التعارض بين الخصوصية والرأسمالية

في عصر ما بعد الحداثة نواجه مجموعة من التحديات التي تختلف عما كنا نواجهه في الماضي. كما يقول إريك إريكسون، في الماضي كان الناس يعانون من محدودية ما يعرفونه عما يمكن أن يصبحوا عليه. ولكن في العصر الحديث، بسبب الاختيارات اللانهائية التي لدينا، يعاني الناس من أجل اتخاذ القرار بشأن ما يفعلونه ويعتقدونه. قدمت لنا عملية الفردانية مئات الاختيارات. كما جلبت لنا معها تلالا من الضغوط والشكوك والقلق. كانت تلك هي العقلية التي استدعت شبكة الإنترنت وليس الابتكار. وجهنا هذا العبء الذي تمثله الحداثة إلى تمكين سبل غنية بالمعرفة نجدها في التقنية الرقمية، مما سمح لنا، كما تقول شوشانا زوبوف، بتضخيم أصواتنا وتصميم أنماط تواصل من اختيارنا، ليصبح كل منا مؤلفا لحياته. بيد أن صعود الرأسمالية المبتذلة (النيوليبرالية) حوَّل عالم الإنترنت إلى سلعة تجارية.

استخدمت الدكتورة زوبوف مصطلح رأسمالية المراقبة لوصف الطابع التجاري للشبكة العنكبوتية. وعرَفتها بأنها نظام اقتصادي جديد يدعي أن التجربة البشرية مادة خام مجانية لممارسات تجارية خفية تتعلق باستخلاص البيانات والمنتجات والمبيعات. فكلما أدمجنا التكنولوجيا في حياتنا، تم استخلاص مزيد من المعلومات عنَا. وفي وجود هذا الحجم الهائل من البيانات، تستخدم شركات التكنولوجيا تعليم الآلة لكي تتوقع سلوك مستخدميها. ثم تستخدم هذه التوقعات من أجل بث إعلانات موجهة تضمن تحقيق نتائج وسيطرة على أذهان مستخدميها. تخيل عدد وأنواع البيانات التي نقدمها لشركات التكنولوجيا يومياً. بداية من الهاتف الذي يعرف ملامح وجهك وموقعك طول الوقت وحتى نفقاتك ومحركات البحث وتطبيقات التواصل الاجتماعي التي تعرف كيف تشعر وماذا تفعل وتشاهد وتعرف معدل نبض قلبك. تخيل ما يمكنها أن تفعله بهذا الكم الهائل من البيانات وكيف يمكنها التأثير على الأفراد لشراء منتجات عن طريق وضع إعلانات في أطر معينة.

شهدنا حجم قوة هذه التكنولوجيا في حادثين وقعا في السنوات الأخيرة. كانت الأولى في فضيحة كمبريدج أناليتكا التي كشفت عن استغلال بيانات «فيسبوك» من أجل التأثير على نتائج الانتخابات. فقد وضعت الشركة نماذج لاستغلال مخاوف الناس عن طريق إمطارهم بإعلانات موجهة ونوافذ منبثقة. استخدمت هذه التقنيات في التأثير على الرأي العام، ونجحت في حملتين رئيسيتين: البريكست وانتخاب ترامب. وعلى الرغم من أن الشركة أوقفت نشاطها عام 2018. فإن ذلك لا يعني انتهاء عصر التعديل السلوكي. المثال الثاني هو لعبة «بوكيمون غو»التي جعلت الناس يركضون في أنحاء المدينة في محاولة البحث عن البوكيمون. واستخدمت لجذب الناس إلى محلات ماكدونالدز وستارباكس وغيرها من الرعاة.

وعلى عكس ما قد يقوله البعض، لسنا المنتج بل الإعلانات الموجهة التي تؤثر على كيفية تفكيرنا وتصرفنا. نحن مجرد مادة خام لمثل هذه الأداة، التي أعطيناها موافقة طواعية بقبول اتفاق شروط الخدمة الذي يشير الباحثون إلى أنه بالغ الطول والتعقيد عن عمد. في عام 2008، تبين أن قراءة الاتفاق سيستغرق 76 يوما كاملا على مدار 24 ساعة وهو أمر عبثي تماماً. نحن في عصر غير مسبوق يتطلب قوانين مبتكرة تضع حدا لكيف وإلى أي مدى يمكن أن تستخدم تكنولوجيا المعلومات بياناتنا.