التنظيمات الإسلامية المتطرفة... شذاذ آفاق وبنادق للإيجار وارتزاق

بدأت تتضح تدريجيا ملامح بعض الأسباب الكامنة وراء قرار واشنطن وحلفائها في حلف الشمال الأطلسي سحب قواتهم من أفغانستان والسماح لحركة طالبان باستعادة السلطة منفردة دون مقاومة من القوى المحلية ومن قوات التحالف الدولي، التي اكتفت بتأمين خروج أفرادها وبعض الأفغان الذين تعاونوا معها.

لم يكن القرار نتيجة هزيمة عسكرية مدوية، أو بسبب فشل بناء مؤسسات دولة مدنية ناجحة، وإقرار حياة سياسية تعددية. كان هدف القرار المعلن هو الحد من النفقات العسكرية الضخمة، وإعادة انتشار القوات الأميركية في مناطق جديدة تراها واشنطن مصدر تهديد جدي لمصالحها ولريادتها العالمية. ولكن جرى توظيفه أيضا لتضمينه رسالة سياسية حول رؤية أميركا لمستقبل بعض قضايا الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ومفاد هذه الرسالة الموجهة إلى كل أنظمة المنطقة وكافة القوى الدولية والإقليمية المهتمة بها هو أن واشنطن ليست في وارد التخلي عن استخدام ورقة الإسلام السياسي في علاقاتها مع دول المنطقة، وكأداة من بين أدوات تأمين مصالحها الكبرى، وضمان استمرار نفوذها المهيمن هناك، وأنها قادرة على تفعيل هذه الورقة وتحريكها متى تطلب الأمر ذلك، وبالأسلوب الذي تعتقده مناسبا. فها هي تسهل عودة طالبان إلى السلطة في أفغانستان لما تحمله هذه العودة من إمكانية إثارة قلق وتوتر لدول كثيرة، ولما تمثله طالبان كنموذج ملهم لعدد من التنظيمات المتطرفة في المنطقة.

لقد أعطت واشنطن الانطباع بأنها تقبلت المصير الذي آلت إليه الصيغ الإخوانية المختلفة للإسلام السياسي سواء من خلال هزائم انتخابية وقرارات قانونية في البلدان التي تتيح لها إمكانية النشاط بصورة علنية، أو من خلال تلقي ضربات أمنية قوية من طرف سلطات بعض الدول التي لم تخف سعيها إلى اجتثاث ظاهرة الإخوان عبر تفكيك خلاياها السرية، وتجفيف منابعها المالية، وإعادة تأهيل نسبي لمناطق عشوائية كانت حاضنة لتفريخ أتباع جدد لها.

ولكن تعبيد الطريق لطالبان والتغاضي عما اقترفته من جرائم أكد على أن السلطات الأميركية لم تصرف النظر كلية عن رغبتها في استمرار اللعب بورقة التيارات السياسية المتدثرة بالدين. ويعود السبب في ذلك إلى قناعة واشنطن بعدم وجود أي بديل سياسي آخر منظم يمكن استغلاله لإبقاء جذوة التوتر متقدة في عموم المنطقة، ولإزعاج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية العميقة المتحكمة في السلطة في عدد من البلدان، والتي عارضت الرغبة الأميركية في ضرورة التمييز بين التنظيمات المتسمة بنوع من الاعتدال في سلوكها، وتلك التي تعتمد العنف والإرهاب وسيلة لبلوغ أهدافها.

في ضوء ما سبق لا يبدو مستغربا ما يلاحظ من تراجع رهيب للتنظيمات السياسية الإسلامية التي أسميها المنزوعة الدسم «Light» مقابل تصاعد أدوار التنظيمات والميليشيات المسلحة السنية منها والشيعية الناشطة محليا في حدود دولة واحدة متحدية وأحيانا محاربة لسلطات تلك الدولة، أو على الصعيد الإقليمي ضمن تحالفات بنفس طائفي مكشوف. واللافت للانتباه أن معظم هذه التنظيمات كثفت مؤخرا تحركاتها رافعة سقف تحدياتها بعد أن اعتبرت التغاضي الأميركي عن طالبان ضوءا أخضر يمكن استغلاله لتوسيع نفوذها، كما يستشف من الحالات التالية:

* حركة أنصار الله الحوثية، التي مباشرة بعد أن رفعتها إدارة الرئيس بايدن من قائمة الحركات الإرهابية ازدادت شراسة وعنفا كما اتضح في محاصرتها لمدينة مأرب، وتماديها في قصف مناطق مدنية داخل السعودية، بدلا من أن تجنح للتفاوض مع السلطات اليمنية الشرعية وفق القرارات الدولية والمبادرة الخليجية.

* الحشد الشعبي الذي باركت واشنطن تأسيسه لمحاربة مقاتلي داعش، ثم زكت اعتباره مؤسسة حكومية شرعية في العراق، بعد أن كانت قد تعاونت مع أعضائه بتأمين غطاء جوي لهم خلال مواجهة فلول داعش. ولا شك أن واشنطن تعمدت مهاجمة ثكنات هذا الحشد قبل مدة على الحدود السورية لتعطيه مصداقية يمكنها تأجيج الحزازات المذهبية، خاصة أن الحشد لا ينفي نفسه الطائفي، وأطماعه في التوسع داخل محافظات السنة.

* تنظيم الشباب الإسلامي في الصومال، الذي استفاد من سحب القوات الأميركية من الصومال في عهد الرئيس ترامب، ومن المماطلة الحاصلة حاليا في خطوات تأسيس جيش صومالي موحد ليقوم بمد نفوذه في كامل وسط وجنوب الصومال، متحديا السلطة المركزية في مقديشيو، ولتنفيذ عمليات إرهابية في دول مجاورة مثل كينيا حيث استطاع استقطاب مواطنين كينيين وأوغنديين إلى صفوفه، منذرا بتوسيع دائرة عدم الاستقرار في عموم شرق أفريقيا. ويبدو أن ذلك هو المطلوب منه.

* داعش، التي قيل إنها اندحرت بعد طردها من الموصل عاصمة خلافتها المزعومة سنة 2017. وها هي تعود مجددا في شكل خلايا إرهابية متحركة، تقول تقديرات الاستخبارات الغربية أن عدد مجنديها تجاوز مؤخرا 27 ألف مقاتل، وبأسلوب حرب عصابات موجعة في العراق وسوريا منطلقة من مناطق قريبة من قاعدة التنف السورية حيث تتمركز القوات الأميركية، مما يدفع إلى الاعتقاد بأن تحريكها جاء لكبح تصاعد المطالب بسحب تلك القوات من العراق، ولمنع تمدد القوات السورية النظامية شرق نهر الفرات.

إن عودة طالبان، التي اعتبرت مظفرة، ألهمت تيارات متطرفة أخرى لا شك أنها لن تتردد في الإتيان بأعمال إرهاب وترويع إذا وجدت الظرف المناسب؛ الأمر الذي يؤكد مرة أخرى أننا أمام جماعات شذاذ آفاق وبنادق جاهزة للإيجار وارتزاق لا يمكن اعتبارها ممثلة للدين الإسلامي الحنيف. ولكن سيكون نوعا من السذاجة وهروبا إلى الأمام إنكار أنها نبتة أينعت في تربتنا، وأتباعها نتاج ضحالة منظومة تعليمنا وبؤس ثقافتنا، ورد فعل لكل الموبقات المستشرية في مجتمعاتنا.