لبنان ومسألة التطبيع مع إسرائيل

كثر في الآونة الأخيرة الحديث عن موضوع تطبيع العلاقات بين لبنان وإسرائيل، خاصة بعد الكلام عن إمكانية التوصل إلى شراكة تؤمن توزيع الأرباح بين البلدين من عائدات استخراج الغاز في المناطق المتنازع عليها جنوبي لبنان، وهي أساسا فكرة المبعوث الأميركي هوكشتاين الذي طرحها سابقا كحل للنزاع بين البلدين.

 

هذا الكلام يأتي أيضا بعد موجة من تطبيع العلاقات بين إسرائيل وأكثر من دولة خليجية عرفت بـ«اتفاق أبراهام»، وكان الظن أن لبنان، هذا البلد الاستراتيجي ضمن محور الممانعة الذي تقوده طهران في مواجهة الدول الخليجية وإسرائيل، سيلتحق بتلك الموجة.

من نافل القول إنه لا شيء من هذا القبيل ممكن. فإسرائيل التي لديها تجربة فاشلة مع لبنان في اتفاق 17 مايو (أيار) الشهير، الذي تم إسقاطه تحديدا من قبل أحد أركان الثنائي الشيعي (نبيه بري- وقوى اليسار مدعومة من الرئيس حافظ الأسد)، تعرف تماما أنه من المستحيل اليوم في ظل هيمنة نفس القوى متمثلة في حزب الله الذي يملي على البلد سياسته الخارجية ويتحدد بلسان أمينه العام من هو العدو ومن هو الصديق. هذا مع العلم أنه لم يكن لدى أمين الجميل الرئيس الماروني أي نية أو استعداد بالمضي قدما في هذا الاتفاق. فالحكمة الشائعة كانت تقول آنذاك إن لبنان آخر دولة توقع اتفاقية سلام مع إسرائيل وهذا طبعا يعود إلى رفض المكون الأساسي فيه أي اتفاقية سلام.

المضحك أن بعض من يعادون حزب الله اليوم من محللين وسياسيين وكتاب والذين يقدمون أنفسهم على أنهم تقدميون، يستعملون موضوع اتفاقية الغاز، والتي لم يتم توقيعها أو بتها حتى الساعة، كحجة لاتهام حزب الله بالسعي وراء التطبيع مع «العدو» وبكونه «مقاومة مزيفة» فيما أعداء حزب الله هم المقاومون الأصليون «لدولة الاحتلال». ولكن المشكلة ليست هنا، فهذه المنازلة الكلامية التي أصبحت من أدوات العمل لدى من يعادون حزب الله إن لم تكن الوحيدة، لا قيمة لها على مجريات الأمور في البلد.

المشكلة في موضوع التطبيع تكمن في أن لبنان ليس الإمارات العربية المتحدة، لا من حيث الشكل ولا من حيث المضمون؛ فالإمارات دولة متماسكة ذات سياسة خارجية موحدة على عكس لبنان الذي هو عبارة عن جزر مفتتة ومنقسمة تحكمها ميليشيا عدوّة لإسرائيل لا تعير اعتبارا لأي مكون آخر من خلال فرض توجهاتها عليهم.

أما في المضمون، فلبنان وعلى عكس الإمارات العربية المتحدة، على تماس مع إسرائيل، وهو عايش وتعايش مع القضية الفلسطينية ومع فلسطين إبان لجوئهم المسلح إلى لبنان على أثر طردهم من الأردن. ولأبنائهم تماس جغرافي وأواصر قربى تجمعهم حتى قبل النكبة. فليس غريبا أن يكون لقب كميل نمر شمعون رئيس الجمهورية الماروني هو فتى العروبة الأغر لدفاعه عن قضية فلسطين.

أضف إلى ذلك، أن الموارنة مقتنعون أنهم ينافسون الإسرائيليين في شتى المجالات وأنهم كدولة متعددة مذهبيا على نقيض جارتهم الذين يتهمونها بالعنصرية، لذا تحرص إسرائيل دائما على تدمير الانموذج اللبناني كما يدعون. وهم يرددون دائما أن لبنان محاط بجيران يكرهونه. لذا ليس غريبا أن ترى في لبنان اكثرية تعادي إسرائيل ولا تحبذ التطبيع.

لذلك الحديث اليوم عن التطبيع بين لبنان وإسرائيل هو امر خيالي وغير منطقي وغير قابل للتطبيق. والمقصود منه هو مجرد تسجيل نقاط في مرمى حزب الله من دون أن يكون له أي تأثير على ترتيب الدوري الوطني اللبناني.

ثم قبل أن يفكر البعض بموضوع التطبيع أو الحديث عنه أو أخذ موقف منه وكأن لبنان بلد طبيعي بمؤسسات فعّالة، أليس من الأولى الحديث عن عطب النظام فيه وآليات تطويره كي لا تكون هناك ازدواجية في مراكز القوة والقرار؟ أليس من الأولى التحدث عن الرؤية التي ستبنى عليها تلك الدولة؟ وعن أدوارها الاقتصادية التي تستطيع أن تلعبها في هذه المنطقة؟ عن احوال القوانين فيها وطرق تحديثها؟ وعن استعادة الثقة؟

طبعا يبدو أن هذا الحديث لا يجذب المشاهد المتشوق إلى الإثارة حتى لو كانت خالية من المضامين، كالصراخ والشتائم والسباب الذي قد يرضي غريزة المشاهد المغلوب على أمره من قبل قوة الأمر الواقع ولا يجد فشة الخلق إلا من خلال الإثارة.

في مسرحية «نزل السرور» لزياد الرحباني، يطلب بركات (جوزيف صقر) أحد نزلاء الفندق إلى صديقه سيزار الذي يريد أن يغير الشعب بتغيير «البنطلون» أولا، وهو ما ينطبق عل من ينادي بالتطبيع أو يوحي به اليوم، بمعنى أن الأولويات عمودية ولا يمكن القفز فوق الدرجات التي تبني الهرم؛ فقبل الكلام عن تطبيع أو سلام من أي فئة أتت أليس الواجب أن يكون هناك بلد متماسك وموحد لكي يلتزم بالاتفاقات التي يوقعها؟