ماذا عُرض في النسخة الأجنبية ولم يعرض في «أصحاب ولا أعز»؟

مشهد بُتر من سياقه الدرامي فأشعل غضب المشاهدين

بيروت: تصعب الكتابة عن فيلم كُتب عنه الكثير لتفنّد الأحكام المسبقة التي سيقت ضدّه دون أن تحرق أحداثه، إلا أنّ «أصحاب ولا أعز» تخطّى كونه مجرّد فيلمٍ، ليصبح حالة تسلّط الضوء على ازدواج المعايير، وعلى الأحكام المسبقة، وعلى أولويّة القضايا، بحيث يصبح مشهدٌ في فيلم سبق تكريمه في مهرجان القاهرة السينمائي بنسخته الإيطالية، مثارا لدعاوى قضائيّة وصلت إلى البرلمان في مصر.

فلماذا مرّت النّسخة الأجنبيّة مرور الكرام، لا بل تمّ تكريمها أيضاً، وقامت الدنيا على الفيلم العربي؟ وماذا عُرض في النسخة الأجنبية ولم يعرض في العربية؟ وأين أخطأ القائمون على الفيلم العربي، عندما قرّروا تعريب الفيلم دون الأخذ في الاعتبار معايير المجتمع، ليس اتّقاءً للانتقادات، بل ليبدو الفيلم مقنعاً للمشاهدين.

عندما تشاهد النسخة الفرنسية على سبيل المثال من الفيلم، ستفهم لماذا خلعت منى زكي سروالها الداخلي، لكنّ المشهد في النسخة العربية أخرج من سياقه الدرامي بطريقة مشوّهة، فلم يعرف المشاهد لماذا خلعت سروالها، ولماذا وضعته في حقيبة يدها، رغم أنّ الفيلم مرّ مرور الكرام على العلاقة الافتراضيّة التي تورّطت فيها مع رجلٍ على «فيسبوك»، يشعرها بأنوثتها بعد إهمال زوجها لها.

في النسخة الفرنسيّة، تبدو الأمور أجرأ، يكتشف الزوج أن لزوجته علاقة على «فيسبوك» مع رجل يسألها ما إذا كانت ترتدي ملابسها الداخلية، هنا تبدأ المكاشفة بين الزوجين على مرأى من الأصدقاء، الذين يضطرون إلى إغلاق عيونهم عندما تقرّر الزوجة أن تذهب من المكاشفة، حدّ  رفع تنّورتها لتكشف لزوجها صحّة مخاوفه، وتصارحه أنّ إهماله لها سنة كاملة دفعها إلى إقامة علاقة لم تتخطّ كونها افتراضيّة، لتشعر بأنوثتها، وعلى شرفة المنزل يشعر الزّوج بالخزي، فيعانق زوجته في مشهد غسيل قلوب.

في النسخة العربية، لا يحصل شيء من هذا، فقط مشهد خارج عن أي سياق درامي، وفي وقت المكاشفة، تبدأ الزوجة بلوم زوجها على حادث سيارة قتلت خلاله عن غير قصد أحد المارة، فحمل زوجها الذنب عنها وسُجن، وتركها تربّي الأطفال، وبعد خروجه من السّجن غالى في قسوته عليها وهجرها، فلجأت إلى علاقة افتراضيّة.

في النسخة الفرنسيّة يتبادل الصديقان هواتفهما، الزّوج (إياد نصار) والصديق (فؤاد يمين)، خوفاً من وصول صورٍ خليعة على هاتف الزوج، وانكشافها أمام زوجته، في إطار لعبة الهواتف التي فضحت الأسرار، ولم يعد بإمكان أي طرف التراجع عنها، لأنّ أي تراجع هو إدانة مسبقة.

يُتّهم الزوج بالمثلية الجنسية وتثور زوجته كما حصل في النسخة العربية، إلا أنّ الصديق يعترف في نهاية الأمر أنّ الهاتف له وأنّه هو المثلي، بحضور الزوجة المخدوعة، بينما في النسخة العربية، تخرج الزوجة قبل أن تستمع إلى اعتراف الصديق، وقبل أن تدرك أن لزوجها علاقة بامرأة أخرى. كنا نفضّل أن نعرف ردّة فعل الزوجة وهي تفاضل بين أن يكون زوجها مثلي الجنس، وبين أن يخونها مع امرأة ولو افتراضياً.

في النسختين، يبدو الرجل المثلي في موقع المتهم المدان، الذي يتلقّى توبيخاً من أصدقاء لم يتقبّلوا مثليته من جهة، ولم يتقبّلوا أنّه تمكّن من خداعهم بعدم الكشف عن ميوله طوال 30 عاماً، وهو ما يدحض الاتهامات المصوّبة نحو الفيلم بأنّه يشجّع المثليّة ويروّج لها. بل جاء الفيلم بمثابة مرآة للمجتمع الذي ينبذ المثليين، ويعاقبهم على ميولهم، ثم يحاسبهم على ازدواجية الحياة التي يعيشونها، دون الأخذ في الاعتبار أنّ الأحكام القاسية التي ووجهوا بها كانت وراء إخفائهم حقيقة ما كان ليتقبّلها حتى أقرب الناس.

في النسخة الأجنبية تأتي الزوجة (منى زكي) بطبق حلوى صنعته في منزلها، بينما تحضر في النسخة العربية الملوخية بالأرانب، وهي نقطة أثارت الجدل وتحوّلت إلى أداة سخرية، كيف أنّ لأكلة مصريّة أن تثير الحنق، وتجعل الفيلم مسيئاً للأسرة المصريّة، وتصبح مثار نقاش في برامج حوارية أفردت لها مساحات لم تكن تخطر على بال صنّاع العمل ولا حتى المشاهدين.

النقطة الأضعف في النسخة العربيّة كانت علاقة الأب بابنته، ففي النسخة الفرنسية، اعترضت الأم على وجود واقٍ ذكري في حقيبة ابنتها، ثم اكتشفت تواطؤ الأب مع ابنته، وتفهّمه لعلاقة ابنته بصديقها، ونصيحته لها بأن تبيت في منزله فقط إن أرادت هذا الأمر، لأنّه سيبقى في ذاكرتها إلى الأبد.  بدا الأمر نافراً في النسخة العربية وغير مقنع، كان بالإمكان إيجاد تخريجة له على طريقة ملابس منى زكي الداخلية، حتى لو جاء المشهد مبتوراً خارجاً عن السياق الدرامي، والغريب أنّه لم يثر حفيظة المشاهدين، أو أنهم مرّوا عليه مرور الكرام.

أما نهاية الفيلم، فكان ينقصها اللمعة الموجودة في النسخة الفرنسيّة، حين تخرج الزوجة غاضبة من خيانة زوجها، فيتبعها على السلالم ليصل قبلها، يتقابلان عند باب المصعد ويتعانقان، ثمّ يلتقيان بأصدقائهما عند مدخل البناية يشاهدون مشهد انحسار خسوف القمر، بينما يمضي الزوجان المضيفان (نادين لبكي وجورج خباز) بحديث مقتضب، يخبر فيه الزوج زوجته أنّه رفض الخوض في اللعبة، لأنّ داخل كلّ منّا أسرارا يجب أن تبقى كذلك. ثم تمرّ الكاميرا سريعاً على كل من الأصدقاء يعيش حياته المغلفة بكذبة لم تفضحها لعبة كانت مجرّد اقتراح لم يلقَ قبولاً.

كان على النسخة العربية أن تخبرنا أنّها لعبة، وأنّ الأصدقاء لم يخوضوها، وأنّهم عادوا إلى حياتهم اليوميّة بطريقة مباشرة تخلو من أي لمعة أو ذكاء، ورغم ذلك لم تصل الرسالة كما وصلت في النسخة الأجنبية.

يُحسب للنسخة العربية الممثلون الذين كانوا أظرف من الممثلين الفرنسيين، وكان بينهم تناغم وحوار سلس، كلٌ أدّى دوره المطلوب منه ببراعة.

 لمعت نادين لبكي بدور المرأة الخبيثة، التي اقترحت اللعبة لأنّها تعرف أنّ سرّها- الرجل الذي تخون زوجها معه- موجودٌ معها على الطاولة، وأنّ ليس لديها ما تخشاه.

ولمع جورج خباز في دور الزوج الهادئ الطباع، بدا مقنعاً كزوجٍ مخدوع لا يدري أنّه كذلك ولم يبدُ مقنعاً في دور الأب الذي يحرص على أن يكون مع ابنته المراهقة واق ذكري في لقائها العاطفي الأوّل، الثغرة يتحمّل مسؤوليتها النص لا الممثل.

منى زكي بدت متحرّرة من قيود ما يسمى السينما النظيفة، كانت جوكر الفيلم ورغم هفوات دورها التي يتحمّلها الإخراج فحسب، تفوّقت.

أما إياد نصار، فلعب دور الزوج الذي يجد نفسه في قفص الاتهام يواجه ذنباً لم يرتكبه، ليخفي ذنباً ارتكبه يبدو أخفّ وطأةٍ، تفوّق إياد رغم كمّ الجلد الذي تعرّض له بعد عرض الفيلم.

فؤاد يمين بدا مقنعاً بدور مثلي الجنس الذي يعيش مع قناع يخفي خلفه سرّه حتّى عن أقرب المقرّبين إليه.

أما عادل كرم فلم يلعب أفضل أداوره، ربّما لأنّ دوره بالذات لم يكن يحمل تحدياً لممثل خاض أصعب الأدوار، كان مجرد زوج متعدّد العلاقات، دور عادي ليس فيه ما يثير الفضول ولا الدهشة.

ديامان بو عبود بدور زوجة عادل كرم كانت مقنعة، ربما كانت النموذج الوحيد الذي يعيش حياته دون خطأ، وإن بدت محادثتها مع حبيبها السابق وهو يشكو لها علاقة يعيشها حالياً، غير مقنعة لنسخة عربية، كان فيها على الزوج أن يتقبل أن تناقش زوجته الحياة الجنسيّة لحبيبها السابق.

الحوارات التي صاغها غابريال يمين ووسام سميرة بدت خفيفة وظريفة رغم أنّ بعضها لم يكن مقنعاً، أما وسام سميرة كمخرج، فخاص لعبة خطيرة، تكمن في استنساخ حتى ديكور النسخة الأجنبية، لفيلم يدور في مكان واحد، ما يجعل إمكانيّة الوقوع في الملل واردة، وهو ما لم يشعر به المشاهد، لتسارع الأحداث ورشاقة الكاميرا.

يبقى أنّه ورغم كمّ الانتقادات التي طالت الفيلم، فإنّ هذا الأخير كشف أنّ الخسوف عندما يحلّ، وينعكس معه الظلام على الأنفس، قد تنكشف أمورٌ لا نعرفها عن أقرب الناس، وأنّنا بالفعل لا نعرف عن الآخرين إلا ما يريدوننا أن نعرفه عنهم مهما بلغت درجة قربنا منهم، وأنّ في هواتفنا حبل مشنقة يلتف حول أعناقنا، وأنّ ثمّة علاقات تستمر بسبب الكذب، وأنّ المصارحة قد تنتهي بانفصال وأنّ الأمور لا تبدو دائماً كما هي عليه دائماً، وأنّه رغم اختلاف العادات والتقاليد، ثمّة جوانب مظلمة في النفس البشريّة تتشابه، والأهم يخبرك هذا الفيلم أنّك على الأقلّ تخفي سراً واحداً لا يعرفه أحد سواك.

 


مقالات ذات صلة