مخاطر الجماعات المتطرفة غرب أفريقيا ومستقبل القوات متعددة الجنسية

توسع لعدد من التنظيمات المتطرفة في الساحل الأفريقي
توسع تنظيم «داعش» بشكل متسارع في أفريقيا

بون: يتميز المشهد «الجهادي» في أفريقيا جنوب الصحراء اليوم بوجود عدد لا يحصى من فصائل القاعدة وداعش الناشطة في منطقة بحيرة تشاد والساحل في جمهورية الكونغو الديمقراطية وتنزانيا وموزمبيق وغيرهما من دول غرب أفريقيا. فمن دون شك أن التهديدات الجهادية لها تداعيات دولية، إلى جانب تداعياتها المحلية. شكلت بوكو حرام سابقة في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين عندما أظهرت كيف يمكن لجماعة إسلاموية راديكالية أن تصبح قوة مهيمنة للتغيير من خلال التطرف على نطاق واسع واستخدام أجندة إرهابية مستدامة.

يستمر التطرف العنيف في الانتشار في أفريقيا، وترتبط الجهات المسلحة المنخرطة في التطرف العنيف في القارة بشكل أساسي بجماعات ومنظمات متطرفة وهناك توسع خطير لهذه الجماعات في منطقة الساحل وحوض بحيرة تشاد والقرن الأفريقي إلى دول غرب أفريقيا الساحلية ووسط البلاد جنوب أفريقيا. يثير انتشار مسلحي تنظيم داعش على وجه الخصوص والعلاقات المعقدة بين التنظيمات والجماعات الجهادية قلقا متزايدا بين المراقبين والحكومات.

تختلف أسباب العنف والتمرد في الدول الأفريقية إلى حد كبير، القارة شاسعة مع اختلافات ثقافية ولغوية هائلة في العمل، ومع ذلك، تلعب بعض العوامل دورا في منطقة الساحل. فقد عانت بلدان مثل مالي والنيجر وبوركينا فاسو من حكومات ضعيفة متتالية اتسمت بالفساد والإفلات من العقاب والفوضى.

لقد فشلت أغلب الحكومات لدول غرب أفريقيا وشمال أفريقيا في توفيرالأمن لدولها. غالبا ما تتكون القوات العسكرية في منطقة الساحل من جنود ضعيفي التدريب وقلة التجهيز، كذلك أدى الفساد إلى تمرد القوات أو فرارها، كما حدث في نيجيريا. غالبا ما يكون الجنود غير محترفين، ونادرا ما يقاتلون ضد دول أخرى، ويستخدمون بدلا من ذلك إلى حد كبير لحماية الحاكم الحالي.

 

يسيطر تنظيم «داعش» على 1% من القارة السمراء

 

القوات المتعددة الجنسيات

تواجه الجهود المتعددة الجنسيات لمحاربة الجماعات المتطرفة في غرب أفريقيا ـ منطقة الساحل الأفريقي، تحديات خطيرة. شهدت مالي، التي ينتشر فيها نحو 400 جندي بريطاني، الانقلاب الثاني في تسعة أشهر، والذي أدانه على نطاق واسع زعماء المنطقة. وفي أعقاب ذلك هدد الرئيس إيمانويل ماكرون بسحب جميع القوات الفرنسية البالغ عددها 5100 جندي إذا نفذ قادة الانقلاب اقتراحهم بعقد اتفاق مع المتمردين الإسلامويين الذين تقاتلهم القوات الفرنسية. إلى الشمال، انسحبت إسبانيا من المناورات الحربية متعددة الجنسيات التي تقودها الولايات المتحدة والتي يطلق عليها اسم «الأسد الأفريقي» بسبب النزاع مع المغرب. هذا الجزء من أفريقيا، منطقة الساحل، هو طريق العبور لأعداد كبيرة من المهاجرين الذين يشقون طريقهم شمالا إلى أوروبا، كما أنها طريق عبور رئيسي للمخدرات والأسلحة و«الجهاديين».

وفي هذا السياق، بدأت فرنسا سحب قواتها من شمال مالي منتصف عام 2021 في إطار خطط لإعادة تنظيم قواتها المناهضة للمتمردين المنتشرة في منطقة الساحل في إطار عملية برخان. وهذا يعني، نتج إغلاق قواعد الجيش الفرنسي في «كيدال وتيساليت وتمبكتو»، وتسليمها إلى الجيش المالي لكن رغم ذلك، سيتم الحفاظ على الدعم الجوي. تدخلت فرنسا في مالي عام 2013 : «بناءً على طلب» من الحكومة الانتقالية للرئيس ديونكوندا تراوري آنذاك للمساعدة في مكافحة الإرهاب.

ظلت الأهداف السياسية التي كان برخان يدعمها غير واضحة وربما كانت قوة برخان تهدف إلى الاحتواء العسكري لتهديد الجماعات المتطرفة وتهيئة الظروف الملائمة للتقدم السياسي تحت ستار اتفاق السلام المالي والحلول الأمنية، وذلك بفضل تجديد قوات الأمن والدفاع المحلية. ولكن أظهر نهج بناء القدرات الذي اتبعته بعثة الاتحاد الأوروبي في مالي نتائج متواضعة في ظل غياب الإصلاح السياسي، بينما ظل تنفيذ اتفاق السلام أو غيره من أشكال التغيير السياسي غير ملموس.

 

القوات الخاصة «تاكوبا»

أعلنت دول أوروبا وفرنسا عن «تاكوبا» لأول مرة في قمة عقدتها فرنسا ودول الساحل الخمس (موريتانيا، مالي، النيجر، تشاد وبوركينا فاسو)، يوم 13 يناير (كانون الثاني) 2020. في مدينة «بو» بالجنوب الفرنسي، وهي القمة التي أعلن فيها أن تنظيم «داعش في الصحراء الكبرى» أصبح العدو الأول لفرنسا والأوروبيين في منطقة الساحل، وبالتالي تشكيل تحالف دولي لمواجهته.

بدأت فرنسا يوم 26 يناير (كانون الثاني) 2022 مشاورات مع شركائها الأوروبيين المشاركين في تجمع القوات الخاصة (تاكوبا) في مالي بينما يطالب المجلس العسكري الحاكم في أوج مواجهة مع باريس، برحيل الجنود الدنماركيين.

مع انتشار التمرد «الجهادي» عبر منطقة الساحل، تستجيب دول الاتحاد الأوروبي لدعوة فرنسا لزيادة انتشار القوات في المنطقة. العناصر المساهمة هي من وحدات القوات الخاصة النخبوية في كل بلد من دول أوروبا، تعمل مع القوات الفرنسية النظامية المنتشرة منذ عام 2013 كجزء من عملية برخان. وأرسلت ألمانيا بلجيكا والدنمارك وهولندا والنرويج واليونان وإيطاليا ودول أخرى أرسلت قوات خاصة إلى مالي. وبعد قرابة سبع سنوات، أعلن الفرنسيون نهاية «برخان»، وإطلاق تحالف دولي لمحاربة الإرهاب في المنطقة، يرتكز حول قوة خاصة أوروبية يقودها الفرنسيون ويشكلون عمودها الفقري، تحمل اسم «تاكوبا» وهي كلمة تعني «السيف» بلغة التاماشق التي يتحدث بها الطوارق.

 

هناك ثلاثة عوامل رئيسية تفسر قرار تقليص الوجود الفرنسي في منطقة الساحل

ـ وقوع انقلابين عسكريين في مالي في أقل من عام، كلاهما بقيادة العقيد عاصمي غويتا، الذي أُعلن رئيسا في 28 مايو (أيار) 2021. وكانت هناك أيضا وفاة إدريس ديبي، رئيس تشاد، في أبريل (نيسان) 2021. وحل محله ابنه بعد فترة وجيزة.

ـ خروج مظاهرة في باماكو خلال شهر يناير 2021، احتجاجا على الوجود العسكري الفرنسي في البلاد.

ـ انطلاق الحملة الانتخابية الرئاسية الفرنسية لعام 2022 في وقت مبكر من عام 2017. خلال الحملة الرئاسية الأخيرة.

 

غياب تام لاستراتيجيات جادة لاحتواء ومحاصرة وتحجيم قدرات التنظيمات العنيفة بإفريقيا

 

النفوذ الروسي في غرب أفريقيا

أثار الكرملين قلق صانعي السياسة الغربيين في السنوات الأخيرة من خلال ملء الفراغات السياسية واستغلال «إخفاقات» أو انسحابات الولايات المتحدة والدول الأوروبية. ترعى موسكو مخاوف وطموحات الأنظمة المحلية، وتحاول إثراء نفسها على طول الطريق. في حين أن النشاط الروسي هو جزء من حملة أوسع نطاقا لوضع القوة العظمى، فإن معظم سياساتها متجذرة في الانتهازية أكثر من كونها استراتيجية كبرى. يمكن وصف النفوذ الروسي بأنه كبير في كثير من النواحي في الدول التي مزقتها الحرب في أفريقيا، نشرت موسكو قوات عسكرية واشتركت مع جهات فاعلة خارجة عن متناول الغربيين، مما جعل نفسها وسيطا مهما للسلطة.

دفع التراجع الأميركي الجزئي عن دعم الدول الأفريقية القوى العالمية الكبرى الأخرى المتنافسة معها، وخاصة روسيا، إلى السعي للعودة إلى عهدها السابق خلال فترة الاتحاد السوفياتي التي كانت لروسيا اليد العليا فيها. بدت الرغبة الروسية جامحة في ترسيخ موطئ قدم جديد في القمة الروسية الأفريقية التي عقدت في مدينة سوتشي الروسية 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2019. والتي تناولت تعزيز أواصر العلاقات الروسية الأفريقية في مختلف المجالات الاستراتيجية والسياسية والأفريقية

وقع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عام 2019 صفقات مع موزمبيق تضمنت فرصا للموارد للشركات الروسية، لكن عدم الاستقرار في شمال البلاد أوقف التقدم. ولغرض ملء الفراغ الأمني، قدمت «فاغنر» مجموعة متنوعة من الخدمات للدول بعد أن خسرت الدعم الاقتصادي والعسكري من الولايات المتحدة وأوروبا ودول أخرى. بالنسبة لفاغنر وروسيا بشكل عام، تعد مالي منفذا مهما آخر في التوترات الاستراتيجية المتنامية مع الغرب.

 

النتائج

من المرجح أن تستفيد الجماعات المتطرفة من التهميش الاقتصادي والسياسي في المناطق الواقعة خارج مناطق سيطرة الحكومات المحلية إلى التجنيد وإنشاء ملاذات آمنة جديدة. وأدى تمدد التنظيمات المتطرفة في غرب أفريقيا، إلى نزوح مجموعات من السكان من مناطقها وهو اتجاه من المرجح أن يتزايد مستقبلا حيث تسعى هذه الجماعات المتطرفة في غرب أفريقيا إلى فرض سيطرتها على مناطق جديدة لاستغلالها من أجل الإمدادات.

يحتاج شركاء دول غرب أفريقياـ الساحل الأفريقي إلى إعادة تقييم مهمة انتشارهم وأن يكون لها دور في مناطق النزاع بشكل أكثر، مع تزايد انعدام الأمن في مناطق جديدة.

يبدو أن روسيا تستخدم «فاغنر» لاجتياح وملء الفراغ منذ عام 2019 وتم جذب مجموعة فاغنر وعلى الأرجح إلى منطقة كابو ديلجادو الغنية بالغاز الطبيعي في موزمبيق بحثا عن عقود محملة بامتيازات موارد للشركات الروسية.

كانت جهود كل من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في منطقة الساحل الأفريقي تقوم لتعزيز الدول من خلال التدريب العسكري وهي بالأحرى لم تكن على قدر كبير من الفاعلية. كانت القوات العسكرية التي دربها الغرب تقف وراء الانقلابات المتتالية في مالي وخلقت مباشرة فراغ السلطة في أجزاء من البلاد حيث سيطرت الجماعات المتطرفة.

إن دحر التطرف والإرهاب، يحتاج لفهم السياقات العرقية والاجتماعية والدينية والسياسية والاقتصادية التي تعمل فيها الجماعات المتطرفة، من خلال استغلال المظالم الاجتماعية واستثمار الفراغ السياسي والأمني لصالحهم. ولكي تنجح سياسات مكافحة الإرهاب والتطرف على المدى الطويل، بما في ذلك برامج الوقاية، يجب فهم وسائل وأساليب عمل الجماعات المتطرفة في الاستقطاب والتجنيد.

لتحقيق الاستقرار في البلدان المتضررة من الإرهاب، يجب على الأطراف الدولية والإقليمية، تحويل تركيزها الأساسي من الهزيمة العسكرية للجماعات المتمردة إلى معالجة سوء الإدارة والمساعدة في التنمية، لذا يجب أن تكون الحلول سياسية واقتصادية بقدر ما هي عسكرية.

 


مقالات ذات صلة