إدمان عدم الاستقرار في العالم العربي وبلدان الجوار

تنتاب عموم العلاقات بين دول الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، العربية منها وغير العربية، حالة تذبذب حاد. فالعلاقات البينية سواء الثنائية أو ذات الطابع الجماعي، التي كانت تبدو راسخة وعصية على التقلبات أصبحت فجأة عادية أو باردة وأحيانا في الحضيض، وتلك التي لم تكن متخيلة إلى عهد قريب أصبحت قائمة، بل تتطور وتتعمق سرا وعلانية، وفي كل المجالات، فيما علاقات أخرى تبدو متأرجحة وغير قارة، تنشط طورا، وتفتر طورا آخر، وفي أغلب الأحيان من دون تبرير موضوعي لنشاطها أو لفتورها.

ولا جدال في أن هذا التذبذب ناجم عن مجموعة عوامل مردها أن تابوهات كثيرة كانت سائدة في المنطقة سقطت، ولاءات أكثر اندثرت وأحقاد دفينة انفجرت؛ الأمر الذي جعل البقعة الممتدة من المحيط الأطلسي إلى جبال أفغانستان تعيش حالة عدم استقرار تكاد أن تكون مزمنة، إذ غدت في الواقع موزعة بين كيانات تنخرها حروب أهلية دامية، وأخرى تستنزفها نزاعات حدودية، ومعظمها أسيرة صراعات إثنية ودينية ومذهبية، أو مشاكل اقتصادية وما تفرزه من توترات سياسية واجتماعية.

ومن البديهي أن ينجم عن هذا التذبذب اتساع هوة عدم الثقة في معظم العلاقات البينية الثنائية والجماعية أيضا، خصوصا بعد أن ضاقت هوامش المناورة أو انعدمت بشكل اضطر جميع دول المنطقة إلى اتخاذ المزيد من الحيطة والحذر وإلى الاستعداد المتواصل لأي مستجدات طارئة بالعمل على رصد موارد كبيرة لتطوير قدراتها العسكرية والأمنية على حساب متطلبات البناء والتنمية. فالجميع يدرك أن العالم لن يذرف دمعة حزن واحدة على الضعفاء، بل في وسعه التعايش مع الواقع الذي يفرضه الأقوياء.

في هذا السياق غير مستغرب أن تكون دول المنطقة هي أكثر بلدان العالم اقتناء للسلاح، إذ قدر حجم إنفاقها العسكري في العقد الأخير بنحو 500 مليار دولار، دون احتساب قيمة الأسلحة المصنعة محليا في بعض الدول كتركيا وإيران وإسرائيل؛ وأن يتبوأ بالمقابل عدد كبير من دولها، وخاصة ذات الكثافة السكانية العالية والموارد المحدودة مراكز متأخرة في المؤشرات الدولية للتنمية الاقتصادية والبشرية.

إن حالة التذبذب في العلاقات بين أغلب دول المنطقة لا يعني غياب محاولات ومبادرات للقيام بمساع حميدة إما من أطراف معنية مباشرة بالتوترات الحاصلة، أو من أخرى تخشى انعكاساتها السلبية أو من جهات خارجية. ولا شك أن كل تلك الجهود كانت تدعي البحث عن فتح حوارات ثنائية أو جماعية حسب الحالات بحثا عن رأب الصدع أو عن إيجاد قواسم مشتركة بين الأطراف المعنية، ونسج مصالح ومنافع متبادلة بينها بغية تمهيد الطريق إلى تحقيق تسويات جادة ومقبولة للصراعات التي تستشري في عموم المنطقة أو على الأقل احتواؤها وحصر تداعياتها.

غير أن معظم هذه المحاولات والمبادرات، إن لم تكن كلها، اصطدمت بحقيقة غياب نوايا صادقة عند بعض الأطراف من شأنها المساعدة في إطلاق حوارات جادة، إذ أثبتت العديد من التجارب أن الدعوات إلى الحوار لم تكن سوى ذريعة لكسب الوقت لاستكمال تجميع عناصر القوة اللازمة لتغيير المعطيات على الأرض، وفرض أمر واقع جديد. وهذا ما يتضح من العناد الذي تتسم به مواقف هذه الأطراف، والتصلب الذي تبديه في الكثير من القضايا والحالات.

ولهذا، كان الفشل هو مصير كافة الجهود المبذولة لتسوية مشاكل المنطقة، ونزاعاتها المختلفة بدءا بجهود الأمم المتحدة وعدد من منظماتها المتخصصة، التي وقفت عاجزة سواء أمام الصراعات المزمنة والمعمرة كالقضية الفلسطينية والنزاع العربي الإسرائيلي أو الخلافات المستجدة مثل الحروب الأهلية التي تفتك بدول عديدة كما هو حال الأزمات السورية والليبية واليمنية، أو بعض النزاعات الحدودية كالنزاع المفتعل حول مغربية الصحراء، والتوتر الذي تغذيه إثيوبيا بسبب تعنتها فيما يخص ضمان الحصص العادلة والقانونية لكل من مصر والسودان في مياه النيل.

ولم يكن مصير جهود المنظمات الإقليمية المحلية، وكذا المحاولات والمبادرات النابعة من بعض دول المنطقة نفسها بتعاون فيما بينها أو مع قوى أجنبية أحسن من مصير نظيرتها الأممية، إذ آلت جميعها إلى الفشل أو التوقف في منتصف الطريق، أو الدوران في متاهات مغلقة. فمنذ أمد بعيد وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، كأكبر تجمعين جهويين في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مشلولتا الحركة ليس فقط أمام المشاكل القائمة بين بعض أعضائهما، وإنما حتى في بلورة الحد الأدنى من المواقف المشتركة إزاء القضايا التي تهمهما.

ولم تشذ عن قاعدة الفشل هذه بعض المبادرات التي طرحت في الآونة الأخيرة، وتم وأدها في المهد أو بمجرد خروجها إلى حيز الوجود مثل:

* المشروع الأميركي لإنشاء تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي (ميسا) الذي أقرته القمة الأميركية «الجزء عربية»المنعقدة بالرياض في مارس (آذار) 2017 بمشاركة دول الخليج الست وكل من أميركا ومصر والأردن.

* التحالف العسكري الإسلامي لمحاربة الإرهاب المعلن عن تأسيسه سنة 2015 بمشاركة 41 دولة، إذ اتضح أن معظم هذه الدول أعلنت انضمامها على الورق فقط.

* المقترح الإيراني القطري الذي أراده الطرفان على شاكلة منظمة الأمن والتعاون في أوروبا من أجل تفادي وصول نزاعات المنطقة إلى حافة الهاوية، ولم يحظ حتى بفرصة لمناقشته.

سنة 2017 كتب يوشكا فيشر وزير الخارجية الألماني الأسبق مرجحا أن تفتح هزيمة «داعش» فصلا جديدا في تاريخ المنطقة الدموي والفوضوي، مؤكدا استمرار هذا النمط العنيف من التعامل، لأن المنطقة غير قادرة على حل الصراعات الداخلية بنفسها. فهل أدمنت المنطقة عدم الاستقرار أم هكذا شاءت لها الأقدار؟