عون فشل في «لمّ الشمل الوطني»... الجميع رفض الجلوس إلى طاولته

الأحزاب السياسية: لا جدوى لأي حوار على أبواب الانتخابات
حوار سابق بدعوة من عون جمع رؤساء الأحزاب اللبنانية.

بيروت: كان رئيس الجمهورية ميشال عون يعلم منذ اللحظات الأولى لولادة فكرة الدعوة إلى «حوار وطني عاجل» في قصر بعبدا أن تلك الفكرة ولدت ميتّة، وكان الأجدى أن لا تولد أساساً. فلبنان يدور في حلقة مفرغة منذ الأحداث التي رافقت انطلاقة ثورة 17 تشرين وما قبلها، حتى «لا نقلّب المواجع» وسط شلل أصاب المؤسسات كافّة. فكيف يمكن لطاولة حوار، في الربع الأخير من عهد رئيس الجمهورية وقبل خمسة أشهر من الانتخابات النيابية أن تعيد «الأوكسجين» إلى جسد أنهكته «حبّات المسكّن»؟


وعلى وقع ما يعاني منه لبنان من مآس، حدّد رئيس الجمهورية، في خطاب عبر الشاشة وجّهه إلى اللبنانيين، جدول أعمال «الحوار الوطني» الذي دعا إليه، بثلاثة بنود، هي: اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة، والاستراتيجية الدفاعية لحماية لبنان وخطة التعافي المالي والاقتصادي بما فيها الإصلاحات اللازمة والتوزيع العادل للخسائر، ولمّ يسم الأمور بتسمياتها.


إلا أن القوى السياسية اللبنانية على اختلافها والتي تعدّ العدّة لخوض الانتخابات النيابية في مايو (أيار) المقبل، تنتظر انتهاء ولاية عون الرئاسية، وهي لم تتعامل أساسا بجدية مع دعوته للحوار على قاعدة «الضرب في الميت حرام»، حيث أعلنت بعض القوى مقاطعتها، وأخرى مشاركتها مع «رشّة» الشعارات المعتادة وحتى «النكهة» ذاتها.


وبعد يومين من المشاورات في قصر بعبدا حول إمكانية انعقاد الحوار، رجّحت مصادر متابعة أن رئيس الجمهورية ميشال عون قد يتراجع عن الدعوة، فالانطباع الأولي الذي بدأ بعد الدعوة التي وجهّها عون لم يترك هامشاً كبيراً لتوقّع نتائج غير تلك، إلاً أن عون أكد أنّه ماضٍ في دعوته للحوار، داعياً المقاطعين إلى وقف المكابرة.

وفي بيان صادر عن مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية، حمّل عون من رفض الحوار مسؤولية ما يترتب على استمرار التعطيل الشامل للسلطات، مؤكداً أنّ دعوته ستبقى مفتوحة، آملاً أن يتحلّى الجميع بالمسؤولية لإنقاذ لبنان، على حدّ قوله.


أمّا اللبنانيون، المرشوقون بزخّات الأمل التي زيّنت طاولات الحوار سابقاً، والذين حفظوا عن ظهر قلب شعارات المشاركين التي ظلت حبرا على ورق، بات قسم كبير منهم يفضل الهجرة بعيدا عن الذين سرقوا لقمة عيشهم وحصدوا أعمارهم، ولم يعودوا تواقين حتى لتغيير شامل «يحيي العظام وهي رميم»، هذا إن سلّمنا جدلا أن الانتخابات ستحصل أصلاً!

بجلسة أو اثنتين لن تستطيع التقدّم


وفي هذا الشأن، أكد عضو «اللقاء الديمقراطي» النائب بلال عبد الله في حديث لـ«المجلة» أن «كل القوى السياسية مع الحوار ونحن من دعاة الحوار والتسويات وقمنا بالكثير من المبادرات في هذا الاتجاه ولكن في الوقت الحاضر على مشارف الانتخابات النيابية ومع العناوين الكبرى التي طرحت، الأهم أن نعمل جميعا للإسراع بإعادة تفعيل عمل الحكومة لأن الملفات المطروحة أمام الحكومة هي الأولوية».


وعن العناوين الثلاثة التي طرحها الرئيس ميشال عون للحوار، قال عبد الله: «أولاً، كان يجب طرح موضوع الاستراتيجية الدفاعية في بداية ولايته وليس في نهايتها فليس من السهل في الوقت الحاضر فتح هكذا ملف، لارتباطه بدور حزب الله الإقليمي، وهذا الدور مرتبط بما يسمّى محور الممانعة، سيّما على إيقاع المحادثات الدولية والإقليمية القائمة في فيينا».


وأضاف: «أعتقد أن إعلان بعبدا الصادر عن طاولة الحوار التي شكلها الرئيس السابق ميشال سليمان كان واضحا، حيث دعا لحوار بهذا الخصوص وتم التملص منه مباشرة، فلا أعتقد بجلسة أو اثنتين نستطيع التقدم في هذا الملف».


وتابع: «العنوان الثاني والذي اعتبره شائكا أكثر، وهو اللامركزية المالية الموسعة واستنساب بعض ما ورد في اتفاق ودستور الطائف لاستخدامه لشعارات شعبويّة وربما انتخابية تدغدغ مشاعر الكثيرين وهذا الموضوع بعهدة المجلس النيابي في إطار لجنة فرعية قطعت شوطا بدراسة بعض المسائل وتوقفت عند الموضوع المالي وكيفية توزيع الأموال المركزية وكيفية الجباية»، مشيرا إلى أن «اتفاق الطائف لم يقارب المالية الموسعة بأي شكل، وهو ملف معقّد مرتبط بتنفيذ الكثير من البنود في اتفاق الطائف بدءا من قانون انتخاب على أساس المحافظة والنسبية وليس القانون الحالي الطائفي المذهبي الغرائزي، وإلغاء الطائفية السياسية وإنشاء مجلس الشيوخ، فلا نستطيع أن نستنسب بندا واحدا للتنفيذ».


وأردف: «العنوان الثالث وهو خطة التعافي، وهي مهمّة مباشرة للحكومة ولا علاقة للحوار بهكذا ملف تقني تنفيذي بين الوزارات المعنية»، مشددا على أن «الأحرى تفعيل الحكومة».


إلى ذلك، اعتبر عضو «اللقاء الديمقراطي» أنّ «اعتراض الناس وتحرّك الشارع مبرّر، فالغلاء الفاحش والأزمة الصحية وتحديدا أزمة الأدوية والمستشفيات وارتفاع الدولار المتسارع وكذلك المحروقات وغيرها، كلّها أزمات متراكمة والناس حتما ستعبّر عن غضبها وعن اعتراضها».


كما شدّد عبد الله على أنّ «الانتخابات النيابية هي شرط أساسي لكل الخارج بغض النظر عن النيّة الحقيقية لهذا الخارج لمساعدة لبنان، فهي مطلب لكل المؤسسات الدولية والدول التي قد تكون مقرضة أو مانحة».


وقال: «الانتخابات ضرورة وطنية واستحقاق دستوري لا يجب بأي شكل من الأشكال العمل على تأخيره أو اللجوء إلى تمديدات مرفوضة منّا ومن الكثير من القوى فهي مطلب داخلي، وبعد 17 تشرين هناك رأي عام موجود مهما اختلفنا حول تسميته يعتبر أن هناك شك في السلطات الدستورية الحالية. وفي الوقت الحاضر القوى السياسية الموجودة في السلطة أو خارجها مطلوب أن تثبّت شرعيتها من خلال هذا الاستحقاق فالانتخابات هي تجديد وكالة لمن كان في السلطة وإعطاء وكالة لمن كان خارج السلطة للتغيير».

القوات ترفض المشاركة
من جهته، تساءل عضو تكتل «الجمهورية القوية» النائب جورج عقيص، في حديث لـ«المجلة»: «أليس مستغربا أن تتم الدعوة إلى الحوار في وقت مجلس الوزراء غير قادر على عقد جلسة؟».


وقال: «الناس تموت جوعا والبعض يتلهى بتسجيل النقاط»، لافتا إلى أنّ «أغلب من وافق على الدعوة إلى الحوار هم أنفسهم من يعطلون المؤسسات الدستورية».


وختم: «لن نشارك في أي جلسة للحوار قبل الانتخابات، لأنه في ظل هذه الأكثرية لن ينفذ أي قرار يصدر عن جلسة الحوار إذا لم توافق عليه هذه الأكثرية».

انعقاد طاولة الحوار وسعر صرف الدولار


وحول إمكانيّة تأثير انعقاد طاولة الحوار على سعر صرف الدولار في السوق السوداء، قال الخبير الاقتصادي باتريك مارديني لـ«المجلة»: «في بلد مثل لبنان يعاني من مشاكل وخضّات سياسية كبيرة، فالحكومة لا تجتمع والخلافات مع الدول العربية في ذروتها هذا عدا الحدث الأمني الأخير الذي شهدناه في الطيونة، هناك أفرقاء ستقاطع وأخرى ستشارك فهذا الاجتماع يعتبره البعض تبريرا لعدم انعقاد مجلس الوزراء مما يؤثر سلبا على الاقتصاد اللبناني والليرة مما يصعّب الوصول إلى اتقاق مع صندوق النقد الدولي».


وأضاف: «نحن في بلد يعاني من عدم استقرار سياسي واجتماعي وأمني واعتماد نظام صرف عائم هي فكرة سيئة فمع كل خضّة سياسية يرتفع سعر صرف الدولار في السوق السوداء والعملة الوطنية هي الضحيّة، لافتا إلى أنّه «يجب اعتماد أو إنشاء مجلس نقد فلا يتعثّر سعر الصرف ولا تتأذى الأعمال في لبنان ولا حتى القطاعات الإنتاجية ونوقف بذلك الانهيار الاقتصادي، بمعنى آخر نظام نقدي لا يتأثر بالخضّات السياسية».


علما بأن السؤال الذي راود كثيرين «لماذا تذكر عون طاولة الحوار الآن»، سيبقى مطروحاً، المسألة لا تحتمل لا التعمّق ولا الرؤية، لا ترانا اليوم في حاجة إلى طاولة حوار كتلك التي دعا إليها، بل إلى «قلب الطاولة» على سلطة فساد وقهرٍ وسرقة ونهب أوصلت البلد إلى ما أوصلته إليه.