خبير اقتصادي: تصاعد التهديدات بين روسيا وأميركا سيؤدي إلى خسائر اقتصادية عالمية

الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة

بيروت: وصلت التوترات بين أوكرانيا وروسيا إلى أعلى مستوياتها، لا سيما بعدما أثار تعزيز روسيا لقواتها بالقرب من حدود البلدين مخاوف من احتمال قيام موسكو بغزو جارتها والجنوح إلى حرب كبرى.

وقد أعاد الصراع بين روسيا وأوكرانيا إلى الأذهان الحرب الباردة التي تحيل اليوم أوكرانيا إلى أرض ساخنة يتأرجح مصيرها بين الحرب والسلام القلق.

إلى جانب الشق العسكري والسياسي في الأزمة الأوكرانية، فإنه يجب عدم الاستهانة بتداعياتها الاقتصادية وتكاليف السلام غير المستقر على الاقتصاد العالمي.

وأمام المخاوف من خطورة نشوب حرب كبرى، أجرت «المجلة»مقابلة مع الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة للاطلاع على تداعيات هذه الأزمة السياسية على الاقتصاد العالمي.

 

* ما هي تداعيات الأزمة الروسية- الأوكرانية على الاقتصاد العالمي، من ناحية ارتفاع أسعار النفط والغاز فضلا عن المعادن وتأثير ذلك؟

  • من المعلوم أن أسعار النفط والغاز في العالم تتأثر بحجم العرض والطلب، ومؤخرا ارتفع حجم الطلب على الغاز مع تراجع تداعيات أزمة كورونا وعودة الكثير من الأنشطة الاقتصادية إلى وضعها الطبيعي، وهذا الأمر يعني بكل بساطة عودة الطلب. وبالطبع فإن الأزمة الأوكرانية من شأنها خلق أزمة في سوق العرض، حيث تسود مخاوف من تعطل العديد من المنشآت النفطية والغازية في حال حدوث اشتباك مسلح ما يعني ارتفاع الأسعار حكما.

ومن المعلوم أن ارتفاع النفط في العالم سيكون له تأثير كبير على كل شيء، منها ارتفاع أسعار المعادن الثمينة والمواد الأولية سواء كانت صناعية أو زراعية أو غذائية، لأن النفط يدخل في إنتاج ونقل وتعليب هذه السلع والبضائع.

 

 

* ما تأثير الأزمة الأوكرانية على الأسواق المالية؟

- يجب معرفة أن هذه الأزمة الجيو- سياسية سوف تؤثر على هيكلية العرض والطلب في السوق المالية، وبالتالي فإن سوق النفط العالمية سوف تتأثر بشكل كبير، وهي السوق التي تعد أضخم سوق من حيث الحجم (دولاريا) وكذلك من حيث الكمية.

ولكن الأمور لن تقف عند هذا المستوى فحسب، فسائر الطاقات المتجددة سوف تتأثر وسيتفاقم الطلب عليها بشكل كبير، كما أن الأسعار سترتفع بالمطلق. ومن المؤكد أنه سيكون هناك أزمة ضخمة في الأسواق الدولية، لذلك يحاول اليوم الأوروبيون والأميركيون إيجاد طريقة ما لتأمين غاز بديل عن الغاز الروسي، إضافة إلى تأمين مصادر للنفط خلال الحرب (إن وقعت) منعا لاهتزاز السوق.

 

* بماذا سيؤثر قطع الغاز الروسي عن أوروبا على الاقتصاد العالمي وعلى أسواق الغاز والنفط، وهل تستطيع قطر تأمين البديل بحسب ما يروج الأميركيون؟

- ثمة خطر جوهري من إمكانية قطع روسيا إمداد الغاز عن أوروبا، (في حال فرض واشنطن عقوبات عليها)، وهذا الأمر إن حدث سيزيد أسعار الغاز في السوق. علما أن أوروبا تعتمد بنسبة 40 في المائة من استهلاكها على الغاز الروسي، ما يعني أنها ستصبح أمام أزمة كبيرة في حال لم تستطع إيجاد حلول خاصة في فصل الشتاء، علما بأن الأوروبيين يعتمدون في الاستهلاك المنزلي على الغاز.

لذلك المخاوف كبيرة، وهذا واحد من الأمور التي ترعب الأوروبيين في هذه الأزمة، علما بأن النفط هو محور الاقتصاد في العالم، وبالتالي أي ارتفاع في الأسعار قد يقضي على النمو الاقتصادي العالمي، أو على دول منفردة كبرى خاصة الولايات المتحدة والصين.

وهناك عدّة مصادر يمكن اللجوء إليها، فهناك مصادر سريعة كالجزائر الموصولة بأوروبا والتي بإمكانها تلبية الغاز للسوق الأوروبية، كذلك مصر وإسرائيل. أما قطر فقد تمت دعوة أميرها إلى واشنطن للبحث في هذا الأمر، وأعتقد أن خيار قطر هو خيار استراتيجي على المدى الطويل أكثر من كونه خيارا تكتيكيا خلال فترة الحرب.

 

* كيف سيكون تأثير الأزمة الأوكرانية على الشرق الأوسط؟

- من المعروف لدى العالم بأن أوكرانيا من أكثر الدول خصوبة بالنسبة لأراضيها الزراعية، وهي تصدر الحبوب والزيوت النباتية للدول الأوروبية خاصة. ولا شك في أن مصر ولبنان واليمن من الدول العربية التي تعتمد على أوكرانيا في استيراد القمح، حيث تعد مصر من أكبر مستهلكي القمح الأوكراني.

وتتصاعد المخاوف حول الدول غير المستقرة التي تعتمد على أوكرانيا في القمح، في ظل تفاقم الصراع الروسي الأوكراني، لأنها سوف تكون أمام تداعيات مؤلمة للغاية، فبداية ستكون هناك أزمة خبز في هذه البلاد، فضلا عن ارتفاع الأسعار على كافة الأصعدة، خاصة أن هذه البلاد وأغلب الدول العربية هي دول مستهلكة وتصلها المواد المصنعة.

عدا أنه من الممكن، في حال اندلاع الحرب، أن تتوقف التحويلات المالية للمغتربين لذويهم في بعض الدول، ما سوف يؤدي إلى تغييرات واضحة على صعيد الاقتصادات الشرق أوسطية التي لم تشفَ بعد من أزمة كورونا، وبالتالي من الممكن أن تتعرض لصدمة كبيرة جدا اقتصاديا في حال ارتفعت أسعار النفط والغاز.

 

* ما مدى تأثير العقوبات الأميركية على روسيا؟

- من المعلوم أن تجارة روسيا مع العالم تقوم على الدولار الأميركي، وبالتالي في حال فرضت واشنطن على موسكو عقوبات فستكون مؤلمة للغاية. حتى إن الرئيس الأميركي جو بايدن هدّد بأنه لن يكون هناك «نورد ستريم-2»وهو أنبوب غاز يمتد من روسيا إلى ألمانيا عبر بحر البلطيق، لذلك الأمر ليس سهلا.

باعتقادي لن تكون هناك حرب لأن روسيا سوف تتضرر اقتصاديا بشكل كبير نتيجة العقوبات الأميركية عليها، وبالتالي من الممكن أن يكون الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يستخدم هذه الأزمة كضغوطات كي يستحصل على مكاسب اقتصادية، خاصة أن روسيا هي أصلا تحت تأثير العقوبات ولكنها خفيفة. فإذا تم حرمانهم مثلا من نظام تحويل الأموال العالمي (SWIFT)، ستكون موسكو أمام صفعة كبيرة ومؤلمة. عدا عن أنه حتى تستطيع روسيا إشعال حرب يجب أن يكون لديها احتياطي كبير من العملات الأجنبية، على سبيل المثال في ديسمبر (كانون الأول) الفائت كان احتياطها بحدود الـ600 مليار دولار، وهو غير كاف لقيامها بحرب شاملة. لذا من الممكن في حال اندلاع الحرب أن تكون محدودة الأطر.


مقالات ذات صلة