إيران والتوجه شرقا... محاولة للفرار من الفوضى

بين طهران وموسكو وبكين مصالح مشتركة وعلاقات متأزمة مع الغرب
رئيسي في موسكو نقطة تحوّل في العلاقات الايرانية - الروسية

باكو: في عالم يموج بالتحولات والتغيرات بين دوله، تتعدد بوصلات التحركات وتتنوع مسارات التوجهات، وتتباين حسابات الخطوات، وتتقاطع مصالح الحلفاء، وتتصاعد مطالب الأصدقاء، ليصبح الغموض هو سيد الموقف وسمة المشهد عالميا وإقليميا. وإذا كان ما سبق يصف الأوضاع الراهنة في كثير من أقاليم العالم الجغرافية، فإنه ينطبق بصورة جلية على منطقة الشرق الأوسط التي كانت ولا تزال ساحة لتصفية الحسابات وحصد المكافآت إذا ما نجح الفاعل الإقليمي في إدارة ملفات علاقاته سواء في جواره الجغرافي المباشر أو على مستوى الساحة العالمية، وهو ما ينطبق على إيران التي تعيش لحظات حاسمة ومحطات فاصلة في مسيرتها السياسية والتنموية.

صحيح أنها على مدار الفترة الماضية وتحديدا خلال العقد الأخير منذ أن دخلت المنطقة العربية في فوضى ما عرف بالربيع العربي، إذ استغلت طهران انشغالات دولها وصراعات أطرافها في إيجاد موطئ قدم لها في أربع من هذه الدول (العراق- سوريا- اليمن- لبنان)، وذلك عبر أذرع تابعة نجحت في تشكيلها وتغذيتها وتقويتها لتصبح بمثابة يدها الطولى في تشكيل أوضاع المنطقة وتحديد مسارات مستقبلها. إلا أنه من الصحيح أيضا أن طهران لم تسلم هي الأخرى من تداعيات مثل تلك الأحداث، بل يذكر التاريخ أنها شهدت جولة من هذه الأحداث فيما عرف بالثورة الخضراء عامي 2008- 2009 حينما خرج الشباب الإيراني رافضا ما شهدته الانتخابات الرئاسية حينذاك، إلا أن قوة القبضة الأمنية للدولة الإيرانية نجحت في إخمادها والقضاء عليها، ولكن النار ظلت تحت الرماد لتتجدد مع تردي الأوضاع الاقتصادية والمعيشية في الدولة الإيرانية لتشهد مظاهرات شعبية مطالبة الحكومات الإيرانية بتعديل سلوكها وإعادة النظر في سياستها بما يصب في مصلحة المواطن الإيراني من خلال وقف تدخلات الدولة الإيرانية في شؤون دول المنطقة. ولكن لم تنجح هذه المظاهرات في تحقيق مطالبها مع القبضة الحديدية للدولة الإيرانية تجاه شعبها من ناحية، ومحاولات إشعال فتيل النيران في جوارها الجغرافي لإشغال الرأي العام الإيراني بحجة التهديدات الخارجية من ناحية أخرى. ولم يقتصر الأمر على ذلك فحسب، بل جاءت أزمة جائحة كوفيد-19 لتسكب مزيدا من الزيت على النار المشتعل لتزداد توهجا في الداخل الإيراني، ساعد على ذلك ما أقدمت عليه الولايات المتحدة من فرض المزيد من العقوبات على طهران بسبب برنامجها النووي، بما حملها مزيدا من الأعباء التي أثقلت كاهل المواطن الإيراني.

في خضم كل ذلك، وسعيا من طهران لتخفيف وطأة الأحداث ومواجهة التحديات المتزايدة، رأت طهران أن التوجه شرقا هو المنقذ من الفوضى التي تنتظرها إذا ما أخفقت في إدارة ملف أزماتها الداخلية والخارجية، فاتجهت صوب كل من الصين وروسيا مستفيدة في ذلك من تشابه واقع علاقاتهم مع الغرب والولايات المتحدة، إذ تعاني البلدان الثلاثة من عقوبات أميركية مفروضة على اقتصاداتها من ناحية، كما تتشابك مصالحها المشتركة سواء على المستوى الثنائي أو الثلاثي من ناحية أخرى.

 

لقاء الرئيسين الروسي والإيراني فلاديمير بوتين، وإبراهيم رئيسي في العاصمة الروسية موسكو الأربعاء 19 يناير 2022.

 

إيران ومسار علاقاتها الصينية والروسية

في ضوء ما سبق، يمكن القول إن التوجه الإيراني صوب الطرفين (الصيني والروسي) يحمل دلالات بعضها يتعلق بالتاريخ وأحداثه، وبعضها الآخر يتعلق بالحاضر وأزماته والمستقبل وتحدياته، إذ حاولت طهران نسج علاقاتها مع الطرفين برابط واحد يجمعهم في مواجهة أزمتها مع جوارها الجغرافي من جانب، ومع الغرب والولايات المتحدة من جانب آخر.

ولذا، شهدت بدايات العام الجديد (2022) تحركات إيرانية هدفت إلى تأكيد طبيعة توجهها صوب الشرق كمحاولة أخيرة لمواجهة ضغوطات الغرب وتهديداته، فقد شهد شهر يناير (كانون الثاني) الجاري (2022) حدثين مهمين في مسار علاقات طهران بكل من بكين وموسكو، وهو ما يمكن رصده في مشهدين:

الأول: على مستوى العلاقات الإيرانية الصينية، شهد النصف الأول من يناير (كانون الثاني) الجاري زيارة وزير الخارجية الإيراني حسين عبد اللهيان إلى بكين للإعلان عن بدء تنفيذ اتفاقية الشراكة الاستراتيجية الموقعة بين البلدين في مارس (آذار) الماضي (2021)، والتي يتم بمقتضاها تقديم الصين لاستثمارات وخدمات اقتصادية وأمنية إلى إيران بقيمة 400 مليار دولار وذلك على مدى 25 عاماً، في مقابل إمدادات ثابتة من النفط الإيراني للاقتصاد الصيني. ويفصل برنامج التعاون الاستثمارات الصينية في عشرات المجالات، بما في ذلك المصارف والاتصالات والموانئ والسكك الحديدية والرعاية الصحية وتكنولوجيا المعلومات.

وغني عن القول إن الاتفاق الإيراني الصيني من شأنه أن يشهد تعزيزا لموقف الطرفين، إذ إنه في الوقت الذي يسمح فيه الاتفاق للصين باستخدام موارد إيران الطبيعية في دعم نموها الاقتصادي، وهو ما يدفعها للاهتمام بهذا الأمر بالنظر إلى احتياجاتها المتنامية للنفط الخام، فضلا عن حاجاتها للسوق الإيرانية بما يعزز بناء شراكة تجارية طويلة الأجل بينهما، مستفيدة في ذات الوقت من الموقع الجيواستراتيجي لطهران ليُكسب بكين خطوطا جديدة (طرق، موانئ، سكك حديد) لمشروع تطوير البنية التحتية العابر لبلدان أوراسيا ضمن مبادراتها العالمية الحزام والطريق. في الوقت ذاته، يلبي الاتفاق حاجة إيران الماسة إلى الاستثمار الأجنبي في مشاريع الطاقة والبنية التحتية التي تتراوح تقديراتها بين (150-250) مليار دولار في السنوات المقبلة. كما من شأنه كذلك أن يدعم طهران في مفاوضاتها مع الغرب خاصة في ظل الموقف الصيني الداعم لإيران كما عبر عن ذلك وزير الخارجية الصيني خلال اجتماع عقد في إقليم جيانجسو على هامش زيارة الوزير الإيراني، بقوله: «تعارض الصين بشدة العقوبات الأحادية، غير القانونية، ضد إيران، واستخدام قضايا حقوق الإنسان وقضايا أخرى ذريعة للتلاعب السياسي، كما تعارض التدخل السافر في الشؤون الداخلية الإيرانية، والدول الإقليمية الأخرى».

ثانيا: على مستوى العلاقات الإيرانية الروسية، استقبلت موسكو في التاسع عشر من يناير الجاري (2022) الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي تلبية لدعوة من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حيث تعد هذه الزيارة إلى موسكو الأولى من نوعها للرئيس الإيراني منذ انتخابه في أغسطس (آب) الماضي (2021). وقد حملت هذه الزيارة أبعادا عديدة للتعاون بين البلدين كما صرح بذلك المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية سعيد خطيب زاده، قبيل الزيارة مباشرة بقوله: «إن هذه الزيارة تأتي في إطار التعاون بين إيران وروسيا وتتضمن أبعادا تجارية واقتصادية ومحادثات ثنائية وإقليمية ودولية... العلاقات الإيرانية الروسية وثيقة ومبنية على أساس حسن الجوار والتناغم الذي تبلور في مختلف الإجراءات والرؤى مثلما نراه في فيينا وفي آستانا»، مضيفا في السياق ذاته دعوته إلى: «الوصول لعقد استراتيجي مشترك مع روسيا شبيه بعقدنا الاستراتيجي مع الصين»، وهو ما عبر عنه الرئيس الإيراني خلال زيارته حينما صرح بأن: «طهران تريد تطوير علاقات مع موسكو لا تكون مؤقتة بل دائمة واستراتيجية»، معللا ذلك بأن: «الظروف الحالية الاستثنائية تتطلب تعاونا كبيرا بين بلدينا ضد الأحادية الأميركية»، حيث يذكر أن الرئيس الإيراني قدم إلى موسكو- كما نشرت وسائل الإعلام- مسودات وثائق بشأن التعاون الاستراتيجي من شأنها تعزيز التعاون المشترك على مدى العقدين المقبلين.

ولكن رغم هذه الدعوة الإيرانية، بل ورغم ارتباط موسكو وطهران بعلاقات سياسية واقتصادية وعسكرية قوية ومصالح مشتركة في كثير من القضايا والملفات، على رأسها الدعم الروسي لمواقف إيران في مفاوضات فيينا ومناداتها برفع العقوبات عنها، وتعاونهما المشترك في الحرب المستمرة منذ عشر سنوات في سوريا، فضلا عن دورها أيضا في دعم عضوية طهران في منظمة شنغهاي للتعاون، وهو ما أكد عليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بقوله: «ثمة تعاون بشكل وثيق جدا على الصعيد الدولي، ناهيك عن أن جهودنا ساعدت بدرجة كبيرة الحكومة السورية في تجاوز التهديدات المرتبطة بالإرهاب الدولي»، معربا في الوقت ذاته عن رغبته في «الاطلاع على مواقف إيران بشأن مستجدات الوضع في أفغانستان وحول الاتفاق النووي المبرم بين طهران والقوى الكبرى».

إلا أن البلدين لم يوقعا اتفاق التعاون الاستراتيجي على غرار ما وقعته طهران مع بكين، إذ اقتصر الحديث خلال العقود السابقة بل وحتى في خلال تلك الزيارة على صفقات للسلاح واتفاقات للتبادل التجاري وتفاهمات للأمن والاستقرار في المنطقة، وهو ما برز جليا من خلال تصريحات المسؤولين الروس، إذ أشار الرئيس فلاديمير بوتين إلى ذلك بقوله: «إن إيران وروسيا ينفذان مشاريع مشتركة كبرى، وأن حجم التبادل التجاري بين البلدين سجل نموا العام الماضي 2021 بنسبة تتجاوز 38 في المائة»، بل مما يزيد الأمر وضوحا في علاقات طهران وموسكو، أنه رغم تعددية صفقات السلاح بين البلدين إلا أنها لم ترق إلى مستوى الأسلحة الاستراتيجية، التي ظلت بعيدة عن مثل هذه الصفقات، ولعل ما حدث عام 2010 برفض موسكو بيع منظومة إس-300 لإيران. وكذلك رفضها بعد تسعة أعوام طلبا إيرانيا آخر لشراء منظومة إس-400. صحيح أن موسكو تجد في كثير من الأحيان أعذارا عديدة للرفض، إلا أن الواقع يؤكد على موقف روسي ثابت في التعامل مع طهران وسياستها الإقليمية والعالمية.

 

ظريف مع نظيره الصيني وانغ يي بعد مراسم توقيع وثيقة الشراكة «السياسية والاستراتيجية والاقتصادية لـ25 عاماً من التعاون بين إيران والصين» (إ.ب.أ)

 

روسيا والدعوة إلى مؤتمر إيراني عربي

لا يزال أمن الخليج يشغل حيزا مهما من اهتمام صانع القرار الروسي، ولعل المبادرة الروسية السابقة المتعلقة بأمن الخليج تؤكد على هذا الاهتمام، والذي امتد اليوم إلى المبادرة التي أطلقها وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، قبيل زيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي بأيام، تعليقا عليها بأن: «روسيا تسعى إلى عقد مؤتمر إيراني-عربي ستشمل أجندته القضايا الإقليمية الأكثر إلحاحا، ومنها النزاع اليمني وبرنامج طهران الصاروخي»، مؤكدا في ذات التصريحات على أن: «روسيا لم تتوقف أبدا عن العمل على تطبيق مفهومها الخاص بالأمن الجماعي في منطقة الخليج، وأن موسكو وطهران، خلال التفاوض على استئناف الاتفاق النووي، أقرتا بوجود طيف أوسع من القضايا تستدعي قلق الأطراف الإقليمية وزملائها خارج المنطقة».

ومن هذا المنطلق، جاءت المبادرة الروسية بتنظيم هذا المؤتمر المشترك لمناقشة الأمن في الخليج، وهو ما عبر عنه الوزير الروسي بقوله: «دعونا نناقش كل هذه القضايا ضمن إطار عقد مؤتمر بخصوص الأمن في الخليج وأوسع.. يجب أن يكون نطاقه أوسع الآن على الأرجح ويشمل ملفات مثل اليمن والعراق لأن كل هذه الأمور مرتبطة ببعضها البعض»، موضحا أن الهدف من هذا المؤتمر لن يكون إيران في حد ذاتها، بل أوضح أن كل طرف: «سيطرح على الطاولة مباعث القلق الخاصة به، منها الصواريخ التي لا تملكها إيران وحدها بل وتطورها دول عربية أيضا، بالإضافة إلى مباعث القلق المتعلقة بسوريا واليمن والعراق وغيرها من النزاعات الإقليمية».

والحقيقة أن هذه المبادرة الروسية رغم أنها تسير في الاتجاه ذاته الذي تتبناه المملكة العربية السعودية مع الإمارات بأهمية فتح مسار للحوار مع طهران من أجل ضمان استقرار المنطقة، إلا أن لب القضية في المواقف الإيرانية المتغيرة والمراوغة، حيث تحاول طهران اللعب على كل الأطراف وبكافة الوسائل، يدلل على ذلك أنه رغم المفاوضات الجارية بين المملكة العربية السعودية وإيران من جانب، وإيران والإمارات من جانب آخر، يمثل العدوان الحوثي المستمر تهديدا لأمن واستقرار المنطقة، وذلك بهجومه المتكرر على المملكة وهجومه الأخير على مصفاة النفط في الإمارات، فكيف يمكن أن تنجح مفاوضات التفاهم أو المؤتمر المشترك الذي تدعو إليه موسكو في ظل السياسة الإيرانية التي تمد يداً للتفاوض وأخرى تضعها على الزناد عبر وكلائها؟

ولذا، من غير المتوقع أن تشهد المبادرة الروسية لأمن الخليج المتمثلة في الدعوة لتنظيم مؤتمر مشترك بين الطرفين (إيران والدول الخليجية وجوارها) من غير المتوقع أن ترى النور، بل وإن نجحت موسكو في مجرد عقد مثل هذا المؤتمر، فلن تكون هناك نتائج يمكن التعويل عليها، بما يمكن معه القول إن المبادرة الروسية ولدت ميتة.

خلاصة القول إن التوجه الإيراني شرقا يظل نجاحه مرهونا بعوامل عدة، بعضها يعود إلى طبيعة المصالح المشتركة بين الأطراف الثلاثة من ناحية، وبعضها يعود إلى طبيعة المصالح المشتركة بين طهران وكل طرف من الطرفين من ناحية أخرى، وبعضها يعود إلى طبيعة العلاقة بين الطرفين (الصين وروسيا) من ناحية ثالثة. مع الأخذ في الحسبان الخلفيات التاريخية والأوضاع الراهنة والطموحات المستقبلية لكل منهم، إذ إنه في الوقت الذي تجمع الطرفين الإيراني والصيني وشائج تاريخية كما تشير الأدبيات المتصلة بالعلاقات الصينية- الإيرانية، فإن ثمة إرثا يمتد إلى أكثر من ألفي عام، وضع الأسس التاريخية للتواصل بين حضارتي الصين الداخلية وإيران العظمى، والتي تعود إلى القرن الثاني قبل الميلاد على أقل تقدير، حين امتلكت الإمبراطوريتان الفرثية والساسانية (اللتان احتلتا معظم ما هو اليوم إيران وآسيا الوسطى) صلاتٍ عديدة مع سلالات هان وتانغ وسونغ ويوان ومينغ. ولقرون من الزمن ارتبطت الحضارتان القديمتان في آسيا اقتصاديا وثقافيا بشكل أكبر عبر طريق الحرير، بل يُذكر أن الحضارتين اتحدتا لفترة وجيزة تحت حكم إمبراطورية المغول. ولم يختلف الأمر كثيرا خلال العصر الحديث الذي حمل أيضا تقاربا إيرانيا صينيا يرجع بتاريخه إلى أربعين عاما مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988)، إذ زادت التبادلات الدبلوماسية بين البلدين خلال فترة الحرب، من أبرزها زيارة رئيس البرلمان الإيراني هاشمي رفسنجاني إلى الصين عام 1985. فكانت جهود الصين الدبلوماسية في المنطقة واسعة، وقد اتضح ذلك حين أدت دور الوساطة لاستضافة وفود من العراق وإيران بهدف إنهاء الحرب، وكانت هذه الاستراتيجية مفيدة جدا للصين، فقد منحتها مصداقية كبرى وبصمة قوية في منطقة الخليج، مما سمح لها بتقوية وضعها السياسي والاقتصادي بهدوء. ولكن من الأهمية بمكان أن تفهم طهران أن الصين في توجهها نحو المنطقة لن تسير بعين واحدة، بل حرصت على تعميق تواجدها وتعزيز تعاونها مع دول المنطقة لتحقيق ذلك التوازن الذي يحافظ على مصالحها، وهو ما دفعها إلى إبرام اتفاقيات تعاون مماثلة مع كل من: العراق (تم التوقيع عليها في عام 2015) والمملكة العربية السعودية (تم التوقيع عليها في عام 2016) والإمارات العربية المتحدة (تم التوقيع عليها في عام 2018).

على الجانب الآخر، شهدت العلاقات الفارسية القيصرية توترات مستمرة تاريخيا، مثلت خلفية تاريخية شارحة لمسار العلاقات الروسية الإيرانية في عالم اليوم، إذ إنه رغم ما تحاول أن تثبته طهران بأن ثمة تفاهمات إيرانية روسية بشأن كثير من الملفات والقضايا، إلا أن الواقع وأحداثه تؤكد على وجود بون بين مواقف البلدين في كثير من ملفات المنطقة كما هو الحال في الملف السوري واليمني بل والخليجي أيضا. ولم يقتصر هذا التباين على العلاقات الروسية الإيرانية وإنما امتد أيضا إلى العلاقات الروسية الصينية، صحيح أن ثمة مساحة من التوافق حيال الموقف من الغرب إلا أن ثمة مساحات من التباين بشأن كثير من الملفات والقضايا.

جدوى القول إن ثمة بونا شاسعا في رؤى الأطراف الثلاثة مجتمعة بشأن كثير من القضايا والملفات الإقليمية والعالمية، ولعل التصريح الأخير الذي ألقاه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بشأن رؤية روسيا لأمن الخليج يدلل على ذلك، إذ ذكر صراحة أن: «الصين وإيران تقدمتا بمبادرتين مماثلتين، غير أن المفهوم الروسي أوسع لأنه يقضي بالخروج خلف حدود منطقة الخليج وانضمام دول من الأعضاء الدائمين الخمسة في مجلس الأمن الدولي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأوروبي إلى التشاور».

ولذا، فإذا كان من المقبول أن تشهد العلاقات الإيرانية الصينية تقاربا وتفاهما واسعا، فإنه من غير المتوقع أن يمتد هذا التفاهم والتقارب بذات المستوى سواء إلى العلاقات الإيرانية الروسية أو الروسية الصينية، الأمر الذي يعني أن التوجه شرقا الذي تتبناه طهران يحمل مكاسب آنية واضحة، ولكنه في الوقت ذاته يضمر تنافسا دائما مستترا، بما يُستبعد معه تشكيل تحالف ثلاثي (إيراني- روسي- صيني) قادر على عرقلة التحالفات الجديدة التي تدشنها الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة في المدى المنظور.

 

 

 


مقالات ذات صلة