حكاية السينما في سوريا... عشق رحل

دور السينما تلفظ أنفاسها الأخيرة
أُدخل اختراع الصور المتحركة في سوريا عام 1912

دمشق: قضت السينما نحبها في سوريا أو لا تزال تأخذ أنفاسها الأخيرة قبل الرحيل، حزن كبير كلما تذكر السوريون الماضي، ما بين الذكريات والمقارنة والتطور الذي أزاح الشاشة الكبيرة ووجه الناس نحو الشاشة السوداء التي بين أيديهم طوال اليوم.
ضياء المصري (اسم مستعار) لرجل بلغ الثمانين يطلب من حفيده أن يأتيه بألبوم الصور في الخزانة، يفتح المجلد ويقلب الصفحات تاريخ يلخص سيرة الرجل، يصل لصور مع أصدقائه بالقرب من سينما السفراء ويستذكر معه سنين شبابه.
يقول: كنا ننتهي من العمل صباحا ونذهب للسينما جميعاً، ونشاهد أفلام «الكاوبوي» أو الأكش والمغامرات، فنمتلئ بالإثارة ونحاول تقليد الممثلين، كانت السينما بالنسبة لنا نافذة نحو عالم آخر، نطير إليه بكل ما أوتينا من قوة.
ويتابع المصري: كانت أفلام السينما تتقصد ربما أن تشعر الناس بالقوة والحب والشجاعة والإيثار ومساعدة الضعفاء وكل الأشياء النبيلة، وهذا ما يحدث فعلاً، تجد الشباب في غمرة قوة يستحدثون المشاكل وينجدون فتاة تطلب مساعدة بسبب تحرش أحد المارة بالقرب منها، حتى تجد أن قصص الحب السينمائية كانت تطلب جهداً، وأسهمت في حلحلة بعض المشاكل بين الأزواج في بعض الأحيان طبعاً وهنا في حال استطاع الرجل أن يفعل أمراً مماثلاً لما قام به البطل لمحبوبته.
بالنسبة لنتائج مشاهدة الأفلام، اختلفت كثيراً وتنوعت، حسب الأشخاص، فهنالك أفلام ساهمت بخراب أسر في حال تطلب أحد الأطراف المزيد من شريكه، وهنالك أنواع مختلفة من الطلبات ومن الطرفين، ولكن بالمختصر كانت رائحة السينما جذابة وملهمة ومنفذا للناس مع انعدام وسائل الترفيه وبقيت مسيطرة لوقت طويل حتى مع انتشار التلفزيون بحسب ما قاله المصري.
 
تاريخ السينما بحسب أحد مؤسسيها
يعتبر رشيد جلال رجلا عاش قصة السينما في سوريا منذ بدايتها، وكان أحد مؤسسيها وواضعي اللبنة الأولى لها، والذي وصف تاريخ السينما السورية بالمآسي والحسرات.
يقول: لقد أُدخل اختراع الصور المتحركة في سوريا عام 1912 حيث عرض حبيب الشماس صوراً متحركة في المقهى الذي كان يستثمره في دمشق بساحة المرجة، والذي يوضع مكانه حالياً فندق «سمير».
 كانت الآلة تُدار باليد وكان الضوء فيها يتولد من مصباح يعمل بغاز الاستيلين، وفيما يخص أول إنتاج لفيلم سينمائي في سوريا هو «المتّهم البريء» عام 1938 تلاه فيلم «تحت سماء دمشق» وتم تصويره في ربوع دمشق.
ومن أهم دور السينما التي كانت في دمشق سينما الهبرا في حي باب توما بدمشق، وسينما الكوزموغراف ، وسينما الرشيد الصيفي، وسينما رويال، والتي توقفت فيما بعد بسبب تنظيم المدن، وعدم ملاءمتها للشروط، وحين قامت الوحدة بين سوريا ومصر تم إحداث دائرة السينما ضمن وزارة الثقافة وبدأت دور السينما في الانتشار مثل سينما أوغاريت والفردوس والدنيا والأهرام ولاحقاً السفراء والشام، والتي أُغلقت جميعها اليوم باستثناء السفراء.

سينما أوغاريت في دمشق
عز الدين قرى حسن هو الوارث الوحيد لسينما أوغاريت عن أبيه، وهي الآن أشبه بالخرابة، يقول لـ«المجلة»: "لم يتم إغلاق السينما، بل التطور الحالي هو الذي ألغى دور السينما وأنهى عملها».
ويتابع: اعتبر أن دور السينما التي تشبه سينما أوغاريت، هي دور شعبية، لأنها تشمل كل فئات المجتمع، وليست للطبقة المخملية والأرستقراطية كما كانت سينما الشام، لكن هذه الدور اليوم باتت أشبه بالخرابة، وللحقيقة لقد تم إغلاق هذه الدور في البداية لسبب أخلاقي أي أنها باتت مكان خلوة لأي شاب أراد أن يختلي بفتاة، كسينما الأهرام والتي قام الأمن الجنائي بإغلاقها.
ويضيف أن التطور الذي فرضه التلفزيون والحاسوب المحمول وغيره، ساهم في تراجع السينما، لذلك فلم يعد لدينا حل، كل مساحات حياتها اندثرت، وضعف قدرة الناس على دفع قيمة التذكرة نتيجة غلاء الأفلام، والتي نجد صعوبة في جلبها والتنافس إن وجد تنافس أصلاً.

دور السينما في ساحة المرجة ومتفرعاتها


يقول قرى حسن، لا نستطيع أن نستثمر هذه الدور كأن نجعلها صالات أفراح أو صالات للمفروشات، أو حتى بيعها لمستثمرين ورجال أعمال، وذلك لأن الدولة لا تريد ذلك، تريد أن تبقيها على حالها لأنها تراث في نظرها، وقد حاولنا مراراً في ذلك، إلا أن الموضوع بيد الرئيس فقط.
ويتابع: «بدأت سينما أوغاريت عملها في السبعينات، واستمرت حتى عام 2006، وآخر 6 سنوات أي منذ عام 2000 أصبحت هذه السينما فندقاً للسكارى والعاشقين وغيرهم، أما بالنسبة للأفلام التي كنا نعرضها فكانت تتضمن الهندية والعربية والأجنبية، حيث كانت  المؤسسة تشتري تلك الأفلام وفقاً لضوابطها ونقوم بالشراء منها بمبلغ 6000 ليرة في ذلك الوقت، وسعر بطاقة الدخول 10 ليرات سورية واحدة، ثم ارتفعت لـ15 ليرة في الثمانينات، وذلك كان أوج السينما حيث كان عدد الواقفين في السينما أكثر من الجالسين على مقاعدهم حتى سينما الشام كانت من أكثر الدور جمالاً وارتياداً لها».
لا يجد صاحب سينما أوغاريت وسيلة لكسب قوت يومه رغم امتلاكه لدار سينما، ولجأ إلى بيع بعض الأشياء على بسطة، لعدم وجود أي دخل آخر.
يقول: «على الرغم من امتلاكي لدار سينما بأكمله لكن لا يمكنني تشغيلها ولا إعادة تدويرها بمهنة أخرى ولا حتى بيعها، يعني (صحيح لا تاكل ومقسوم لا تقسم وكول لتشبع)».

سينما الشام
أحد الأشخاص الأرستقراطيين من رواد سينما الشام رفض ذكر اسمه، وهو أحد مالكي معرض لوحات في دمشق شارع ميسلون جانب سينما الشام، يقول: «أول مرة شاهدت فيلم كانت في التسعينيات هو فيلم (titanic)  وكانت الأعداد كبيرة جداً ولم يكن لأي شخص دخولها كانت تحوي فقط الطبقات المخملية حيث كان سعر تذكرتها مرتفعا إلى 200 ليرة في ذلك الوقت.
ويتابع: كانت هناك أفلام عربية وأجنبية حديثة بالإضافة لإجراء حفل افتتاح أفلام مصرية ويأتي الفنانون لحضور العرض الأول.
 لم يذهب الرجل لدار سوى سينما الشام فكل شخص هو وثقافته وتلك الدور تجارية فقط لا تمت للسينما بصلة، وعن سبب إغلاقها يقول: السبب هو إعادة الصيانة فقط وهناك أخبار حول إعادة افتتاحها.

دور السينما كانت ناشطة في سوريا واليوم تلفظ أنفاسها الأخيرة


سمر إحدى موظفات فندق الشام تقول: «سينما الشام من أجمل الدور ومعظم أفلامها كانت جديدة تعرضها فور نزولها، تم إغلاقها عام 2010 من أجل الصيانة، واستلمها الآن رجل مستثمر يُدعى فواز الصالح ليعيد ترميمها وجعلها سينما عالمية لا يرتادها إلا الطبقة المخملية، وذلك يحتاج إلى ما يقارب عامين إلى ثلاثة حتى يتم افتتاحها».

سينما الكندي
عند البحث عن دور السينما في سوريا، يجد الأشخاص دورين اثنين، أولهما تلك الفعالة في الوقت الحاضر وتحمل اسم «سينما سيتي» وفيها من الأفلام أحدثها وأكثرها شهرة، وشهدت افتتاح عدة أفلام من الإنتاجات السورية، ويمكن للباحث أن يجد سينما تابعة للحكومة باسم سينما الكندي، لكن على الرغم من وجود مركزين لها في دمشق أولها وسط العاصمة وثانيها في منطقة مشروع دمر إلا أن الإقبال عليها غير موجود وذلك لأسباب عدة، أهمها عدم عرضها الأفلام الحديثة المنتشرة التي يقبل عليها الجمهور.
يقول أبو محمود المسؤول الحالي عن السينما في دمشق: «تم افتتاحها عام 1900 أخذتها المؤسسة العامة للسينما عام 1976 وجعلتها سينما الكندي، وتراجع أداؤها بسبب انتشار التكتولوجيا مما قلل من مرتادي السينما، لكن الكندي  بما حولها ما زالت تحافظ على وجود السينما في سوريا على الرغم من انعدامها، وأصبحت مكاناً لتدريب طلاب دبلوم الإخراج السينمائي التابع للمؤسسة العامة للسينما».
ويتابع: لا بد أن يكون للسينما دور أكبر من الذي نشهده حالياً ولكن الضغط الكبير الموجود في سوريا عموماً عرقل التقدم في كل مناحي الحياة وليس فقط على مستوى المرئيات، علماً أن انتشارها لا يزال موجوداً ضمن الهواتف الذكية بين الأفراد لكن الحالة الجمعية التي تمتعت بها السينما منذ نشوئها فقدت في الوقت الحالي، على أمل أن تعود لسابق عهدها ونشهد عودة الافتتاحات والمهرجانات وغيرها.

رأي آخر لسينما الكندي!
هند البني إحدى الطالبات تقول لـ«المجلة»: «السبب الأول هو قلّة المادة، وليس كما يقال إن السبب أخلاقي، وإذا كان ذلك، هل يمكن إغلاق الحدائق العامة لذات السبب بالطبع لا، وإنما يتمحور حول عدم استيراد أفلام جديدة للسينما السورية».
وتتساءل هل من أحد سيشاهد فيلماً قديماً أو يهتم به أو يدفع المال لأجله؟
وتجيب: بالطبع لا أحد، حتى التكنولوجيا وانتشارها ليست سبباً في ذلك والدليل أن الدول الأخرى لم تغلق دور السينما لديها على الرغم من انتشار التكنولوجيا فيها، لكن القرار الذي صدر في السبعينات حول منع إدخال أية أفلام إلى دور السينما في سوريا دون أن تكون قد تم شراؤها من المؤسسة العامة للسينما، فرض العديد من القيود، فلا يمكن ضبط ما تعرضه السينما لأنها ليست تلفاز، والذي يريد مشاهدة السينما فلن يجلب أطفاله معه ليشاهد فيلماً غير مخصص للأطفال، مما أدى لإغلاق هذه الدور.
فيما ترى أن دار الكندي اليوم مع توقف نشاطها السينمائي من حيث عرض الأفلام إلا أنها تقدم خدمة كبيرة لطلاب دبلوم السينما، كونها تضم الطلبة المتعلمين وكأنها مدرسة خاصة لهم، وهذا شيء إيجابي، متمنية أن يكون هناك مؤسسات لتعليم السينما أكثر وليس فقط في المعهد العالي الذي تم استحداثه من سنتين، إضافة لعودة الحالة الجمعية للسينما إلى ما كانت عليه.