اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا فاجعة «المحرقة»

داني دايان: «ياد فاشيم» تحقق الإرادة الأخيرة لضحايا الهولوكوست
متحف «ياد فاشيم» وبعض صور الضحايا

لندن: توقف العالم هذا الأسبوع في 27 يناير (كانون الثاني)، بمناسبة اليوم الدولي لإحياء ذكرى ضحايا فاجعة الهولوكوست، وهو التاريخ الذي تم فيه تحرير معسكر اعتقال أوشفيتز النازي في بولندا عام 1945.


وقبل نحو أسبوع، كانت هناك ذكرى سنوية أخرى لا تقل أهمية وقسوة ولا ينبغي نسيانها أبدًا حيث صادف 20 يناير (كانون الثاني) الحالي مرور 80 عامًا على اليوم الذي جلس فيه 15 من كبار مسؤولي الحزب النازي والحكومة الألمانية وقوات الأمن الخاصة حول طاولة كبيرة في إحدى ضواحي برلين عام 1942، وصوتوا بالإجماع على قرار القتل الجماعي لكل يهودي في أوروبا.


ويأتي إحياء ذكرى ضحايا الهولوكوست (محرقة اليهود) التي قام بها النظام النازي وحلفاؤه وأودت بحياة 6 ملايين يهودي، في سياق تصاعد مظاهر معاداة السامية، كما أشار السفير داني دايان رئيس «ياد فاشيم» خلال مؤتمر صحافي عقده قبل يومين، قائلا: «يمكن للتوعية بالهولوكوست أن تكون عاملاً مخففاً في معاداة السامية. ولكنها لن تزيلها من على وجه الأرض، على الأقل في بعض قطاعات المجتمع.


وأعرب داني خلال مؤتمره الصحافي عن قلقه من تنامي حملة قاسية لتزييف تاريخ اليهود وتشويه الهولوكوست، وقال: «يمكن أن تأتي معاداة السامية في أشكال عديدة، وأحد الأشكال التي نراها أكثر فأكثر هو تشويه الهولوكوست، مشددا على ضرورة مواجهة تلك الحملة بالحقائق الموثقة.


وقال إن معاداة السامية يمكن أن تنمو إلى أبعاد وحشية كما حدث من قبل بفاجعة المحرقة النازية. ونحن نعلم أن ما يحدث مرة واحدة، يمكن أن يحدث مرة أخرى. لهذا السبب عندما يأتي كبار الشخصيات من جميع أنحاء العالم إلى «ياد فاشيم» للزيارة، أقول لهم دائمًا إن هناك العديد من الدروس من المحرقة. بعضها دروس فردية،وبعضها دروس وطنية، والبعض الآخر دروس عالمية.


وأشاد داني في خبر سار ومبشر بانحسار فرية إنكار حدوث الهولوكوست، وقال إن تلك الظاهرة باتت هامشية في ظل الجهود التي تقوم بها مؤسسة «ياد فاشيم» منذ تأسيسها عام 1953.


ويعتقد السفير دايان أن إرث الهولوكوست وثيق الصلة بالعالم اليوم في عام 2022. وإن اليوم الدولي للهولوكوست يلخص ويركز الجهد الذي يتعين عليه بذله من أجل وضع الهولوكوست وإرثها ودروسها في طليعة جدول الأعمال والأجندة الدبلوماسية والأجندة التعليمية الدولية. وقال إنه ليس لديه شك في إمكانية تعزيز ذلك.

ياد فاشيم: البحث الابتكاري والنمو المعرفي
ومن جهته يقول سيمي ألين رئيس قسم الإعلام الدولي بمؤسسة ياد فاشيم، إن جرائم النازية تركت تأثيراً عميقاً ترتبت عليه انعكاسات ونتائج عالمية في أنحاء العالم، وفي ضوء إنكار البعض لجرائم الهولوكوست والتشويه المتعمد للمحرقة النازية ومعاداة السامية التي نشهدها في جميع أنحاء العالم، تنطوي مسؤوليتنا على التثقيف وتقديم محتوى معتدل ومعلومات دقيقة وموثقة، قائمة على الحقائق المؤكدة حول الهولوكوست يسهل الوصول إليها، ويضم ياد فاشيم متاحف ومعارض ونُصُبا تذكارية ومراكز بحثية وتعليمية وأرشيف يضم أكثر من 200 مليون وثيقة، وهو أكبر أرشيف حول قضايا الهولوكوست في جميع أنحاء العالم، ولدينا أكبر مكتبة في العالم.
وتنشط المؤسسة في البحث الابتكاري والنمو المعرفي، حيث تمثل بعشرات الملايين من صفحات النصوص التوثيقية والصور والشهادات والكتب وسجلات ولوائح الأسماء المخزّن فيها أكبر مستودع للمعلومات حول أهوال المحرقة على مستوى العالم.

رئيس «ياد فاشيم» داني دايان


إضافة إلى خدمات التعليم والتدريب بشأن أسباب ونتائج وديناميات مثل هذه الجرائم بغية تعزيز قدرة الشعوب والشباب الصاعد على الصمود أمام آيدولوجيات الكراهية.


وتقدم مؤسسة «ياد فاشيم» تلك الخدمات وغيرها على موقعها الإلكتروني بعدد من اللغات من بينها اللغة العربية، وتم تدشين الموقع العربي لمؤسسة «ياد فاشيم» العالمية عام 2008.


وأضاف سيمي ألين أن المؤسسة استضافت مجموعات ناطقة باللغة العربية وعدة وفود إسلامية وعربية. وبعد توقيع اتفاقية السلام الإبراهيمي في عام 2020، وعلى مدى الأشهر الماضية أستقبلت «ياد فاشيم» مجموعات من الشباب المؤثرين والقادة من الإمارات العربية المتحدة والبحرين، ومجموعة «شراكة»، وفتحت ياد فاشيم أبوابها خصيصًا لهذه الزيارة التاريخية، والتي تضمنت جولة إرشادية في متحف تاريخ الهولوكوست، وزيارة قاعة الذكرى والتنزه في النصب التذكاري للأطفال الشهير. لقد استمعوا إلى أصوات وقصص الناجين من المحرقة، وشاهدوا القطع الأثرية الشخصية لضحايا الهولوكوست، واطلعوا عن قرب على الكارثة التي حلت بالشعب اليهودي قبل عقود فقط.


وقال سيمي إن «ياد فاشيم» أبرمت عدة اتفاقيات عربية ودولية. ودعت إلى ترجمة توصيات التحالف الدولي لإحياء ذكرى الهولوكوست (IHRA) وتدريسها في العالم الإسلامي لتعزيز الوعي بالكارثة الإنسانية التي تعرض لها اليهود، بما في ذلك عقد ندوات وورش عمل لتدريب المعلمين على أحدث أساليب تدريس الهولوكوست للطلاب.


وأصبحت «ياد فاشيم» ملتقى دوليا للأجيال، حيث يزور مركز المؤسسة كل عام مئات الألوف من الزوار من جميع أصقاع الأرض والمنتسبين إلى كافة الطبقات والمناشئ والديانات والمعتقدات، باستثناء العامين الماضيين بسبب تفشي فيروس كورونا.

صورة أرشيفية للمستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل بعد وضع إكليل من الزهور في قاعة الذكرى، بينما ينظر رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت، الثاني على اليمين، خلال زيارة لمتحف «ياد فاشيم» للمحرقة في القدس، 10 أكتوبر 2021

اليوم العالمي لذكرى ضحايا الهولوكوست
أعلنت الأمم المتحدة في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2005 السابع والعشرين من يناير يوما عالميا لذكرى ضحايا الهولوكوست التي وقعت خلال الحرب العالمية الثانية، وقُتِل فيها نحو ستة ملايين يهودي أوروبي، في حملة إبادة جماعية شاملة ومنهجية غير مسبوقة، ارتكبتها بوحشية ألمانيا النازية والمتعاونون معها، لمحو الشعب اليهودي، بدافع الآيديولوجيا العنصرية المعادية للسامية، بين أعوام 1933-1941.


وكان الحزب النازي، واسمه الكامل «حزب العمال الألماني القومي الاشتراكي»، حركة سياسية عملت في ألمانيا خلال النصف الأول من القرن العشرين. وقد تزعم الحزب طيلة معظم فترة قيامه أدولف هتلر. وكان للحزب آيديولوجيا تقوم على القومية الألمانية المتزمتة والعنصرية واللاسامية بوجه خاص.


واتبعت ألمانيا النازية سياسة تجرد اليهود من حقوقهم وممتلكاتهم، واكتسبت هذه السياسة دعمًا واسعًا في ألمانيا وجزءا كبيرا من أوروبا المحتلة آنذاك.


لم يكتف النازيون القتلة بتدمير المجتمعات اليهودية فحسب، بل قاموا بتعقب كل يهودي متخفٍ ومطاردة كل هارب. وكانت جريمتهم الوحيدة هو انتماؤهم للديانة اليهودية من رجال ونساء وأطفال، وتم الحكم عليهم جميعا بالإعدام سواء كانوا أصحاء أم مرضى، مبدعين ومفكرين أو بسطاء وصناع، حكم عليهم أن يعانوا ويموتوا، بلا إرجاء، ولا أمل، ولا عفو ممكن، ولا فرصة للتخفيف.


قتل وشرد معظم يهود أوروبا بحلول عام 1945. ولم تعد الحضارة التي ازدهرت لما يقرب من 2000 عام موجودة. الناجون منهم كانوا قلة، جمعوا بقايا حيواتهم ولجأوا إلى إعادة البناء من جديد في ظل فقدان أسرهم وذويهم وأقاربهم وأصدقائهم ومعارفهم، ولم يبق لهم غير الآلام وذكريات الغائبين التي شوهتها جراح القتل والتعذيب والتنكيل إلى الأبد.

سيمي ألين رئيس قسم الإعلام الدولي بمؤسسة «ياد فاشيم»


بدأ اتّباع السياسة النازية نحو اليهود بالأعمال الإرهابية والعزل السياسي وفرض القيود الاقتصادية والحرمان من حقوق الإنسان وحقوق المواطن والضغط الهادف إلى إقصائهم عن ألمانيا، وانتهت تلك السياسة إلى إبادة اليهود في أوروبا المحتلة بشكل شبه كامل. وتم تنفيذ هذه السياسة من قبل الحزب النازي ومختلف سلطات الدولة الألمانية ومن خلال العون الفعال الذي قدمته لها قوى لاسامية موالية للنازية في الأراضي التي احتلها الألمان إبان الحرب العالمية الثانية. وكان للدول الدائرة في فلك ألمانيا دورها في هذه العملية، حيث كانت معاداة اليهود في تلك الحقبة تؤججها فعلا اللاسامية التقليدية، مع أنها كانت عائدة بشكل أساسي إلى اللاسامية العنصرية التي كانت بمثابة القلب من الآيديولوجيا القومية الاشتراكية، وكانت ترى أن لا محل لليهود في المجتمع البشري. وقد حددت مراحل تطبيق السياسة النازية عوامل شتى تتمثل في موقع ألمانيا النازية السياسي في المجتمع الدولي، ومدى تقبل المجتمع الألماني وسائر الأمم في أوروبا المحتلة للعقيدة النازية، وبعض الاعتبارات الاقتصادية بالإضافة إلى مسار الحرب. ولكن العقيدة النازية اللاسامية هي التي رجّحت كفة الميزان في التحليل النهائي، وكانت النتيجة إبادة نحو ستة ملايين من اليهود وهو ما يقارب ثلث الشعب اليهودي، حيث شهدت المحرقة القضاء على المئات من الطوائف والمجتمعات اليهودية بكل ثرواتها المادية والروحية، لتصبح في مداها وطبيعتها أكبر مأساة حلت بالشعب اليهودي على مدى تأريخه.


وتمثل اللاسامية- القائمة حتى وقتنا هذا- نظرة معينة إلى اليهود قد يتم التعبير عنها بالكراهية نحوهم، كما أن لها مظاهر لفظية وجسدية موجهة ضد أفراد من اليهود وغير اليهود أو ضد ممتلكاتهم أو الاثنين معا، وضد مؤسسات الجاليات اليهودية ومراكزها الدينية. وأحيانا تكون دولة إسرائيل هي المستهدفة من هذه الأعمال، حيث يُنظر إليها على أنها كيان يهودي جماعي.

نساء وأطفال على «الرامبا» بجوار القطار الذي نقلوا فيه. و«الرامبا» هي الرصيف الذي كانت قطارات الترحيل تتوقف عنده حين وصلت إلى معسكر الإبادة، حيث كان اليهود يؤمرون بالترجل من القطار لتتم عملية الفرز الأولية بين من سيتم إبادته فورا ومن سيتم استغلاله في العمل القسري

اللاسامية... و تهمة التآمر على إيذاء الإنسانية
وكثيرا ما توجه اللاسامية إلى اليهود تهمة التآمر على إيذاء الإنسانية، كما تستخدم اللاسامية الأفكار النمطية الشريرة وإلصاق الخصائص السلبية.


ويمكننا أن نجد من بين الحالات المعاصرة للاسامية في الحياة العامة وفي وسائل الإعلام والمدارس وأماكن العمل والمشهد الديني، واعتمادا على السياق العام، الأمثلة التالية:
- الدعوة إلى قتل اليهود أو المشاركة الفعلية في قتلهم، أو تبرير قتلهم أو الإقدام الفعلي على قتل اليهود أو إيذائهم باسم آيديولوجيا راديكالية أو وجهة نظر دينية متشددة أو القيام بأعمال أخرى من هذا القبيل.
- إثارة مزاعم كاذبة أو نمطية تنطوي على شيطنة اليهود ووصفهم أو وصف قواهم المزعومة كجماعة بأوصاف لاإنسانية.
- اتهام اليهود كشعب بمسؤولية ظلم حقيقي أو متخيل ارتكبه فرد أو جماعة من اليهود أو حتى أفراد من غير اليهود.
- نفي البعض حقيقة وقوع إبادة الشعب اليهودي على أيدي الحزب القومي الاشتراكي الألماني ومؤيديه وشركائه خلال الحرب العالمية الثانية- أي الهولوكوست- أو نفي أبعاد الهولوكوست الحقيقية وآلياتها وكونها عملا مدبرا ومتعمدا.
- اتهام اليهود كشعب أو إسرائيل كدولة باختلاق الهولوكوست أو بتضخيم أبعاده.
- اتهام المواطنين اليهود بأنهم أكثر ولاء لإسرائيل أو للأولويات المزعومة لليهود على مستوى العالم، منهم لمصالح بلدانهم.
- استخدام الرموز والصور التي كانت تستخدمها اللاسامية الكلاسيكية، (من ادعاء بأن اليهود قتلة المسيح وإشاعة الفرية القائلة بأن اليهود يقتلون الأطفال المسيحيين لاستخدام دمائهم في طقوسهم الدينية وما إلى ذلك) في وصف دولة إسرائيل أو الإسرائيليين.
- تحميل اليهود كجماعة مسؤولية أعمال دولة إسرائيل.

رمز بارز من ضحايا الهولوكوست:
الدكتور فوسكين نهار تابي... قام بتعليم اللغة العربية في معسكر «غيتو تريزنشتات» النازي!

ولد الدكتور فوسكين (نهارتابي) مويساي في روسيا في 16/12/1884. وكان مناضلا يهوديا، زار القدس في 23 فبراير (شباط) 1923 وأسّس في مدينة لايبتسغ الألمانية مدرسة لتعليم اللغة العبرية. كان أستاذا للغات السامية لا سيما السومرية والعبرية والعربية في جامعة «هالي» الألمانية. وبعد تسلم أدولف هتلر مقاليد الحكم انتقل إلى مدينة براغ واشتغل خبيرا للغة العبرية.


تم ترحيله من براغ إلى غيتو تريزنشتات بتاريخ 13 يوليو (تموز) 1943 مع زوجته وابنته، حيث حلقة دراسية لتعليم اللغة العبرية. كان الدكتور فوسكين يلقي محاضرات باللغة العبرية عن أرض إسرائيل وعن تطور اللغة العبرية وعن اللغة العبرية المعاصرة.
غيتو تريزنشتات كان معسكر اعتقال أنشأه البوليس السري النازي (الغيستابو) خلال الحرب العالمية الثانية في مدينة تيريزين التشيكية إبان الاحتلال الألماني لتشيكوسلوفاكيا.


تقول اليزابيث السبي الباحثة بمؤسسة «ياد فاشيم» بالرغم من الظروف المادية الصعبة والنقص في الوسائل التعليمية تمكن اليهود في غيتو تريزنشتات من الحفاظ على النظام التعليمي الذي تضمن التعليم والمساعدة الاجتماعية والتربية على مدّ يد العون للآخرين والتربية اليهودية والتربية على العمل إلخ كما تمّ العثور في غيتو تريزنشتات على وثائق يستدل منها أنّ الدكتور فوسكين (نهارتابي) قام أيضا بتعليم اللغة العربية الفصحى.


وكانت طريقة تعليم اللغة العربية في الغيتو تقوم على ترجمة الكلمات من اللغة العبرية إلى اللغة العربية وبالعكس. وتصف بعض الكلمات واقع الحياة الصعبة في الغيتو ومن بينها: المعاناة والفقر والعبد وطبيب العظام والقشرة والخوف. ولكن هناك كلمات إيجابية أيضا من بينها الجمال ومفيد ورائع.


وكجزء من التمرن على اللغة العربية كان الطلاب يترجمون إصحاحات بكاملها من أسفار العهد القديم، منها مثلا الإصحاح الاول من سفر التكوين وقصة نذر يفتاح الجلعادي (سفر القضاة، الإصحاحان الحادي عشر والثاني عشر).


وقد يكون السبب وراء تعلم اللغة العربية في غيتو تريزنشتات عائدا لإيمان بعض هؤلاء اليهود بأنهم سيصلون إلى البلاد بعد الحرب والتي يشكل العرب أغلبية فيها، مما يستوجب التعرف على لغتهم.


وتمّ قتل الدكتور فوسكين (نهارتابي) مويساي في معسكر آوشفيتس للإبادة بتاريخ 19 أكتوبر(تشرين الأول) عام1944.