ارتفاع الفائدة الأميركية تصيب الاقتصاد العالمى بالزكام

البورصات تدخل المنطقة الحمراء.. الذهب يفقد بريقه كأداة تحوط
البنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي

القاهرة: لا حديث للاقتصاد العالمي، حاليا، يعلو على قرارات الاحتياطي الفيدرالي، حول سعر الفائدة التي يتوقع أن ترتفع بنحو سبع مرات خلال العام الحالي، وتداعياته على الاقتصادات الناشئة، التي ظلت الأموال الساخنة أحد مواردها للعملة الصعبة.

تتسارع المخاوف، حاليا، من أن تؤدي الفائدة الأميركية لاهتزاز الأسواق المالية عالميا، لتسبب حركة تدفقات عكسية للاستثمارات الأجنبية غير المباشرة إلى الغرب، مما يسبب ضغطا على قيمة العملة بالأسواق الناشئة، ويدفع بها للهبوط في مقابل الدولار الأميركي.

تتسابق البنوك المركزية على رفع الفائدة لمستويات هي الأعلى منذ سنوات طويلة، وآخرها بنك كوريا الجنوبية، الذي رفع الفائدة ثلاث مرات خلال 2021، بينها مرتتن متتابعتان، للمرة الأولى منذ 14 عاما.

بنك إنجلترا رفع أسعار الفائدة في ديسمبر (كانون الأول) الماضي إلى 0.25 في المائة، والمركزي الروسي ست مرات خلال 2021 بداية من 4.5 في المائة في مارس (آذار) وصولا إلى 7.5 في المائة في أكتوبر (تشرين الأول)، وتكرر الأمر مع المركزي البرازيلي الذي رفع أسعار الفائدة سبع مرات بداية من 2.75 في المائة في مارس إلى 9.25 في المائة في ديسمبر (كانون الأول)، في أعلى مستوى منذ 2017.

تغيرت نبرة رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، في أول تصريحات له بعد تجديد ولايته لفترة جديدة، ليؤكد أن الجهود ستنصب على مكافحة التضخم الذي بلغ أعلى معدل في 40 عاما، واعدا بزيادة أسعار الفائدة أكثر بمرور الوقت، فالتوسع الطويل سيحتاج استقرار الأسعار، من وجهة نظر سياسته الجديدة.

لم يحدد رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، عدد المرات التي سيتم فيها زيادة الفائدة لكن البنوك والمؤسسات الأميركية العريقة مثل جيه بي مورغان تشيس، وغولدمان ساكس، وبنك أوف أميركا، توقعت أن تكون الارتفاعات ما بين 3 و7 مرات، لمكافحة تسارع التضخم بأميركا، وتحقيق هدف الاحتياطي الفيدرالي بإبقائه عند مستوى 2 في المائة بحلول نهاية عام 2022.

القلق الذي ينتاب الاقتصاد العالمي، حاليا، منبعه القراءة التاريخية لفترات رفع الفائدة الأميركية، فالفترة منذ 1955 إلى 2006 شهدت حالة ركود عالمية بعد أشهر قليلة، وفي ظل أوضاع الاقتصاد العالمي المريض بتداعيات جائحة كورونا من ارتفاع التضخم وضعف سلاسل التوريد وارتفاع قياسي لأسعار الشحن.

 

تعرض الاقتصاد العالمي لضربة جديدة بسبب المتحور «أوميكرون» الذي أدى إلى إعادة فرض قيود على السفر وإثارة القلق حول مسار التعافي (أ.ب)

 

بدايات غير مبشرة

تكشف الدراسة الأسبوعية للبنك المركزي المصري، عن بداية ظهور تأثيرات للقرار الأميركي حتى قبل صدوره، فعوائد سندات الخزانة بشكل حاد عبر جميع الآجال، وعلى الأخص في منتصف منحنى العائدات، حيث ارتفع عائد السندات لأجل سنتين بمقدار 12.99 نقطة أساس إلى 0.864 في المائة خلال الأسبوع الثاني من يناير (كانون الثاني) الحالي.

يقول المحللون إن الولايات المتحدة ستصبح أكثر جاذبية للاستثمارات الأجنبية بسبب ارتفاع سعر الفائدة على الدولار والعائد المغري على فائدة السندات الحكومية، خاصة أن التضخم رغم ارتفاعه بأميركا لكنه أقل عند مقارنته بالأسواق الناشئة التي يتجاوز في غالبيتها مستوى 5 في المائة.

زادت عوائد السندات استحقاق 5 سنوات بمقدار 23.58 نقطة أساس لتصل إلى 1.5 في المائة، والسندات لأجل 10 سنوات بمقدار 25.19 نقطة أساس لتصل إلى 1.764 في المائة، والسندات أجل 30 عاما 21.32 نقطة أساس، لتصل إلى 2.117 في المائة في الأسبوع الثاني من يناير (كانون الثاني).

يمتلك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، حالياً، ما يقرب من 9 تريليونات دولار من السندات معظمها سندات خزانة وأوراق مالية مدعومة بالرهن العقاري وأسعار الفائدة المرتفعة ستجعل المستثمرين يعيدون التفكير في المخاطرة وسعر الفائدة الفعلى (الفارق بين الفائدة والتضخم)، بشكل مختلف عما كانوا عليه من قبل.

رغم السيطرة على التضخم، تسبب الفائدة في الجانب الآخر ارتفاعا في تكلفة الاقتراض الاستثماري ما يحول دون التوسع في النشاط الاقتصادي وحدوث تباطؤ تدريجي في النمو، وربما الوصول إلى مرحلة الانكماش والركود، فالمنتجون قد يضطرون لتخفيض حجم الإنتاج لعدم القدرة على التصريف، فيقل الطلب على الطاقة ويزيد المعروض من النفط.

لم تتضح حتى الآن التأثيرات على حركة أسعار النفط بقوة، لكن أسعار العقود الآجلة للخام الأميركي تراجعت وسط مخاوف من زيادات حادة في أسعار الفائدة ورغم وجود أزمة سياسية في كازاخستان أحد المنتجين وتخفيض ليبيا حجم الإنتاج، وتراجعت العقود الآجلة للخام الأميركي الخفيف 52 سنتا توازي 0.63 في المائة لتبلغ عند التسوية 82.12 دولار للبرميل وقت كتابة هذه السطور.

 

أصول خطرة

يتجنب المستثمرون، حاليا، الأصول الخطرة بما في ذلك النفط، إضافة لمخاوف الطلب المتزايدة المحيطة بالصين بعد ظهور تزايد في حالات أوميكرون بالصين وإغلاق منطقة بسبب الإصابات، ومن المرجح أن تتعرض الأسعار لضغوط على المدى القصير.

الدكتور صلاح الدين فهمي، أستاذ الاقتصاد ورئيس وحدة الأبحاث العلمية بالمركز الدولي للاستشارات الاقتصادية، يقول إن تأثيرات رفع الفائدة ستطال الدول النامية التي تعتمد على الاستيراد من الخارج باعتبار أنها ترفع من قيمة الدولار إزاء عملاتها المحلية.

ومن المتوقع أن يستفيد الدولار من رفع الفائدة، فالأموال الساخنة عموما ترتبط بدخول الدول لاستغلال تدني العملة المحلية أو أسعار الفائدة، وغالبا ما تتعلق بشراء أذون الخزانة قصيرة الأجل أو السندات متوسطة الأجل التي تطرحها الحكومة بغرض الاقتراض أو أسهم الشركات المدرجة في البورصة حال تداولها بأسعار أقل من قيمتها الحقيقية، ومع ارتفاع الفائدة بأميركا تتخارج تلك الأموال عبر البيع وتحويلات الأموال بالدولار، ما يعزز الطلب عليه ويرفع من أسعار صرفه مقابل العملات المحلية، ويضغط على الاحتياطي النقدي.

يتوقع فهمي أن تلجأ العديد من الدول النامية ومنها مصر إلى رفع سعر الفائدة هي الأخرى للإبقاء على جاذبية أدوات الدين الحكومية التي تطرحها لتمويل عجز الموازنة العامة، فهناك نوعان من الفائدة أولها اسمية تعلنها البنوك المركزية، والأخرى الحقيقية التي تمثل الفائدة الاسمية مطروحا منها نسبة التضخم.

بالفعل، تراجع مؤشر مورغان ستانلي لعملات الأسواق الناشئة بنسبة 0.14 في المائة في ظل تراجع غالبية العملات، خاصة الليرة التركية التي كانت الأسوأ أداءً بتراجع بنسبة (-4.08 في المائة)، والروبل الروسي ثانيا بنسبة (-1.42 في المائة)، لتتراجع لأدنى مستوى منذ أبريل (نيسان) 2021.

تسببت جائحة كورونا وتوقف النشاط الاقتصادي في تزايد الاقتراض عالميا، وارتفع متوسط إجمالي الدين الحكومي في الأسواق الناشئة بنحو 10 نقاط مئوية ليصل لما يقدر بنحو 64 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية عام 2021.

 

مشكلة الديون

تمثل تلك الديون عبئا على موازنات الدول الناشئة، ففي مصر على سبيل المثال تلتهم القروض وفوائدها ثلث مصروفات الموازنة العامة للدولة، وتستهدف وزارة المالية إطالة أجل استحقاق الدين إلى 3.8 عام في العام المالي الحالي، وصولا إلى 5 أعوام خلال السنوات الخمس المقبلة مما يخفف الضغوط التمويلية على المدى القصير.

يقول فهمي إن التأثير الأميركي سينعكس بشدة على سوق الأسهم التي تعتبر أكثر مخاطرة، فبالنسبة للمستثمرين فإن فائدة السندات أكثر أمانا لأموالهم وأكثر عائدا أيضا، ما يسحب الأموال من البورصات لصالح الادخار في شهادات الاستثمار بالبنوك، أو شراء السندات الحكومية.

وأظهر تقرير لوكالة «ستاندرد آند بورز» للتصنيف الائتماني أن استثمارات الأجانب في الأذون والسندات المصرية بالعملة المحلية ارتفعت إلى 33 مليار دولار، خلال أغسطس (آب) الماضي، لكن وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني، قالت في تقرير حديث، إن صافي الالتزامات بالعملة الصعبة في البنوك المصرية ارتفعت من 107 مليارات جنيه في نهاية فبراير (شباط) 2021 إلى 112 مليار جنيه بنهاية نوفمبر (تشرين الثاني) من العام الماضي.

يوضح فهمي أن قرار رفع الفائدة ليس سهلا على الدول التي لديها ارتفاع في الدين العام، فرفعها يزيد من أعباء تمويل عجز الموازنة العامة للدولة، مضيفا أن البنك المركزي بمصر يراقب عن كثب التطورات، وأصدر أخيرا قواعد لمنح السيولة الطارئة للبنوك تحسبا لتعرضها لخروج استثمارات أجنبية غير مباشرة بصورة مفاجئة والعجز عن تلبية احتياجاتها من سوق الإنتربنك (تعاملات بين البنوك بعضها ببعض).

قررت لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي تثبيت معدل الفائدة تسع مرات على التوالي في 2021 على الإيداع والإقراض لليلة واحدة عند 8.25 و9.25 في المائة و8.75 في المائة على الترتيب، وكذلك الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند مستوى 8.75 في المائة، لكن تدور تكهنات بنوك الاستثمار المحلية حول رفع البنك المركزي الفائدة نصفا في المائة على الأقل في اجتماعه الثاني لعام 2022 في مارس (آذار) المقبل.

حاول البنك المركزي المصري تقليل المخاوف بإصدار معلومات غير رسمية حول ضخ المستثمرين الأجانب خلال أول أسبوعين من العام الحالي 970 مليون دولار في شراء سندات وأذون خزانة، والإشارة إلى أن السندات طويلة الأجل كانت أعلى في الشراء، ما يعني أن المستثمرين لا يزالون يرون فرصا في السوق المحلية المصرية.

 

سبائك وعملات ذهبية (رويترز)

 

علاقة متشابكة

أستاذ التشريعات الاقتصادية الدكتور وليد جاب الله، يقول إن المحك ليس في عدد مرات رفع الفائدة ولكن في مقدار الرفع، ففي رأيه لن تكون نسبة الارتفاع كبيرة، خاصة أن الهدف المعلن هو امتصاص السيولة لمواجهة التضخم.

ترتبط أسعار الفائدة والتضخم بعلاقة عكسية، ففي حال زيادتها يتم اجتذاب المدخرات إلى البنوك، ما يؤدي لتقليص المعروض من النقود بالسوق، وتحجيم الطلب على السلع والخدمات فتهبط معدلات التضخم.

والعكس صحيح تماما، فالفائدة المنخفضة تغري المستثمرين على التوسع في النشاط الإنتاجي وزيادة الاقتراض لفتح وحدات جديدة فتزيد معدلات التشغيل، ويقل في الوقت ذاته عبء الاقتراض الحكومي من أجل تمويل عجز الموازنة.

يعود جاب الله ليؤكد أن أي زيادة بأسعار الفائدة الأميركية يمثل إغراء للأموال الساخنة الباحثة عن الفرص، ويبقى التأثير مرهونا بمدى قدرة الأسواق الناشئة على تقديم فائدة حقيقية وسيطرتها على التضخم، وتحقيق النمو الاقتصادي مع الحفاظ على احتياطي نقدي قوي وتصنيف ائتمان قوي.

وسجل صافي الاحتياطيات الأجنبية في مصر 40.935 مليار دولار، في نهاية شهر ديسمبر (كانون الأول) 2021. مقارنة بـ40.909 مليار دولار، نهاية شهر نوفمبر 2021، بارتفاع قدره نحو 26 مليون دولار.

وصلت السيولة المحلية بالقطاع المصرفي إلى 5.74 تريليون جنيه نهاية نوفمبر الماضي 2021، مقابل 5.651 تريليون جنيه نهاية أكتوبر السابق له بزيادة قدرها 89 مليار جنيه.

وفي خضم مخاوف الفائدة المرتفعة، غردت الصين خارج السرب بخفض سعر الفائدة على القروض متوسطة الأجل بمقدار 10 نقاط أساس من 2.95 في المائة إلى 2.85 في المائة، وهو أول خفض منذ أبريل 2020.

كما خفضت سعر عمليات إعادة الشراء العكسي لمدة سبعة أيام بمقدار 10 نقاط أساس من 2.2 في المائة حتى 2.1 في المائة، وسعت لدعم الاقتصاد الذي تباطأ نموه في الربع الرابع من العام الماضي، بعدما نما بنسبة 4 في المائة مقابل 4.9 في المائة في الربع الثالث من العام ذاته.

القرار الصيني كان يفترض حدة التأثيرات الأميركية على اعتبار أنه يعني استقرار الطلب على النفط لكن حركة الأسواق تشير إلى استمرار القلق خاصة على مستوى الذهب والبورصات.

أسعار العقود الآجلة للذهب تسليم شهر فبراير تراجعت بنسبة 0.2 في المائة أو ما يعادل 4.10 دولار ليصل إلى 1812.40 دولار للأوقية الثلاثاء الماضي، ليفقد المعدن الثمين قيمته كوسيلة تحوط، بينما ارتفعت أسعار الدولار الأميركي أمام ست عملات رئيسية بنسبة 0.6 في المائة في اليوم ذاته.

يقول محللون ماليون بسوق المال إن البورصات بدأت في التأثر أيضا، فبعد يوم واحد من تصريحات الفيدرالي هبطت غالبية مؤشرات البورصات الأوروبية والآسيوية والعربية، بنسب متفاوتة، خاصة مؤشر داو جونز الصناعي الأميركي الذي فقط 117.19 نقطة حينها.

وشهدت البورصة المصرية مبيعات أجنبية خلال الأسبوعين الماضيين، بينها 152 مليون جنيه مبيعات صافية الأسبوع الماضي، كما تراجع رأس المال السوقي لأسهم الشركات المقيدة بالبورصة بنحو 7 مليارات جنيه خلال الأسبوع الماضي.

 

 

 


مقالات ذات صلة