كتاب أميركي: تمازج العرب والمكسيك، في كاليفورنيا

كتاب «طرق عربية»

واشنطن: خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر، بدأت موجات المهاجرين العرب، ومعظمهم ما يعرف اليوم بسوريا، ولبنان وفلسطين، إلى كل من أميركا الشمالية، وأميركا الجنوبية. وبينما اندمج العرب في كل منطقة تدريجيا مع السكان الأصليين ومع ثقافة السكان الأصليين، يوضح هذا الكتاب اندماجا مختلفاً بين عرب ومكسيكيين في كاليفورنيا.


كتاب «طرق عربية» كتبته سارة غوالتيري، أستاذة الدراسات الأميركية والعرقية، ودراسات الشرق الأوسط، في جامعة جنوب كاليفورنيا (يو إس سي). وكانت حصلت على الدكتوراه في تاريخ الشرق الأوسط من جامعة شيكاغو. وكان كتابها الأول هو: «بين العربي والأبيض: العرق والإثنية».


ركز الكتاب، في قصصه، وفي تحليلات القصص، ليس على اندماج المهاجرين العرب مع الأميركيين، ولا مع سكان دول أميركا الجنوبية، مثل البرازيل والأرجنتين وفنزويلا. ولكن على اندماج معين: بين عرب ومكسيكيين في ولاية كاليفورنيا.


واحدة من هذه القصص عن منصور نهرا، الذي هاجر من لبنان إلى الولايات المتحدة في بداية القرن العشرين. لكن، قبل أن يستقر مع عائلته في لوس أنجليس، مر بدول أخرى، وبثقافات أخرى، وبجنسيات أخرى.


وعندما تذكرته بنته، فيرا نهرا طموس، تذكرت صراعاته، الواضحة والخفية مع هويته. وتذكرت «سيريانا» المكسيكية، التي استأجرها والدها لمساعدة والدتها في تربية الأطفال وفي عمل المنزل.


تذكرت أن «سيريانا» كانت تتحدث مع الأطفال بالإسبانية، رغم أن الأطفال ولدوا في الولايات المتحدة، في ولاية كاليفورنيا. وإذا كان التفاهم بين الأطفال والمكسيكية معقدا، لم يكن كذلك بين والدها والمكسيكية. وذلك لأن والدها كان يجيد اللغة الإسبانية أكثر من إجادته للغة الإنجليزية.


في الكتاب، تتذكر ابنته «فيرا»، في مقابلتها مع مؤلفة الكتاب، كيف اندمج والدها في الثقافة المكسيكية. وقالت: «أوه نعم، كان والدي مكسيكياً!» هذه إشارة إلى كيف تغير الوالد منذ أن ترك مسقط رأسه: كوبيه، بالقرب من حمص.


لكن مكسيكية الوالد كانت قد بدأت قبل أن يستقر في كاليفورنيا. كان قد قضى بضع سنوات في المكسيك. وعندما قرر الهجرة إلى كاليفورنيا، وعبر الحدود الأميركية المكسيكية، كتب في وثيقة الحكومة أن اسمه الأول إما «منصور» العربي، وإما «مانويل» المكسيكي.


في لوس أنجليس، انضم نهرا إلى جالية كبيرة من المهاجرين العرب. كان من بينهم ساور هالال، أخو «شفيقة»، زوجته. وكان من بينهم أنطونيو نهرا، ونعوم نهرا، أخواه.


عاشت الجالية العربية في لوس أنجليس مع جاليات أخرى. مع مكسيكيين، ويونانيين، وروس، وإيطاليين، وغيرهم.. لكن، كان تأثير المكسيكيين على عائلة نهرا أكثر من تأثير الأجناس والأعراق الأخرى.


يقول الكتاب: «كان نهرا تاجراً، ويتحدث اللغتين الإسبانية والإنجليزية، واستطاع، بسبب مكسيكيته، أن يندمج أكثر مع مكسيك ضواحي شرق لوس أنجليس. كانوا يفضلون متجره، متجر بيع الأثاث. وكان هناك زبائن عرب وأميركيون. وكان كل من يدخل المكان يسمع لغات عربية وإسبانية وإنجليزية. وكانت، كلها تقريبا، لا تخلو من لكنات من لم يتربوا على لغة أصلية».


قصة الكتاب عن نهرا جزء من تحليل لهذه الظاهرة عن الاندماج بين عرب ومكسيكيين في ولاية كاليفورنيا. وقال الكتاب إنها «محاولة لفهم معاني تحركات منصور نهرا عبر العالم. تحركات رجل من جبل لبنان، وصلت مرحلة بعده عن لبنان أن بنته قالت عنه: «مكسيكيته في أعماق قلبه».


إذا كانت التناقضات والمشاكل المتعلقة بتغيير دولتين، وثقافتين، وهويتين موضوعا ليس سهلا، فما بالك بتناقضات ومشاكل تغيير ثلاث دول، وثلاث ثقافات، وثلاث هويات.


في أوراق التجنس في الولايات المتحدة، كتب نهرا أنه «سوري»، لكنه تخلى في الأوراق نفسها عن جنسيته المكسيكية التي حصل عليها عندما كان في المكسيك. غير أنه، بعد أن أصبح مواطنا أميركياً، استمر في كونه مكسيكياً، بل زاد.


يطرح الكتاب ثلاثة أسئلة عن نهرا: «كيف غيرته السنوات التي قضاها في المكسيك؟ كيف أثر عليه تخليه عن الجنسية المكسيكية؟ كمتحدث للغة الإسبانية، ما أنواع العلاقات التي أقامها في لوس أنجليس؟».


وأجاب الكتاب: «زادت مكسيكيته في لوس أنجليس». وأضاف الكتاب أن ابتعاده عن أصله العربي تجلى حتى داخل متجره، متجر الأثاث. مال نحو موظفيه المكسيكيين أكثر من الموظفين العرب. مثل أديلا مازون، المكسيكي الذي هاجر إلى الولايات المتحدة. عندما تزوج مازون، كانت نهرا «وزير العريس». وصحب معه «سيبريانا»، خادمته المكسيكية.


وهناك قصة رفيق هالال، شقيق «شفيقة»، زوجة نهرا، والذي عانى من مشكلة الهوية (أو قل لم تهمه المشكلة) مثل نهرا. عبر رفيق الحدود من المكسيك إلى الولايات المتحدة مع زوجته «خوانا كوري» من عائلة مكسيكية لبنانية. لكن في الولايات المتحدة، عندما كانت لا تزال مواطنة مكسيكية، غيرت اسمها إلى «جيني خوري»، لأنها، وسط الجالية العربية القوية، وجدت أن «خوري» أكثر عربية من «كوري».


وعندما تقدمت للحصول على الجنسية الأميركية، لم تغير فقط تهجئه اسمها الأول، واسم عائلتها فقط، بل، أيضا، كتبت أن عرقها العنصري «سوري»، وأن جنسيتها «مكسيكية»، وأن لغتها «إسبانية». ثم تركت «خورى» و«كورى» وأعلنت أن اسم عائلتها هو «هالال»، اسم عائلة زوجها.


وهناك قصة كاترينا سعادة، الفلسطينية التي ولدت في بيت لحم. كانت صغيرة عندما قضت العائلة بضع سنوات في روسيا. وعندما عادت الأسرة إلى فلسطين، وبلغت كاترينا سن الزواج، عاد إميليو كاباندي (أصل الاسم هو «قبانى») من المكسيك إلى فلسطين بنية الزواج من امرأة عربية. كان مهاجرا من الجيل الثالث، وقرر العودة إلى أرض أسلافه بحثا عن زوجة.


التقى كاباندي مع كاترينا سعادة، وتزوجها، وعاد بها إلى المكسيك.


عندما توفي الزوج في حادث قطار، هاجرت الأرملة إلى كاليفورنيا. هذه المرة، تطور صراع الهوية العربية المكسيكية إلى صراع هويات أكثر: كانت كاترينا تتحدث العربية، لغة والدتها، والروسية، لغة سنواتها في روسيا، والإسبانية، لغة سنواتها في المكسيك، والإنجليزية، لغة وطنها الجديد.


ومع تعدد اللغات، تعددت ثقافاتها وعاداتها، وطرق تفكيرها. حتى قالت عنها «كاثى» حفيدتها: «تعيش جدتي في خمسة عوالم».


وخلص الكتاب إلى أن تغيير الهويات ربما ليس تناقضا، بل تطور إيجابي. وليس مشكلة عند أصحاب هذه الهويات المتغيرة بقدر ما هو مشكلة عند غيرهم، وخاصة الباحثين والأكاديميين، والمنظرين.


وأضاف الكتاب أن «تنقلات كاترينا، وأوطانها الكثيرة، وعائلاتها المتشابكة، هي صورة من صور حياة المهاجرين العرب في كاليفورنيا: أعراق متنوعة، ونماذج اقتصادية ناجحة، وتراث تاريخ قديم، وبعيد، مع الشرق الأوسط وأميركا اللاتينية..».