كتاب أميركي: كادت واشنطن أن تغزو سوريا عام 1919

كتاب: «بين العثمانيين وتحالف الوفاق»

واشنطن: وقع أول تدخل عسكري أميركي كبير في الشرق الأوسط في أعقاب الغزو العراقي للكويت عام 1990، عندما وصل قرابة 400 ألف جندي إلى المنطقة كجزء من عملية درع الصحراء. بعد تحرير الكويت، بقي حوالي 10.000 جندي في المنطقة. ثم تضاعف العدد بعد حوالي عشر سنوات، إلى ما يقرب من 200.000 جندي، كجزء من مجموع قوات الحلفاء (300.000 جندي تقريبا)، التي غزت العراق في عام 2003.
في عام 2011، مع اندلاع الحرب الأهلية في ليبيا، قصفت القوات الأميركية، بدون إرسال قوات برية، المنشآت العسكرية للرئيس السابق معمر القذافي. وأقامت منطقة حظر طيران فوق ليبيا.
في الوقت نفسه، مع اندلاع الحرب الأهلية في سوريا، بدأت الولايات المتحدة في دعم وتدريب حوالي 10.000 مقاتل متمرد بتكلفة حوالي مليار دولار سنويًا. ثم في عام 2014، تدخلت القوات الأميركية في سوريا في عملية «انهيرت ريسولف» (عزم متوارث).  ضد المنشآت العسكرية لحكومة الرئيس بشار الأسد أولا. ثم الحملة الواسعة ضد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).
رغم أن هذا التدخل العسكري الأميركي كان أكثره من الجو، شاركت فيه القوات البرية، خاصة القوات الخاصة وقوات الكوماندوز.
وفي الأسبوع الماضي، شارك نحو 700 جندي بري أميركي في استعادة سجن كان سيطر عليه تنظيم داعش.
وحسب هذا الكتاب، كادت القوات الأميركية أن تتدخل في سوريا عام 1919. في ذلك الوقت، كانت الخلافة العثمانية تتساقط بسرعة، بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى. واجتمعت الدول الغربية الكبرى في سفيرز (في فرنسا) لتقسيم بقايا الإمبراطورية.
مع نهاية المؤتمر، استولت فرنسا على سوريا ولبنان، واستولت بريطانيا على فلسطين.
في ذلك الوقت، أرسلت منظمات للمهاجرين العرب في الولايات المتحدة وفودًا إلى فرنسا للدعوة لتحكم الولايات المتحدة في سوريا ولبنان، بدلا من فرنسا.
في عام 1918، في يوم بارد من أيام شهر يناير (كانون الثاني) في ميناء نيويورك، صعد القس أبراهام رحباني، من القادة البارزين وسط المهاجرين العرب، على متن سفينة ستنقله إلى فرنسا، كرئيس للوفد الذي سيشترك في المفاوضات حول مستقبل الدول العربية.
من بين الذين ودعوا القس، كان هناك إبراهيم خوري، ووديع شاكر.
نُشر الخبر في صحيفة «فتاة بوسطن»، وهي مطبوعة عربية كانت قد بدأت قبل ذلك بسنوات قليلة.
خلال الحرب العالمية الأولى، في «فتاة بوسطن»، ومطبوعات عربية أميركية أخرى، كتب القس رحباني، وهو مهاجر من شوير (في لبنان) آراء كثيرة عن «أميركانيزم» (الأمركة)، و«أميركان اكسبشناليزم» (الاستثنائية الأميركية). ورأى في أميركا منقذا مقدسا لدول الشرق الأوسط، توقعا لنهاية الخلافة العثمانية.
وكتب عن «النقاط الأربع عشرة» التي كان أعلنها الرئيس وودرو ويلسون. والتي دعت إلى تقرير المصير في الدول التي كانت تحكمها، ليست فقط الخلافة العثمانية، ولكن، أيضا، الدول الأوروبية نفسها.
مما كتب رحباني: «تظل أميركا خالية من الطموحات الشخصية. وأثبتت عدم حرصها على التورط في الحرب الأوروبية. لقد حصلت أميركا على احترام الشعوب، في الشرق وفي الغرب».  
حمل القس رحباني معه إلى فرنسا خطابات تأييد من عدد من كبار المسؤولين الأميركيين. منها خطاب من السيناتور هنري كابوت لودج، رئيس لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ (ووالد هنري كابوت لودج الابن، الذي كان، بعد نصف قرن تقريبا، عضوا في مجلس الشيوخ، وسياسيا بارزا).
لكن، داخل أروقة مؤتمر سفيرز، وبمساعدة بريطانيا، أغلق الفرنسيون أبواب المؤتمر أمام الوفود العربية. ليست فقط القادمة من الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية، ولكن، أيضا، من الدول العربية نفسها.
جاء في الكتاب: «استخدم الفرنسيون والبريطانيون تكتيكات إجرائية لمنع ظهور الوفود التي تحمل آراء تتعارض مع آراء الدولتين. ومع مطامع الدولتين لابتلاع بقايا الإمبراطورية العثمانية... وهكذا، أسست الدولتان خرافة قانونية تاريخية، وهي أن الشعوب العربية تفتقر إلى القدرة على تقرير مصيرها، وحكم نفسها. وأنها تحتاج إلى أجانب من دول بعيدة ليحكموها».
من بين الالتماسات التي قدمها الأميركيون العرب إلى مؤتمر سيفيرز، التماس جادل بأن الولايات المتحدة هي «نصيرة الحرية، ليس فقط بالكلمات، ولكن أيضًا بالأفعال»، وأن الأقدار جعلتها «المحرر، والمربي» للدول التي تحتاج إلى ذلك.
في ذلك الوقت، كانت الولايات المتحدة توسعت غربا حتى وصلت إلى جميع ولايات الغرب الأوسط، والجنوب الغربي، وساحل المحيط الهادي. لهذا، رفع عرب أميركا شعار: «أميركا جو إيست» (اذهبي شرقًا).
وكما جاء في الكتاب، جادل عرب أميركا بأن أميركا يمكن أن تذهب إلى سوريا في أكثر من صورة:
أولا، دولة صديقة ومساعدة.
ثانيا، متحررة من تعقيدات أوروبية عمرها قرون.
ثالثا، لا تحتاج إلى «سفير أوف انفلونس» (مجال ودي يحيط بها).
رابعا، صاحبة تجربة ملموسة وناجحة في مزج كثير من العناصر والأعراق.
خامسا، صارت رائدة العالم كأمة حرة، ومتحضرة.
وجدت حملة عرب أميركا طريقها إلى روبرت لانسينغ، وزير الخارجية الأميركية. وبدا جنرالات، فيما صار يعرف في وقت لاحق باسم «البنتاغون»، في وضع سيناريوهات لإرسال قوات إلى سوريا ولبنان.
ووصلت الحملة إلى منطقة الشرق الأوسط.
في القاهرة، قام اللبنانيان المصريان فارس نمر ويعقوب صروف، صاحبا مطبوعتي «المقتطف» و«المقطم»، بنشر الحملة. ونقلت المطبوعتان أخبارا بأن البريطانيين (الذين كانوا يحكمون مصر من وراء الكواليس) قد يدعمون تدخل الأميركيين في سوريا ولبنان نكاية بالفرنسيين.
وشجعت عوامل معينة حملة عرب أميركا. منها:
أولا، لم يكن العداء بين الولايات المتحدة ودولة الخلافة العثمانية مباشرا وقويا. في الحقيقة، لم تحارب القوات الأميركية القوات العثمانية، رغم أنها حاربت الألمان، حلفاء العثمانيين.
ثانيا، استمرت الولايات المتحدة ترفع شعار «نيوتراليتي» (الحياد) في أوروبا. ونال ذلك تأييد، وتقدير، العثمانيين.
لكن، كانت هناك جوانب سلبية في هذه العلاقة الأميركية العثمانية:
أولا، فشل الأميركيين، رغم قوتهم، في حماية العثمانيين المنهزمين من ظلم الفرنسيين والبريطانيين المنتصرين في مؤتمر سفيرز. بل إن الفرنسيين منعوا نتائج تقرير دولي هام (تقرير كينغ كرين) الذي أعلن أن أكثرية السوريين يفضلون الانتداب الأميركي.
ثانيا، غضب السلطان عبد الحميد بسبب ما قال إن الأميركيين، وهم المسيحيون، يتحالفون مع مسيحيين آخرين ضد المسلمين. سواء في تركيا، حيث دعموا الأرمن المسيحيين. أو في الفلبين، حيث كانوا يسحقون الجهاديين المسلمين الذين كانوا يقاتلون الحكم الأميركي هناك.
ثالثا، لم يكن أوسكار شتراوس، السفير اليهودي للولايات المتحدة في الدولة العثمانية، عاملا إيجابيا في تحسين العلاقات بين الجانبين. ولا في تسهيل تدخل أميركي في سوريا ولبنان، «لحاجة في نفس يعقوب».


الكتاب: «بين العثمانيين وتحالف الوفاق»
المؤلفة: ستاسى فاهرنثولد
الناشر: مطبعة جامعة أكسفورد
عدد الصفحات الورقية: 240
النسخة الورقية: 21.08 دولار
النسخة الإلكترونية: 14.57 دولار