«لبنانيو داعش» في العراق بين «الفبركة» و«التوريط».. فهل يتم كشف الغموض؟

الأهالي يرفضون تهمة الإرهاب ويتساءلون كيف وصل أبناؤهم إلى العراق
صنفت مدينة طرابلس من أفقر المدن على ساحل المتوسط

بيروت: بين ليلة وضحاها، تصدّرت قضية «لبنانيي داعش» أحداث بلد «منهك»، أبوابه مشرّعة على كل السيناريوهات، في ظل «بيئة خصبة» فرضتها ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية، جعلت من كل مدينة أو قرية فيه، ساحة لتغلغل أصحاب المشاريع «المتخفية» بشعارات خلاص الشباب من الجحيم.


«لا دخان من دون نار»، مقولة تجسّدت واقعا منذ أيام بعد الإعلان عن مقتل لبنانيين في العراق بالضربة الجوية التي استهدفت خلية لداعش في محافظة ديالى، وذلك عقب أخبار تم تداولها منذ أكثر من شهرين عن فرار شبّان من مناطق الفقر في مدينة طرابلس شمالي لبنان والتحاقهم بالتنظيم، في مسلسل غموض واتهامات بـ«فبركة» و«توريط»، ينتظر جوابا من دولة «غائبة عن السمع» لتوضيح الصورة للأهالي كما الرأي العام وكشف خيوط من «حقيقة» لا تزال في مهب التحليلات والتكهنات.


تساؤلات لا أجوبة عليها، وفك «شيفرة» لغز ما حصل، رهن تخطي أهالي الشبان لصدمة ما اعتبروا أنه يندرج في إطار «تلفيق ملفات أمنية» لأبناء مدينة معروفة بخطها المعادي لإيران وأدواتها في لبنان.

معلومات متضاربة.. فصدمة يخرقها صمت «مريب»
بدأت قصة هؤلاء الشبان منذ أكثر من شهرين مع إبلاغ ذويهم الأجهزة الأمنية اختفاءهم من بيوتهم دون معرفة الأسباب، لتستفيق مدينة طرابلس التي حوّلتها الظروف المعيشية، كما كل بقعة في الوطن العليل إلى بؤرة للجوع والبطالة، على صدمة خبر دمغ شبابها بتهمة «الإرهاب» وتخوّف من تلفيق ملفات أمنية قد تُفبرك لهم أو سبق أن فُبركت ضدّهم بهذا الأمر.


خيّمت أجواء «الغضب» في أنحاء الفيحاء على الدولة وأجهزتها التي لم تُحرّك ساكنا تجاه قضية يبدو أنها مفتوحة على كل الاحتمالات، بعد تداول معلومات نحو 70 شخصا تم تهريبهم إلى سوريا ثم العراق، إما عبر البر أو جوا إلى تركيا ثم سوريا وبعدها إلى العراق، بقيادة «مافيات» تتواصل معهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتهدّدهم بوجود ملفات إرهابية ضدهم لدى الأجهزة الأمنية لدفعهم إلى القيام بذلك، وأخرى تُرجّح أن يكون إغراء الدولار عنصر جذب لهؤلاء الشباب للقتال بسبب الضائقة الاقتصادية والمالية التي تحاصرهم.

صورة للشابين اللذين قتلا في العراق


فصول القضية طالت عدد القتلى، فالتضارب لم يحسمه أي موقف رسمي، فإلى جانب الثلاثة عمر وبكر وأنس من آل سيف من وادي النحلة، هناك معلومات عن مقتل شاب من عائلة السيد وشابين من عائلة شخيدم، بالإضافة إلى مقتل شابين قبل مدة.

الأهالي ينتظرون «الجواب الشافي»
«كيف وصل للعراق»؟ سؤال يطرحه محمود سيف شقيق الشاب بكر الذي لم تتحرّك الأجهزة الأمنية لكشف ملابسات قضية غاب التعاطي الرسمي الجدي معها، وسط تساؤلات عن معرفة السلطات العراقية أسماء الشباب ونشرها، على الرغم من أنهم ينضوون كما قيل تحت لواء داعش، فالسلطات اللبنانية لم تتعاط جدّيا مع المسألة، ولا معلومات دقيقة حول العدد والأسماء ولا اتصالات مع الجانب العراقي.

أثناء تلقي أهالي الشباب العزاء بأبنائهم


«لا تندهي ما في حدا»، هكذا يمكن اختصار واقع «ضبابي» جعل من الأهالي بحالة صعبة، يتقبلون العزاء برحيل أبنائهم من المعارف والأقارب، وينتظرون في الوقت عينه أن يتواصل معهم أي جهاز أمني لمعرفة ما حصل، هم كما يقول محمود «يريدون الحقيقة، فهناك شبان وصلت أخبارهم بأنهم ماتوا، وآخرون اختفوا قيل إنهم في العراق يقاتلون مع داعش، فمن ورّط هؤلاء وسهّل وصولهم إلى العراق، إن كانت الرواية حقيقية؟».


أسئلة يطرحها الأهالي ولا جواب عليها، تماما كما علامات استفهام حول «كيف يمكن لهؤلاء الشبان الوصول إلى العراق عبر سوريا من مناطق يسيطر عليها النظام وإيران؟ وكيف تمكنوا من عبور الحدود السورية واللبنانية؟ وهل الأجهزة الأمنية اللبنانية مشاركة فيما حصل؟».

«الشوكولا حضرها بنفسه».. فكيف وصل العريس بكر إلى العراق؟
«لا نعترف بأن أخي بكر داعشي»، هكذا يختصر محمود موقفه بنبرة غضب، فالعريس بكر حضّر شوكولا عرسه الذي كان محددا في 25 فبراير (شباط)، فكيف أصبح في العراق؟.


يروي محمود قصة أخيه بكر لـ«المجلة»؛ «الذي كان قد سُجن في سن الـ13 عاما بقضية إرهاب، إلا أنه خرج وانخرط في المجتمع بشكل طبيعي، وصولا إلى اليوم الذي طلب من والدته تجهيز الغداء واختفى بعدها، إلى أن وردهم اتصال هاتفي من مخفر المنطقة يؤكد لهم أن بكر موقوف لدى الأجهزة الأمنية بسبب وثيقة اتصال (وثائق الاتصال لمن هم موضع شبهة أو تورط في جرائم أو أعمال أمنية أو مخالفات وقد تم إلغاؤها عام 2014 بمرسوم مجلس الوزراء) واستمر موقوفا عشرين يوما وذلك بعد تأكيدات من الأجهزة الأمنية وأحد النواب، إلى أن تفاجأت العائلة بأنه في العراق».


ويسأل محمود: «كيف وصل بكر إلى العراق والدولة قالت: إنه موقوف لديها، وكيف يختفي لدى الأجهزة الأمنية وبعدها يظهر في العراق؟»، مشددا على أن «الشكوك تتزايد وننتظر أجوبة من قيادة الجيش ووزارة الداخلية والأجهزة الأمنية اللبنانية لمعرفة ما حصل».

لماذا يتم ربط اسم طرابلس بالإرهاب؟
ليست المرة الأولى التي ترد فيها أنباء عن مقتل شبان من طرابلس أو من الشمال في العراق أو سوريا، لأن هناك عددا من هؤلاء الشبان قد التحقوا بصفوف تنظيم داعش وأصبحوا جزءا من منطومته الأمنية والقتالية وبالتالي كما يسقط من جنسيات أخرى يسقط من الجنسية اللبنانية أعداد من القتلى، هذا ما يؤكده الكاتب اللبناني والخبير في شؤون الحركات الإسلامية أحمد الأيوبي، ويقول لـ«المجلة»: «طرابلس مستهدفة من المنظومة الإيرانية ومن النظام السوري لتشويهها دائما بالإرهاب، فقضية تنظيم فتح الإسلام الإرهابي خرج عناصره وقائده من السجون السورية، وأدخلوا إلى لبنان في مهمة واضحة هي مهمة تشكيل هذا التنظيم بحيث جرى تدمير مخيم نهر البارد، وهو عمق أساسي للقدرات القتالية الفلسطينية الدفاعية في مناطق السنة، وأيضا تم تسجيل صدام كبير مع الجيش اللبناني سقط بنتيحته مئات الشهداء والجرحى، وهذا من شأنه أن يترك جراحا خطيرة بين الجيش وأبناء عكار، ولكن في الواقع قام أبناء عكار بتشكيل مجموعات انضمت إلى الجيش للقتال ضد هذا التنظيم الإرهابي وإثبات أن الجيش هو حاضنها وليس الإرهاب، والإرهاب ليس له حاضنة أبدا في الوسط السني».

ماذا عن التوقيت السياسي
يجزم الأيوبي بأن «إيران دخلت في مرحلة جديدة من المواجهة مع العالم، فمن جهة خسرت في انتخابات العراق عن طريق خسارة ميليشياتها، وهي تحاول «تخريب» العملية السياسية اللاحقة من انتخاب رئيس البرلمان العراقي واستهداف رئيس الوزراء الكاظمي والسفارة الأميركية ومطار بغداد عبر اتباعها في العراق، بالإضافة إلى خسائرها الكبيرة في اليمن حيث الحوثيون يتقهقرون تحت ضربات التحالف العربي وخصوصا بعد دخول لواء العمالقة وعودة الإمارات العربية المتحدة إلى ساحة المواجهة».


هذه الخسائر، يُضاف إليها وفق الأيوبي أن «حزب الله في لبنان أصبح حزبا منبوذا بسبب مسؤوليته عن الكوارث الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي يعاني منها اللبنانيون، وكل هذه الوقائع دفعت بالحرس الثوري الإيراني إلى إعادة تنظيم وتشكيل مجموعات داعشية وتحريكها في المنطقة، فالإيرانيون يريدون إيصال رسالة إلى أميركا والغرب بأنهم هم الذين يصلحون لمحاربة الإرهاب من جهة، وللحكم من جهة أخرى، وأن أهل السنة لا يصلحون لا للحكم ولا للحالات الدفاعية عن النفس بل هم إرهابيون».


ويلفت الأيوبي إلى أن «هذه هي الدعاية الإيرانية على مدى عقود يجري تجديدها الآن عبر إحياء جزء من تنظيم داعش عبر مهمات محددة تخدم النظامين السوري والإيراني، فالمؤشرات الجديدة وما جرى في الحسكة حول السجن الذي حاول تنظيم داعش اقتحامه وتحرير السجناء وانضمامهم من جديد إلى صفوفهم، هو تكرار لما جرى عشية إطلاق تنظيم داعش عندما فُتحت أبواب السجون وأُطلق آلاف من عناصر هذا التنظيم وتُركت آليات الجيش العراقي والمصرف المركزي في الموصل بأمواله وذهبه بين يدي هذا التنظيم لكي تحدث هذه الطفرة الخطيرة التي أوصلت إلى احتلال جزء كبير من سوريا والعراق».


ويخلص الأيوبي إلى أن «إيران تريد الآن إعادة دفع داعش إلى المشهد من أجل إزاحة أذرعها الإرهابية في المنطقة لتشتيت الانتباه عن حقيقة الدور الإرهابي للحرس الثوري الإيراني في المنطقة العربية».

هل الظروف الاجتماعية والضائقة المعيشية تلعب دورا في ذلك؟
تلعب الظروف الاقتصادية الصعبة والأزمة المعيشة دورا كبيرا في دفع الناس إلى حالات التطرف، ولكن وفق الأيوبي «هذه ليست قاعدة عامة، فهناك من يتمتعون بقدرات مالية كبيرة وينضمون إلى التنظيمات الإرهابية كما حصل مع أسامة بن لادن وغيره من الأثرياء الذين أصبحوا رموزا في هذه التنظيمات، لكن بالإجمال فإن الظرف الاجتماعي محل استغلال من قبل هذه المجموعات الإرهابية التي تتابع على مواقع التواصل الاجتماعي شبانا في أعمار محددة وتدرس ظروفهم الاجتماعية وتراقب خطابهم الشخصي وأحوالهم العائلية والنفسية، ثم تقوم بفرزهم والتواصل معهم للبدء بعملية غسل دماغ، مرفقة بتقديم دفعات مالية لهؤلاء، لإقناعهم بالخروج من مجتمع يصورون لهم أنه كافر لا يمكن العيش فيه».


ويشدد على أن «هناك حاجة لاستراتيجية متكاملة أمنية دينية فكرية واقتصادية تنموية، لمواجهة التطرف والإرهاب، إذ إنه لا يمكن بالأمن وحده مكافحة الإرهاب بل يلزم ذلك خطاب ديني تقوم به دار الفتوى، وتلتف حوله الجمعيات والحركات الإسلامية، لإقامة حزام آمن في وجه هذا الفكر المنحرف الذي يضرب المجتمع».