«بجنونك بحبك»

«بجنونك بحبك» كان شعار الحملة التي ارتأى وزير السياحة تنشيطه في استعارة لأغنية فيروز الشهيرة «بحبك يا لبنان» والتي راجت إبان الحرب الأهلية اللبنانية، في إشارة إلى أن اللبنانيين لا يتخلون عن بلدهم رغم جنونه. والجنون هو طبعا الصفة الأقرب إلى كتاب «تاريخ لبنان منذ 1920». طبعا كان يمكن استعارة عبارة «كيف ما كنت بحبك» من الأغنية ذاتها والتي هي أقرب إلى واقع من يرفض ترك البلد حتى اللحظة. لأن الجنون الذي نعيشه اليوم وعلى المستويات السياسية والاقتصادية والمالية والاجتماعية دفعت اكثر من 400 ألف شخص حسب الإحصائيات إلى الهجرة ومعظمهم من الشباب.

وأيضا مؤخرا نشرت صحيفة لبنانية مقالة لإعلامية لبنانية تحدثت هي الأخرى عن الجنون كسبب لعلاقة حب اللبنانيين لبلدهم وأرضهم وهي فريدة من نوعها حسب تقدير الكاتبة لأنها لا تشبه العلاقة الطبيعية التي تربط مواطنا ببلده.

من الملاحظ أن هناك دائما توجها لدى البعض في وصف تعلق اللبناني بلبنان بحالة من الجنون، في محاولة، تبدو لي، للتخفيف من مراكمة الفشل جيلا بعد جيل في بناء وطن «طبيعي» يعيش فيه أبناؤه حياة «طبيعية». وفي جانب آخر هي أيضا محاولة للتفتيش عن حجة لبقاء من هو باقٍ.

الكلام عن حياة طبيعية لا يعني بأي شكل من الأشكال حياة من دون مشاكل وأزمات، لا بل الفرق هو أن يكون لتلك الأزمات أو المشاكل طرق للحل لا تشمل القتل والعنف والتهجير والمآسي والكثير من الحزن من الواضح أنها تتكرر بشكل شبه اعتيادي ودوري على البلد ومن فيه. لذا التفسير الوحيد للباقين هو الجنون الذي يدفع بالبعض القبول بفكرة أن الأزمات لا يتحكم بها هذا اللبناني أو بمساراتها وهي ليس له عليها تأثير خارج إطار الشعارات والخطب والكلام.

اليوم هناك نداء من قبل  بعض المسؤولين  إلى المجتمع الدولي والأمم المتحدة أيضا للتدخل في المساعدة على حل الأزمات المستعصية التي يمر بها البلد.

للأسف لم يكلف أحد منهم عناء السؤال ولو مرّة من أين تأتينا تلك المشاكل والمصاعب المتكررة في تاريخنا؟ لماذا حكم على اللبناني أن يعيش المآسي جيلا بعد جيل؟ لماذا عليه أن ينسلخ كل فترة عن أرضه ومدينته ويدفن مع كل انسلاخ عادات عاشها ووجوها ألفها وشوارع أحبها ليعود ويخلق ذكريات جديدة وعادات جديدة ويتعرف على وجوه أخرى وشوارع أخرى؟

اللبنانيون حاولوا أن يتأقلموا مع وضع شاذ، كالحرب الأهلية مثلا، وأن يمارسوا طقوسهم بالرغم من كل شيء، أن يتزوجوا مثلا بالرغم من المعارك الحربية، وأن ينجبوا بالرغم من القصف، وأن يعمروا بسرعة فائقة ما هدته القذائف، حتى بات يقال إن الشعب اللبناني لديه من المرونة أن يتحمل من الصعاب والألم ما لا يستطيع أي شعب آخر على تحمله، عازين هذا الأمر إلى حبّه للحياة.

ولكن إن رأينا الشعوب التي من حولنا لاستنتجنا أننا لسنا وحدنا من يمتلك قدرة التحمل في هذه البقعة من الأرض فالسوريون مع الأسد مثلا والعراقيون مع صدام قد يسبقوننا بأشواط.

تبجيل قدرة اللبناني على التأقلم وتحمّل الأزمات قد تكون هي الأخرى بسبب العجز على التحكم بمسارات حياته. فكل ما ينوي القيام به من مشاريع شخصية أو تجارية هي ضرب من المقامرة لأن نجاح هذه المشاريع يرتبط بصراعات المحيط والتي عادة ما تنفجر في لبنان.

أما القول إن الموت والحروب لم تنل من لبنان فيه إنكار للواقع. الحروب  نالت من كل اللبنانيين ومن لبنان وتركيبته الديموغرافية ومن موقعه الاقتصادي ونالت من تماسكه الاجتماعي على مدى العقود الأخيرة. فالحروب لها عواقب، ولبنان يدفع ليس فقط عواقب الحروب التي خاضها أو خيبة في أرضه، إنما أساسا فشل الآباء المؤسسين في إعطائه سببا وجوديا خارج إطار المجاملات الطائفية وخارج وصفة «الجنون» تقيه من هزات المحيط وتعطيه مناعة تمنع ارتباطه بمحور من هنا وجبهة من هناك.

الجنون لا يمكن أن يكون يوما شيئا جميلا أو صفة محببة، لأن فيه ببساطة إلغاء لدور العقل. العقل الذي وحده قد يمكّن اللبنانيين من بناء «حياة طبيعية» ودولة طبيعية فيها علاقات اجتماعية طبيعية تقوم على المواطنة والعدالة.

وأي كلام آخر هو جنون.