أزمات السينما المصرية والعربية.. «العرض مستمر»

«كورونا» و«الطقس المتقلب» انضما لـ«مقص الرقيب» و«ضعف التمويل»

القاهرة: أدّى الانتعاش النسبي في صناعة السينما المصرية والعربية مؤخرا بعد عامين من الجمود بسبب أزمات الإنتاج التي واكبت جائحة كورونا، وانعكاس رفع قيود الإقفال على حركة السينما، إلى خروج نحو 11 فيلما على الساحة المصرية إلى النور للعرض خلال أجازات نصف العام الدراسي للاستفادة من «الإجازة الدراسية» للجامعات والمدارس التي تستفيد منها الأسر بشكل عام.

اليوم عادت مؤشرات الإغلاق إلى سطح الأحداث بعد زيادة الإصابات بالفيروس ومتحوراته بشكل مكثف، لتضيف المزيد من المآسي لصناعة السينما العربية التي عانت ولا تزال أزمات متعددة طوال عقود من الزمن، من بينها إشكاليات الرقيب والتمويل والإقبال ودور العرض والمحتوى، يضاف إليها أيضا التقلبات الجوية المتواصلة التي اجتاحت دول العالم، وجعلت من المنزل مأوى إجباريا لملايين الناس حول العالم.

 

أفلام مقاولات

كان «المُنتَج الفني» أو طبيعة الأفلام التي تتم صناعتها من بين الإشكاليات الكبيرة خلال الفترة الأخيرة خاصة على الساحة المصرية، في فترة انتشرت فيها أفلام المقاولات التي تعتمد على العنف والعري والمخدرات، والتي كانت موضع انتقادات كبيرة من المجتمع المصري لما تسببت به من زيادة ظواهر الجريمة.

فقد ظهرت حوادث غريبة لم تشهدها المجتمعات العربية من قبل، الأمر الذي دعا الكثيرين إلى مقاطعة هذه الأعمال والقائمين عليها، وتسبب في ظهور شخصية الرقيب التي كانت محل انتقاد من الوسط الفني على اعتبار أنها تتعارض مع رسالة الفن كمرآة للمجتمع.

وكانت الاعتراضات تصب في اتجاه استغلال هذه الأفلام لتسليط الضوء على استثناءات قليلة وأفعال نادرة وتصويرها وكأنها قاعدة وذلك لأسباب تتعلق بالتسخين الدرامي، لجذب فئات معينة من الجماهير خاصة المراهقين منهم، من خلال اللعب على وتر «الجنس» و«التعري» و«الخيانة» و«العنف» وغيرها.

وكانت رداءة المنتج خلال فترات سابقة في الغالب، سببا في تحوّل العديد من الدّول عن الفيلم المصري الذي أصبح بعضه لا يتناسب مع منظومة الأسر العربية، وهو ما دعا الخبراء والمختصين وصناع الدراما الحقيقيين، للمطالبة بإجراء تحوّل استراتيجي في منظومة الإنتاج السينمائي في مصر، وضرورة تدخّل الدولة لصالح عودة السينما المصرية إلى مسارها كقوة ناعمة في الوطن العربي كان لها دور كبير منذ خمسينات القرن الماضي، في تشكيل الوعي العربي من خلال محتوى فني راق ومميز، خاصة مع التطوّر الكبير والإبهار المستمر في منظومة السينما العالمية الغربية، التي أخذت حيزا مميزا من نسب المشاهدة لدى جماهير عريضة من العالم العربي.

وتعاني السينما المصريّة والعربيّة على حد سواء من أزمات واضحة لخّصها عدد من الخبراء في أكثر من موضع طوال سنوات متعددة ومن بينها محدودية دور العرض التي لا تتناسب مع التطور الكبير في صناعة السينما، وأزمة المحتوى الفني في الدول العربية، وضرورة تفعيل صالات للعرض بإمكانيات بسيطة لحث الشباب على الإقبال على الفن الهادف، أو استغلال قصور الثقافة لهذا الغرض لنشر الفن المميز داخليا.

 

 

قضايا نقاشية

وظهرت قضايا نقاشية لخبراء ومتخصّصين وفنانين سينمائيين بحثت عددا من النقاط المهمة في صناعة السينما المصرية والعربية، من بينها البحث في كيفية تفعيل تشريعات وقوانين تضبط إيقاع عملية الإنتاج السينمائي، وخلق كيانات أو اتحادات فنية من متخصصين لبحث الواقع الفني، ورسم ملامحه المستقبلية في ظل ما يتعرض له من أزمات حقيقية ومن بينها ضعف الإقبال، ورداءة المنتج، والقرصنة السينمائية وتسويق وبيع الأفلام تجارياً، وبحث تمويل ومساعدة الأعمال الجادة والهادفة من خلال كيانات استثمارية بما يعود بالنفع على المنظومة كلها ويصب في صالح المجتمع.

فيما تطرّق عدد من الخبراء والمتخصصين لأزمة السينما العربية المتمثلة في عدم وجود كيانات متخصصة في صناعة السينما وغياب مؤسسات تعليمية لدراسة هذا المجال وعدم تدريب المتخصصين في الخارج بشكل كاف، ومحدودية الدعم المالي والتمويل وضعف مشاركة القطاع الخاص والمستثمرين، بالإضافة للإجراءات المعقدة أحيانا في صناعة السينما التي تدفع عددا من المهتمين بالمجال إلى الخروج لأوروبا أو أميركا وكذلك إجراءات التصوير الداخلية التي تكون مكلفة ومعقدة أحيانا.

 

تحدّيات طبيعية

الناقد السينمائي والكاتب الصحافي طارق الشناوي قال في تصريحات خاصة لـ«المجلة»: «التحديات التي تواجه صناعة السينما خلال الفترة الأخيرة متعدّدة، وزاد عليها مؤخرا تحدّيات أخرى طبيعية وصحية بسبب التقلبات الجوية في مصر والعديد من دول المنطقة العربية، بالإضافة إلى الظرف الصحي الذي تعاني منه المنطقة العربية والعالم كله مؤخرا بسبب الجائحة المرضية الموجودة، وهما بلا شك عاملان مهمان أثرا سلبا على السينما والأعمال الفنية بشكل عام، وأضعفا من الإقبال على دور العرض خلال الفترة الأخيرة».

وتابع الشناوي: التحديات الأخرى التي أثّرت على صناعة السينما متعدّدة ومن بينها مطالبة الحكومة المصرية برسوم عالية «ومغالى فيها»- بحسب تعبير الشناوي – للتصوير في الأماكن العادية وليس الطبيعية، «فعلى سبيل المثال إذا اقتضى التصوير في محطة مصر أو في الشارع مثلا أو في مكانٍ محدّد تتم المطالبة برسوم مرتفعة مقابل ذلك، وهذا من المعوقات بالطبع في صناعة السينما، ويجب إعادة النظر فيها خاصة أن هناك من الأعمال الفنية من يذهب خارج الحدود ويحصد جوائز مهمّة».

 

رقابة حكومية

وتعد الرقابة على الأعمال الفنية من بين العوامل التي تعرقل صناعة السينما في مصر أحياناً، بحسب تصريحات الناقد الفني طارق الشناوي الذي استشهد بتعبير «بتنفخ في الزبادي» للدلالة على تخوّف الرقابة من ردود الفعل المتوقعة على الأفلام في حالة وجود أي تجاوز في العمل الفني من وجهة نظر البعض، قد يعرّض الرقابة لأي مساءلة من الدولة، خاصة إذا أخذت الأمور منحنى تصعيديا قد يحدث أحياناً، والرقابة مستسلمة و«تريح دماغها»- بحسب تعبير الشناوي- وتقوم بتوزيع السيناريوهات على جهات معينة في الدولة، فإذا حدثت مشكلة من الفيلم تكون قد أخلت مسؤوليتها وتقوم بـ«إراحة نفسها» فبالتالي هناك مشكلة عند صناع السينما بسبب تخوّف الرقابة من اللوم والعقاب، ولكن في نفس الوقت لا نستطيع توجيه الإدانة للرقابة بشكل مطلق، لأن الرقيب ربما جرب الأمر سابقاً، ووجد نفسه متهماً، وربما تساءل مع نفسه لماذا أتواجد دائما في موضع الاتهام ويتم اتهامي من قبل البعض بالتسيّب بسبب بعض الأمور، ومن بينها مثلا «القبلات»، و«مشاهد العنف» وغيرها.. «الرقيب نفسه يشدد من الرقابة وبنفس القدر الذي تتم إدانته فيه نلتمس له العذر كثيرا فهو في النهاية إنسان ولا يريد التعرض لأي لوم أو عقاب، وإذا تواجدت مشكلة رقابية في أي عمل فني يجب أن يتواجد صدر أكثر انفتاحا في تقبل النقد في كل المجالات وهو ما نفتقده مع الأسف».

وتابع: «توقّف دعم الدولة من بين التحديات التي تواجه صناعة السينما في مصر، إذ إنّه كان موجودا قبل نحو 6 سنوات وتوقف، ويجب أن يعود مرة أخرى حيث ساهم في تحرك بعض مشروعات الأفلام إنتاجيا، وهنا لا أتحدث عن إنتاج خالص للدولة، ولكن عن الدعم للأعمال الفنية، فهناك فارق كبير بين النموذجين، فلا أريد أن تدخل الدولة في الإنتاج لأنها ستخسر في هذه الحالة، مثلما حدث من قبل من إنفاق مبالغ كبيرة على أعمال فنية، والتلاعب في ميزانياتها».

 

 

أفلام حديثة

وشهدت الساحة المصرية مؤخرا إنتاج نحو 11 فيلما أخذت في الظهور تباعا بدور العرض التي تعاني ركودا كبيرا منذ فترة ليست بالقليلة، فيما ينتظر عدد منها دوره للظهور خلال الفترة القادمة، لتحدث هذه الأفلام انتعاشا صاحب نهاية العام المنقضي 2021 وبداية العام الحالي 2022 الذي جاء أيضا بتقلّباتٍ جويّة زادت من معاناة أصحاب «فن التشخيص» الذين عادوا مجددا من خلال عددٍ من الأفلام المهمة لنجوم الشباك في مصر والعالم العربي، المهددة أفلامهم بسبب تحديد نسب الاستيعاب في صالات العرض بسبب زيادة الإصابة بكورونا ومتحوراتها، وذلك بعد فترة قصيرة من زيادة الأعداد بصالات العرض.

ومن بين الأفلام التي تم إنتاجها في مصر مؤخرا فيلم «أبو صدام» بطولة الفنان محمد ممدوح الذي فاز بدوره عن هذا الفيلم بجائزة أفضل ممثل بالدورة 43 من مهرجان القاهرة السينمائي الدولي مؤخراً، والفيلم قصة وإخراج نادين خان وسيناريو وحوار محمود عزت.

وفيلم «برا المنهج»، بطولة الفنان ماجد الكدواني والطفل عمر شريف، قصة وإخراج عمرو سلامة وسيناريو وحوار خالد دياب وعمرو سلامة.

وفيلم «ريتسا» بطولة محمود حميدة وأحمد الفيشاوي، وتأليف معتز فتيحة، وإخراج أحمد يسري. وفيلم «مربع برمودة» بطولة مصطفى خاطر وروجينا وعمرو عبد الجليل، من تأليف هشام هلال وإخراج طارق رفعت. وفيلم «الكاهن» بطولة درة وإياد نصار وإخراج عثمان أبو لبن، وتأليف محمد ناير، وفيلم «الجريمة» بطولة منة شلبي وإخراج شريف عرفة، وفيلم «العنكبوت» بطولة أحمد السقا ومنى زكي، وإخراج أحمد نادر جلال، وتأليف محمد ناير. وغيرها من الأفلام التي ظهرت على السطح الفني خلال الفترة الأخيرة.

 

قضايا جدلية

وتعاني السينما المصرية من قضايا جدلية شهدت حيزا نقاشيا على الساحة الإعلامية خلال الفترة الأخيرة ومن بينها أزمة فيلم «ريش» للمخرج المصري عمر الزهيري الذي شارك أيضا في تأليف الفيلم مع السيناريست أحمد عامر، إنتاج الفرنسيين جولييت لوبوتر وبيير مناهيم، وهو من الأفلام الروائية الطويلة.

وحصد الفيلم الجائزة الكبرى لأسبوع النقاد في مهرجان «كان السينمائي الدولي» كأوّل فيلم مصري طويل يحصل على هذه الجائزة في تاريخ المهرجان، وبدأت الأزمة عند مغادرة عدد من الفنانين الكبار لصالة العرض اعتراضا على الفيلم، ومن بينهم يسرا وشريف منير وأشرف عبد الباقي وأحمد رزق بسبب اعتراضهم- الذي نفاه البعض لاحقا- على ما يمثله الفيلم من إساءة لمصر بحسب ما ذكره الفنان شريف منير في تصريحات تلفزيونية، من أن الفيلم يمثل عذابا غير طبيعي وشكلا مؤذيا يزيد عن الحد المقبول، وينافي كذلك لجهود الدولة المصرية وما تفعله من مبادرات حياة كريمة للمواطنين ومحاربة الفقر والعشوائيات والقيام بعمليات التكافل المجتمعي، وهو ما لا يجعل هناك سببا للقيام بما عرضه الفيلم- بحسب منير- بالإضافة لاستنكاره ما تابعه من مشاهد بؤس وحالة معيشية متدنية لم ترق له وتعد قاسية جدا وعنيفة للمشاعر بحسب وصفه ويعترض عليها تماما. هذا بالإضافة إلى أن الفيلم لم يستحوذ على إعجابه فنيا ورفض في الوقت نفسه حماية الفيلم وتحصينه من النقد بسبب الجائزة التي حصل عليها في مهرجان «كان السينمائي الدولي».

وشهد الموسم الصيفي الماضي للسينما في مصر أيضا ظهور أكثر من عمل فني خلال فترة زمنية قصيرة، بسبب تأجيل بعض الأعمال من فترات سابقة لظروف العمل المختلفة، أو بسبب كورونا التي تسببت في العديد من الأزمات لقطاع السينما، فيما تم تأجيل أفلام أخرى بسبب عدم استكمال بعض المشاهد أو بسبب انشغال أبطال العمل بتصوير أعمال ثانية، وقد تنوّعت الأعمال السينمائية خلال الموسم بشكل كبير بين الأعمال الدرامية، والسينما التي تعتمد على الخدع البصرية وتقنيات الغرافيك ومشاهد الأكشن والخيال العلمي بسبب اتجاه جماهير السينما خلال الفترة الأخيرة لهذه النوعيات من الأعمال، تلاها في الأهمية الأفلام الكوميدية.

 


مقالات ذات صلة