تركيا والتقارب مع المملكة... هل تحسم القضايا المتنازع حولها؟

العزلة الإقليمية والأزمات الاقتصادية أجبرت أنقرة على تغيير سياستها الخارجية
لقاء سابق بين الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس التركي رجب طيب أردوغان

باكو: لم يكد يبدأ العام الجديد إلا ويحمل معه تصريحا جديدا من الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بشأن نيته زيارة المملكة العربية السعودية في فبراير (شباط) القادم، إذ صرح في الثالث من يناير (كانون الثاني) الجاري بـ«تلقيت دعوة من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز لزيارة الرياض، وسنناقش أمورا كثيرة تخص علاقات البلدين خلال الزيارة التي سأقوم بها الشهر المقبل»، جاء ذلك خلال حديثه مع عدد من كبار المصدرين الأتراك على هامش فعالية لمجلس المصدرين في إسطنبول، إذ ذكر في جوابه على سؤال طرحته سيدة أعمال تركية عن الحظر السعودي غير المعلن على البضائع التركية ومطالبتها بحل هذه المشكلة بأنه «سيبحث مع الملك سلمان العلاقات التجارية بين البلدين وإزالة أي عقبات تعترض تعزيزها».

صحيح أن الرئاسة التركية عقبت على هذا التصريح بالإشارة إلى أن الزيارة لم يتأكد موعدها بشكل دقيق، إلا أنها في الوقت ذاته لم تنف ما كشف عنه الرئيس التركي، إذ جاء في تصريحات نشرتها وكالة «سبوتنيك» الروسية نقلا عن الرئاسة التركية أن: «زيارة إردوغان إلى السعودية غير محسومة بعد».

 

لقاء وزير خارجية تركيا مولود جاويش أوغلو مع نظيره السعودي فيصل بن فرحان في العاصمة السعودية الرياض. أيار/ مايو 2021

 

تحديات داخلية وخارجية

ولا شك أن هذا الموقف التركي الملتبس تجاه موعد الزيارة المرتقبة للرئيس التركي إلى الرياض يحمل كثيرا من الدلالات بشأن تطورات مسار العلاقات التركية السعودية على وجه الخصوص والتركية الخليجية بصفة عامة، يدلل على ذلك أيضا ما أعلنته الرئاسة التركية بشأن الزيارة المرتقبة للرئيس التركي كذلك إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، فرغم ما نشرته بعض المواقع الإلكترونية نقلا عن وزير خارجيتها عن أن موعد الزيارة في منتصف فبراير (يومي 14- 15)، إلا أن الرئاسة التركية أعادت أيضا حالة الغموض بشأنها، وذلك حين ذكرت في ذات التصريحات السابق الإشارة إليها لوكالة «سبوتنيك» الروسية بأن «موعد زيارة إردوغان إلى الإمارات والسعودية لم يؤكد بعد وليس لدينا سوى تصريحات إردوغان حول عزمه زيارة البلدين... ولم يصلنا شيء بخصوص موعد الزيارة».

وبعيدا عن هذه الحالة التي تتسم بالتردد أو الارتباك في إدارة الرئاسة التركية لتوجهات بلادها حيال دول الخليج، يمكن الإشارة إلى أن الموقف التركي يواجه كثيرا من التحديات الداخلية والإقليمية بل والدولية التي تجعله لا يستطيع أن يحسم مواقفه بشكل سلس، ويُحدد بوصلة توجهاته بشكل دقيق وواضح خاصة في الملفات المليئة بالتعقيدات والتشابكات المتعددة والمتباينة، ويأتي ملف العلاقات التركية السعودية في مقدمة تلك الملفات، إذ إنه رغم ما أبدته أنقرة منذ فترة عن رغبتها في ترميم علاقاتها مع المملكة، بل حرصت على اتخاذ خطوات ملموسة لإظهار حسن نيتها، وهو ما تؤكده كثير من المؤشرات، أبرزها:

  1.  إنها لم تكن المرة الأولى التي يصرح فيها الرئيس التركي عن رغبته في التقارب مع المملكة العربية السعودية، إذ سبق أن ذكر الرئيس طيب إردوغان خلال مقابلة أجرتها معه قناة «TRT» التركية الحكومية في الأول من ديسمبر (كانون الأول) الماضي (2021) بأنه: «سنعمل على الارتقاء بالعلاقات مع السعودية إلى مكانة أفضل... عازمون على تحسين علاقات تركيا مع جميع دول الخليج... وأن هناك إمكانيات جدية للغاية للتعاون بيننا وبين دول الخليج، فاقتصاداتنا متكاملة، وآمل أن نرى مشاريع تعاون جديدة تقوم على المنفعة المتبادلة كفرص للاستثمارات المشتركة». وتتفق هذه التصريحات مع تصريحات سابقة وردت على لسان المتحدث باسم الرئاسة التركية إبراهيم كالن، عبر فيها عن: «رغبة أنقرة في تحسين العلاقات مع الرياض»، وكذلك تصريحات وردت في مؤتمر صحافي للمتحدث باسم الخارجية التركية تانجو بيلغيتش، أواخر يونيو (حزيران) الماضي (2021) جاء فيها أن «بلاده تولي أهمية كبيرة لأمن واستقرار منطقة الخليج، وأن هناك رغبة من أنقرة في تطوير التعاون مع دول الخليج والمنطقة... وأنه لا توجد مشكلة سياسية ثنائية بين تركيا والسعودية».
  2.  استجابة تركيا لكثير من المطالب العربية المتعلقة بملف التنظيمات المتطرفة والإرهابية التي تحتضنها تركيا كورقة ضغط ضد بعض الدول العربية، ولعل موقف تركيا بوقف دعمها لجماعة الإخوان والتنظيمات العنيفة المتطرفة التي تثير التوترات في مناطق متعددة وتهدد استقرار وأمن الكثير من الدول العربية، يعكس رغبة تركية حقيقية هادفة إلى تسوية خلافاتها مع الدول العربية الرئيسية في المنطقة وتحديدا (مصر والسعودية والإمارات).
  3.  استضافة تركيا في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي (2021) مباحثات رفيعة المستوى بين البلدين، إذ بحث نائب الرئيس التركي فؤاد أقطاي خلال هذا الاجتماع مع وزير التجارة السعودي ماجد بن عبد الله القصبي العلاقات الثنائية بين الدولتين، لا سيما في المجال التجاري بهدف تعزيز مجالات التبادل التجاري الذي شهد تراجعا كبيرا خلال الأعوام الثلاثة الماضية بسبب الخلاف بين البلدين، وهو ما حمل الاقتصاد التركي الكثير من الخسائر كما كشفته الإحصاءات التركية الرسمية بشأن نسب التضخم المرتفع، وانهيار العملة التركية (الليرة) لأدنى مستوياتها.
  4.  احترام تركيا على لسان المتحدث باسم رئاسة الجمهورية إبراهيم كالن، قرار المحكمة السعودية في قضية جمال خاشقجي التي كانت سببا في توتر علاقات البلدين، إذ ذكر في تصريحاته أن «تركيا تحترم قرار المحكمة السعودية بعد أن سعت بكل ما تملك من أدلة إلى كشف ملابسات الجريمة وتحقيق العدالة»، حيث ترى أنقرة أنه من غير المعقول أن تظل العلاقات التركية السعودية ومصالح البلدين رهينة هذه القضية، وهو ما يمثل تحولا مهما في السياسة التركية تجاه المملكة بعيدا عن سياسة التدخل التركي في الشؤون الداخلية للمملكة تحت مزاعم متابعة تطورات هذه القضية، وهي السياسة التي أثبت الواقع إخفاقها.
  5.  التغير في السياسة التركية حيال دول الخليج ومصر خلال الآونة الأخيرة، إذ شهد الواقع تحولا إيجابيا في سياسات تركيا مع دولتي الخليج التي اصطفت مع المملكة في مواقفها الرافضة للتدخلات التركية وهما: الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين، حيث شهدت علاقات الجانبين تقاربا ملحوظا على المستويات كافة، خاصة العلاقات التركية الإماراتية، الأمر الذي عزز من الرؤية السعودية في استجابتها للمبادرات التركية الهادفة إلى عودة علاقاتها مع المملكة، إذ تتفهم المملكة جيدا أهمية مكانتها ودورها في تعزيز مسيرة التعاون الخليجي، فإذا كانت تركيا ظلت محتفظة بعلاقات جيدة مع كل من قطر والكويت وسلطنة عمان، ودخلت اليوم في علاقات تعاون مع الإمارات والبحرين، فإن المملكة بحكم مكانتها لم تتخل يوما عن تأييد ركب مسيرة التعاون الخليجي، سعيا من جانبها إلى رأب الصدع بين دول المنظومة الخليجية حفاظا على استمرارها في خضم ما تواجهه من أزمات. ولذا، يمكن قراءة بدايات التحول في المواقف السعودية تجاه الدعوات التركية، دعما لخطوات التحسن التي بدأ يشهدها مسار العلاقات التركية الخليجية من ناحية، والتركية المصرية من ناحية أخرى.
الضغوطات الدولية لم تثنِ تركيا عن التدخل العسكري في شمال سوريا

 

ملفات وقضايا يجب معالجتها

في ضوء تلك الخطوات الملموسة التي أقدمت عليها أنقرة، وتماشيا مع نهج سياسة المملكة في التفاعل إيجابيا مع أي خطوات تُتخذ من جانب أطراف شهدت علاقاتهما توترا على غرار الموقف السعودي التفاوضي مع طهران في بغداد، ذلك التفاوض الهادف إلى إقرار الأمن والاستقرار في المنطقة بصفة عامة وفي الداخل العراقي على وجه الخصوص، يمكن القول إن الزيارة المرتقبة للرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى الرياض إنما تفتح أبوابا مهمة لصالح البلدين وشعبيهما، شريطة أن تعي تركيا أهمية تغيير نهجها من ناحية، والالتزام بتنفيذ ما سيتم الاتفاق عليه من ناحية أخرى، خاصة أن ثمة كثيرا من الملفات والقضايا تجب معالجتها وتسويتها، من أبزرها ملفان، هما:

1- الملف الأول يرتبط بالمصالح التركية، وهو ملف الحظر الذي تفرضه السعودية على المنتجات التركية، وقد ترك تأثيراته السلبية على الاقتصاد التركي الذي يواجه تحديات كبرى، إذ أظهرت بيانات رسمية صادرة عن الهيئة العامة للإحصاء السعودية في أواخر أغسطس (آب) الماضي بأن مشتريات السعودية من البضائع التركية لا تزال عند أدنى مستوياتها التاريخية، على الرغم من الجهود الأخيرة لإصلاح العلاقات المتوترة بين البلدين.

2 - الملف الثاني يرتبط بمصالح المملكة وشركائها في المنطقة، وهو ملف الأمن والاستقرار الذي تدعمه المملكة من أجل حماية المنطقة من صراعات داخلية وتدخلات خارجية كما هو الحال في التدخلات التركية المستمرة في بعض هذه الصراعات على غرار الموقف من الأزمة الليبية كونه الموقف الأكثر بروزا بشأن التدخل التركي الذي عطل مسيرة استعادة الاستقرار والأمن هناك، فضلا عن الملف العراقي الذي يراوح مكانه بسبب التدخلات التركية والإيرانية في خلط الأوراق وخلق النزاعات التي تعيق أي استحقاقات يشهدها العراق لإقرار السلم والأمن. ويرتبط بذات الملف ضرورة التزام تركي بعدم دعم التنظيمات المتطرفة والإرهابية والتي توظفهم أنقرة لتنفيذ أجندة سياستها في المنطقة.

نهاية القول إن تركيا تشهد منذ عامين ماضيين تحولات عدة وتغييرات كثيرة في سياستها الخارجية، محاولة أن تعود إلى مبدأ صفر أزمات ومشكلات مع جوارها، بعدما عانت من تأثيرات انتهت بفرض حالة من العزلة الإقليمية، وهو ما دفعها إلى محاولة القفز على الخلافات التي تسببت فيها سياساتها خاصة في منطقة الشرق الأوسط والتي أدت إلى انقلاب سياساتها من «صفر مشكلات مع دول الجوار» إلى التدخل المباشر في شؤون دول المنطقة والتوجه التوسعي عبر التموضع عسكريا في سوريا وليبيا وتوسيع الوجود العسكري القائم في شمالي العراق، فضلا عن استعداء القوى الإقليمية الكبرى. ولكن بعد أزمات طاحنة خاصة على الصعيد الاقتصادي، وفي ظل تغيرات سياسية دولية تبلورت بشكل خاص مع قدوم الإدارة الأميركية الجديدة التي تتبنى مواقف متشددة تجاه نظام الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، تسعى أنقرة إلى لملمة الأوراق المبعثرة في علاقاتها مع دول المنطقة العربية، كما ورد ذلك صراحة على لسان الرئيس التركي رجب إردوغان بقوله: «ليست لدينا تحيزات خفية أو معلنة، أو عداوات وحسابات غامضة ضد أي أحد. وبكل صدق ومودة، ندعو الجميع للعمل معا من أجل بناء مرحلة جديدة في إطار الاستقرار والأمان والعدل والاحترام». ولكن رغم كل هذه التحولات التي تشهدها السياسة التركية وإن ظلت أغلبها على مستوى التصريحات، تستوجب أن يكون ثمة حذر شديد حيال التعامل مع هذه التصريحات التي تحاول تركيا أن تبعث من خلالها رسائل طمأنة، إذ يظل الأمر مرهونا بالبدء في اتخاذ إجراءات بناء الثقة عبر خطوات جادة لتحقيق التقارب بمشاريع مفيدة لكل الأطراف وفي مقدمتها تسوية الكثير من الملفات المتشابكة وحسم الكثير من القضايا المتنازع حولها.

 

 

 


مقالات ذات صلة