الشابتان بسنت وهايدي... و«حذاء سندريلا»

ترعبني مصطلحات بحجم «ضجت مواقع التواصل الاجتماعي»، و«تصدّر هاشتاغ» حول قصة أو قضيّة ما، توسّع مخيلّتي إلى حدّ أنني أتوهّم بأنّ شيئاً كبيراً ما سيحدث!

في كل مرّة أتصفّح التعليقات، أغوغل بيني وبين نفسي الآراء المتعدّدة حول القصة، عادة أحتفظ برأيي لنفسي ونادراً ما أشارك بها أصدقائي الحقيقيين والافتراضيين منّهم على منصّات التواصل، أزور بروفايل صاحب القصّة، أدقق في صوره، وصور وتعليقات متابعيه وأسأل: أين كان كل هؤلاء وكل هذا التضامن قبل وقوع الكارثة؟ ولماذا تنفجر المشاعر فجأة بعد حلولها، وما قيمة وجدوى ذلك؟

انتحار فتاة بسبب «ابتزاز وصور مفبركة». يمرّ هذا الخبر علينا كغيره من الأخبار. بزخم فور انتشاره ولكن سرعان ما تهدأ الأمور. بل الأصحّ أن هذا الزخم تسلبه قضية أخرى كالضجّة حول مشهد في فيلم، خبر من هنا وآخر من هناك، هي موجة أو ما بات يعرف بـ«تريند»!

يقول المثل الشائع «الجمرة لا تكوي إلا صاحبها»، فكيف حال قلب أمّ بسنت وأبيها وعائلتها وكل منّ أحبّها؟ من يخمد النيران التي ستبقى تلهبها أسئلة فلان ونظرات آخر؟ وماذا عن أمّ هايدي وشقيقتها وصديقتها والجارة التي قيل إنها زغردت أمام الجميع عندما تخلصت هايدي من حياتها؟

شارك عدد كبير من روّاد مواقع التواصل بهاشتاغ «حق بسنت لازم يرجع». حملات واسعة من التضامن والشجب بعد ما قيل عن قيام عدد من الشبّان بتركيب صور لها من خلال تقنية الفوتوشوب ونشرها على «فيسبوك»، للضغط عليها لقبولها بإقامة علاقة معهم، الأمر الذي دمّرها نفسياً فقرّرت الرحيل.

«لم تتحمل الفتاة التبعات الاجتماعية» لانتشار تلك الصور في قريتها، فأقدمت على إنهاء حياتها، تاركة خلفها رسالة وداع، وفق ما ذكرته وسائل إعلام عدّة.

«ماما يا ريت تفهميني أنا مش البنت دي وإن دي صور متركبة والله العظيم وقسماً بالله دي ما أنا، أنا يا ماما بنت صغيرة مستهلش اللي بيحصل لي ده أنا جالي اكتئاب بجد، أنا يا ماما مش قادرة أنا باتخنق، تعبت بجد».

بهذه الكلمات ودّعت بسنت ابنة الـ17 عاماً، بتناولها مواد سامّة، هذا العالم وتعاطف معها الجميع. وبالكلمات نفسها كان يمكن لبسنت أن تبقى على قيد الحياة لشرح ما حصل، مع فارق بسيط «ستخسر سندريلا حذاءها عند الساعة 12 منتصف الليل»!

شقيقة بسنت كشفت في حديث لها أن شقيقتها عانت من أزمة نفسية قبلها بأيام، بسبب تعليقات صديقاتها، وكذلك أحد المدرسين قال لها وسط زملائها: «بقيتي مشهورة يا بسنت»، مشيرة إلى أن بسنت ليست أول ضحية لهذين الشابين، إذ سبق لهما وابتزا فتيات أخريات.

وعن هايدي، الرواية نفسها مع اختلاف الأسماء. طالبة بالصف الأول الثانوى التجارى، توفيت بتناول قرص من «حبوب الغلة» السامّة، وتخلصت من حياتها إثر تعرضها لحالة من الاكتئاب الشديد عقب نشر صور مفبركة لها على إحدى صفحات «فيسبوك».

نرمين الشقيقة الكبرى للطالبة هايدى، قالت إن جارتها ونجلتها السبب فيما وصلت إليه شقيقتها، بقيامهما بسبب خلافات الجيرة بإرسال صور خاصة لها إلى شابين وقاما بتداول تلك الصور على صفحات التواصل الاجتماعى.

وتلقت منها مكالمة قبل وفاتها بساعة تطلب منها رقم صديقتها، وبعد دقائق فوجئت باتصال «الحقي أختك بتموت»، وانهمرت فى البكاء..«أختي قررت تنهي حياتها بنفسها بعد تدميرها من جارتنا ونجلتها، بسبب خلافات الجيرة».

ما أفصحنا في الكذب. وما أقبح حقيقتنا حين نعود إليها. نظهر رقينا في منصّات التواصل، نطالب بالعدالة والقصاص من المجرمين، تشمئز أنفسنا من الظلم، ثم نصحو لنمارس حياتنا مقتنعين بأنّه لو كانت بسنت أو هايدي فرداً من عائلتنا أو إحدى صديقاتنا أو أو... لتحوّل هذا التضامن إلى تساؤلات واتهامات وتحليل وإدانة.

أعلم جيداً أن المشكلة ليست في أنّ تدقّ الساعة الثانية عشرة وتعود الأشياء إلى سابق عهدها، فترجع العربة قرعة، والجياد فئراناً، والخدم سحالي، والفستان ثياب مطبخ ممزقة، وتخسر سندريلا حذاءها..المشكلة:متى سنكون نحن؟ متى سنشبه أولئك الذين نمثّل أدوارهم في المسرح الافتراضي؟َ!