ ارتفعت الأسعار بشكل ناري، مقابل انخفاض القدرة الشرائية للمواطن بين 80 و85 في المائة.

وأسعار اللحوم اليوم، ترتفع ولا تنخفض بحسب سعر صرف الدولار. والقصابون باتوا عاطلين عن العمل معظم الوقت، فآخر ما يفكر به اللبناني اليوم هو أكل اللحم، إذ أصبح يُعد من الكماليات ووجوده على المائدة بذخ وترف، وحتى وقت قريب، كانت «الشاورما» هي الأكلة الشعبية الأولى في لبنان، إلا أن غلاء لحوم الأبقار والدجاج التي تدخل في إعدادها، جعلها تحلق، وبات السندويتش يباع بين 45 و60 ألف ليرة حسب المحل والمنطقة التي يقع فيها.

فقد أصبح سعر كيلوغرام لحم البقر البلدي 240 ألف ليرة بعد أن كان سعره قبل الأزمة 18 ألف ليرة، وكيلو لحم البقر البرازيلي المبرد 190 ألف ليرة، أما لحم الدجاج، فأصبح سعر الكيلو 68 ألف ليرة وكيلو فخذ الدجاج 45 ألف ليرة. والفروج المشوي على الغاز بـ137 ألف ليرة بعد أن كان سعره قرابة العشرين ألف ليرة، وكرتونة البيض التي كانت تباع قديما بـ8 آلاف ليرة بات سعرها اليوم 94 ألف ليرة، مع أن لبنان بلد منتج ومصدر للبيض، أما أسعار الأسماك فلا قاعدة لها والسعر يختلف بين محل وآخر ومنطقة وأخرى فسعر كيلو سمك المواسطة بين 120 و150 ألف ليرة حسب الحجم: الجربيدي 150 ألف ليرة والمليفا 250 ألف ليرة الكيلو.

 

بين البائع والمشتري

صاحب ملحمة في منطقة دوحة عرمون تحدث إلينا بغضب، وقال: «تسلمت الملحمة من المرحوم والدي وهذه الأوضاع التي نعيشها اليوم لم يشهدها لبنان حتى في ظل الحرب الأهلية». وتابع: «لم نتوقع يوما أن يصبح ثمن كيلو اللحم عند هذا الحد. زبائني أصبحوا يطلبون نصف أوقية لتزيين الطبخة، وحتى لا تصدمهم الأسعار أصبحت يوميا أضع التسعيرة وأرسلها إلى الزبائن عبر الواتساب».

ويتابع: «خفضت الكمية التي كنت أشتريها قبل أشهر إلى النصف ويبقى منها لليوم التالي. ما يحصل أمر لا يصدقه عقل، فمن كان يقول إن وقتا سيأتي يعجز فيه اللبناني عن شراء اللحم. هذا الحديث يتعلق بالطبخ، أما المشاوي واللحم بعجين والصفيحة فأصبحت من الماضي، فقد كنا ننتظر نهاية الأسبوع لنبيع كميات كبيرة. أما اليوم فلم نعد نحسب حسابا لزبائنها، الذين وصلوا إلى درجة يقسمون نصف كيلو اللحم على عدة طبخات».

 

المواطنون يشتكون

قد يرتفع كيلو اللحم أو ينخفض 5 آلاف ليرة من منطقة إلى أخرى، لكن الثابت الوحيد أن عددا كبيرا من اللبنانيين نسوا مذاقه بعد أن حذفوه من لائحة طعامهم.

وتقول السيدة سمية درويش بأسى: «لولا صور اللحوم المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي لنسينا شكلها أيضا»، مضيفة: «كيف لي أن أشتريها، وراتب زوجي لا يتجاوز المليون ونصف المليون ليرة، لدي 4 أولاد، ما يعني أن نصف كيلو منها لا يكفينا، الآن أركز اليوم على البرغل والخضار، ومنذ شهرين لم أقصد اللحام، ابني يطلب اللحم بعجين، لكن كيف لي أن أدفع 150 ألف ليرة على وجبة لا تزيد على نصف كيلو وهي لا تكفي العائلة؟».

ويقول وسام عيتاني وهو موظف حكومي ورب عائلة مؤلفة من خمسة أولاد وزوجته ووالدته: «عندما تفاقمت الأزمة، لم أكترث كثيرا لغلاء اللحمة والدجاج والسمك واستبدلتها بالحبوب والخضار ولكن سرعان ما تبدلت الأمور عند نهاية السنة بحيث أصبحت كل السلع توازي بعضها لجهة الغلاء الفاحش حتى طالت الخضار. كنت اشتري الخسة بـ1500 ليرة اليوم أصبحت بـ15000 ليرة لبنانية. أما كيلو البطاطا اليوم فبتنا نشتريه بـ15000 ليرة. والبندورة التي هي من المنتجات اليومية الأساسية في المنزل أصبح الكيلو بـ12000 ليرة. هذا الوضع كله أجبرنا على تقليص الكميات وشرائها بالحبة. لا زلنا لا نفهم أسباب غلاء المنتجات الزراعية اللبنانية ونناشد وزارة الزراعة بوضع حد لهذه الأمور وضرورة أن تقوم مصلحة حماية المستهلك بتعزيز تواجدها في الأسواق والتشدد في مراقبة الأسعار لأن ثلاجاتنا أصبحت فارغة».

أما السيدة نهى العليلي وهي ربة منزل مسنة وتعيش في جنوب لبنان فقد بادرتنا بالقول: «لم تعد هذه الحالة تطاق فقد كثرت خلافاتنا أنا وزوجي بعد ازدياد مصاريفنا اليومية مع ارتفاع أسعار السلع والمنتجات ومؤخرا الخضار. فماذا نأكل إذ إن أقل وجبة طعام تفوق كلفتها الـ100 ألف ليرة في اليوم الواحد، عدا المصاريف اليومية الأخرى، بعدما كنا لا نفكر في هذا الموضوع إطلاقا إلا أنه الآن أصبح الشغل الشاغل والحديث الدائم في المنزل ومحور نقاشاتنا تدور كيف نجد طريقة مناسبة لمعالجة هذه المشكلة. للأسف هذه الأزمة اليوم طالت لقمة عيشنا إذ بتنا نكتفي بوجبة واحدة في النهار ولا نعلم إن كنا في الغد سنبيع كل ممتلكاتنا لكي نأكل ونشرب».

رئيس نقابة اتحاد القصابين وتجار المواشي معروف بكداش اعتبر أن «التفاوت في أسعار اللحوم يعود إلى المناطق والبلد المستوردة منه، فمثلا في الضاحية الجنوبية القصاب هو الذي يذبح بنفسه ويسلخ وليست لديه تكاليف لتغطية مصاريف العمال، كما أن اللحوم المستوردة من أوروبا أغلى ثمنا من اللحوم المستوردة من البرازيل والأوروغواي، ويختلف السعر نحو 400 دولار للطن الواحد».

وأشار، إلى أن «سعر كيلو لحم البقر أصبح نحو 220 ألف ليرة والغنم 320 ألفاً».

ولفت إلى انخفاض نسبة الاستيراد بنسبة 70 في المائة فالبواخر التي تصل لا تتعدى ست بواخر وبالعادة كانت تأتي عشرون باخرة.

 

المصرف المركزي المسؤول الأول عن السياسات المالية في لبنان

 

من اللحوم إلى الخضار

ومع أن العديد من العائلات اتجهت نحو الخضار بعدما أصبحت اللحوم والدجاج والأسماك من الكماليات، إلا أن الصدمة الكبرى لهؤلاء كانت حين بدأت أسعار الخضار تقفز بشكل جنوني بعدما لامس الدولار الثلاثين ألف ليرة، مما يدفع المرء للسؤال: كيف للفقير أن يطهو الخضار التي كانت أرخص ما يمكن أكله بالنسبة إليه؟

الأسعار فعلا خيالية، لا سيما البطاطا التي تعد لحمة الفقير، لكن ما سبب ارتفاع أسعار هذه السلع؟ هل يعود السبب إلى حلول الأعياد حيث تشهد الأسواق بعض الحركة، فترتفع الأسعار؟

 

بين الزراعة والاقتصاد

مصدر في المكتب الإعلامي لوزيرالاقتصاد والتجارة أوضح لـ«المجلة» أن مسألة أسعار الجملة للخضار والفاكهة هي من مسؤولية وزار الزراعة، أما بالنسبة للأسعار في المحال والسوبر ماركت فإن وزارة الاقتصاد تقوم بمراقبتها وتحرر محاضر ضبط للمخالفين بعد أن يتم التدقيق في الفواتير، لذلك المطلوب مراقبة أسعار تجار الجملة وهذا كما ذكرت من صلاحيات وزارة الزراعة.

 

أسعار منخفضة

بدوره رئيس جمعية المزارعين اللبنانيين المهندس أنطوان الحويك يشرح لـ«المجلة» أوضاع سوق الخضار والفاكهة ويقول: «ليست كل أسعار الخضار مرتفعة. هناك الحمضيات أسعارها لا تزال منخفضة لأنها كانت تذهب إلى الخليج. أهم صنفين أسعارهما متدهورة هما (أبو صرة) و(الكليمنتين) وغيرهما من الأصناف الأخرى. أما الحامض فلا يزال محافظا على أسعاره خاصة بالنسبة للمزارعين فهي مقبولة. اليوم في الصادرات كان لدينا العنب والحمضيات التي تذهب إلى المملكة العربية السعودية. العنب في البرادات لا يزال صلبا إلا أنه سيذهب إلى أسواق أخرى أما الحمضيات التي كان نحو 17 ألف طن منها يصدر إلى السعودية لم تعد تصدر بسبب الأزمة التي نشبت وأدت إلى انهيار أسعار الحمضيات في السوق المحلية».

وعما إذا كان المزارعون قد توقفوا عن زراعة أراضيهم؟ فيقول الحويك «بالطبع، فإن المساحات الزراعية انخفضت لأن الإمكانيات عند المزارعين أصبحت ضعيفة. فالذي كان لديه أموال في المصارف حجزت أمواله وثانيا لكي يزرع المزارع عليه أن يقترض المال، وكان بالعادة يقترض من شركات البذور والأسمدة والأدوية للموسم أما الآن فهذه الشركات تطلب الدولار عند التسلم. فكيف يستطيع هذا المزارع أن يدفع هذا المبلغ؟ ومن كان يزرع مائة طن أصبح يزرع 20 طنا والكلفة مرتفعة، وقد بدأنا نلمس هذا الأمر بشكل أساسي في الساحل لأنه في الصيف عندما يكون الطقس جيدا نرى على سبيل المثال كل البقاع ينتج وجبيل أيضا وفي كافة المناطق. للأسف هذه المناطق اليوم توقف إنتاجها والإنتاج مقتصرعلى الخيام البلاستيكية التي بات إنتاجها قليلاً، والمساحات المزروعة أقل بكثير من العادة».

يتابع: «اليوم لو لم نستورد البندورة من سوريا لكان كيلو البندورة 20 ألف ليرة في الجملة لأن إنتاجنا يشكل 20 في المائة من البضاعة الموجودة في السوق. هناك 20 في المائة لبناني و20 في المائة سوري من البندورة. أما ثمرة الكوسة والتي من المفروض أن يكون إنتاجها تحت الخيام البلاستيكية، أصبح إنتاجها قليلا. أما أسعار الباذنجان والفليفلة فارتفعت بشكل لافت وأسعار الخيار في الجملة 16 ألف ليرة خصوصا أننا في موسم الشتاء والإنتاج خفيف والكميات أصبحت أقل بكثير من السنوات العادية. لذا المطلوب لخفض الأسعار هو إعادة سياسة الزراعة من جديد. أي يجب أن يكون هناك زرع أكثر لكي يزداد العرض أكثر من الطلب وبالتالي تنخفض الأسعار».

 

 


مقالات ذات صلة