كتاب «فـخّ فرويد»... قرنٌ من العلاقات الجنسيّة بين الـمرْضى والـمعالـجين في عيادات الطبِّ النفسي الفرويدي

كتاب: «فـخُّ فرويد.. قرنٌ من العلاقات الجنسيّة بين المرْضى والمعالجين في عيادات الطبِّ النفسي الفرويدي»

صدر حديثًا لممدوح الشيخ: «فـخّ فرويد: قرنٌ من العلاقات الجنسيّة بين الـمرْضى والـمعالـجين في عيادات الطبِّ النفسي الفرويدي»، وفي تصدير الكتاب تصادفنا عبارة صادمة لإرفين د. يالوم، مؤسِّسُ «العلاج النفسي الوجودي»، تقول: «لقد شعرتُ بإثارةٍ جنسية تجاه المريضات، وكذلك كلُّ مُعالجٍ أعرفه». ولندرك الحجم الحقيقي للكارثة نذكر أن دراسة مسحية أشارت إلى أن 70 في المائة من المعالجين في العينة ذكروا أنهم يعرفون مريضًا واحدًا على الأقل كان متورطًا جنسيًا مع معالج سابق، وبحساب الاحتمالات، وبناءً على المسوحات المتاحة، فإن أميركا وحدها، قد يكون فيها ما بين 400 ألف و1.2 مليون ضحية للاعتداءات الجنسية من الإناث في علاقات الثقة،  وضمن ذلك العلاج النفسي. وبناء على مقابلات مع مئات النساء تحدثت نحو 80 في المائة من النساء عن اتصال جنسي مع رجل كان طبيبها المعالج، و20 في المائة منهن كانت كل واحدة منهن تعرف 2 أو 3 نساء أخريات لهن قصص مماثلة.

خيانة علاقة الثقة
وعند ذكر «الأمانة» في «التحليل النفسي» نتذكر قول بورش جاكوبسن (أحد مؤلفي: «الكتاب الأسود لـ«التحليل النفسي»): إن على من يدرس مفاهيم «التحليل النفسي» وتقنياته «أن يفهم أنه على وشك الدخول إلى عالم غريب تحكمه السرية والشائعات والتلاعب بالمعلومات».
ويؤصل الكتاب قضية المسؤولية الأخلاقية للمعالجين، فالعلاقة بين الطبيب والمريض تعتبر ثقة «مقدسة» مشتقة من الإسناد التقليدي لـ«ميزات كهنوتية» لدور الطبيب. وهذه الحقيقة تفتح الباب أمام إمكانية كبيرة للتلاعب بالمريض واستغلاله. فمنذ زمن الإغريق القدماء والأطباء مؤتمَنون على واجبٍ مقدَّس: العناية بصحة المرضى ورفاههم. وقسم أبقراط، الذي اعتُمد بوصفه الوثيقة التي بدأت، ولا تزال تُلهم، مفاهيمَ الممارسة الطبية الأخلاقية، قدْ يكون مفاجئًا للقارئ الحديث أنَّه كُتب في القرن الرابع قبل الميلاد. هذا القسم تضمَّن نهيًا صارمًا عن «الاتّصال الجنسي بين الطبيبِ والمريض»، ويشير وجودُ هذا الحظر الواضح في القسم إلى أنَّ بعضَ الأطباء انتهكوا الحدودَ الجنسية مع المرضى منذ أقدم العصور، وهو انتهاكٌ استمرّ عددٌ مُقلق من المهنيّين الصحيين في ارتكابه بعدَ أكثر من ألفي سنة.
وفي عيادات الطب الفرويدي، تطورت المشكلة لاحقًا من علاقة جنسية بين «معالج»، و«مريضة»، لتشمل:
•    علاقة جنسية بين معالجة ومريض.
•    علاقة شذوذ جنسي بين معالج ومريض.
•    علاقة شذوذ جنسي بين معالجة ومريضة.
•     وقائع جنس جماعي.
وفي تاريخ الطب الحديث يشكِّل سيغموند فرويد بدايةَ مرحلةٍ جديدة- غير مسبوقة- في تاريخ العلاج النَّفسي، ورغم هالة التقديس التي تحيطُ باسْم فرويد، لا كرائد في تاريخِ علم النفس وحسب، بل بوصفِه الضلعَ الثالث في مثلث صنّاع العقل الحديث: نيكولا كوبرنيكوس، وتشارلز داروين، فإنَّ الحقيقة تظلُّ أهمَّ. وخلالَ العقود الخمسة الماضية شهدت الثقافة الغربية توجُّهًا كبيرًا نحوَ إعادة النظر في «إرث فرويد».


على أريكة فرويد
ولقد كانت «أريكة فرويد» التي استخدمَها في «التحليل النفسي» مدْخلًا مهمًّا إلى هذا العالم المليء بما هو صادم، وتتبع الدراسات الحديثة رافدًا مهمًّا في تاريخ التحليل النفسي، فكرًا وممارسةً، وهو تأثيرُ «رواية ألف ليلة وليلة» بأجوائها الإيروتيكية. فهل تقدّم غرفة الاستشارات الفرويدية مشهدًا للاستمرار بين التحليل النفسي وشهرزاد وتقاليد الفانتازيا العربية؟
لقد استخدمَ فرويد الحميميَّة الجسدية، مثل التدليك، في بداية حياتِه المهنية، و«هناك كثيرٌ من المؤلَّفات حولَ الحاجة إلى الامتناع عنْ ممارسة الجنس في العمل». إرفين د. يالوم، مؤسِّس «العلاج النفسي الوجودي»، في زيارة إلى كوبنهاغن؛ تناولَ المشاعرَ الجنسية المحرمة في العلاج من خلال الإعلان مباشرةً عن تجربته: «لقد شعرتُ بإثارة جنسية تجاهَ المريضات، وكذلك كلُّ مُعالج أعرفه».
ومِن الحقائق اللافتة أنَّ دراسة أجريت في أميركا عام 1979 أشارت إلى أنَّه حتَّى الاتصال الجنسي بين المعلمين والطلاب في برامج التدريب على «التحليل النفسي» يتزايد، حيث إنَّ 25 في المائة من الخرِّيجات اللائي شملتهنَّ الدراسةُ تعرَّضن للتواصل الجنسي مقارنة بنسبة 5 في المائة من هؤلاء قبْل 20 سنة. وأدَّى تسليطُ الضوء على انتشار اللمسة الجنسية التي تحدُث في العلاج إلى إثارة نقاشاتٍ نارية، وعدم تصديق وإنكار، بالإضافةِ إلى المزيد من الجهود البحثيَّة الجماعية والموحدة حول موضوعِ اللمس في العلاج في عيادات «التحليل النفسي» الفرويدي. وطوالَ الثمانينيّات والتسعينيّات كان من المعضلات الأخلاقية الرئيسية: أي نوع من التفاعل اللمسي سيكون مناسبًا وأخلاقيًّا، وأين يجب رسمُ الخط؟

أطباء على كرسي الاعتراف
ويقول المؤلف إن مخطط الكتاب بدأ يتَّضح في ذهنه بعدَ مطالعة ورقة بحثية نشرتْ بإحدى الدوريات الأميركية المتخصصة  (Journal of Clinical Psychology)، في العام 2013 كتبَ مؤلِّفوها أنهم يدرسون الحبَّ والمشاعر الجنسيَّة بين المعالج والمريض. واعتمد الكتاب على عدد كبير من المسوحات، النوعية والوطنية، أجريت في أميركا وبريطانيا وأستراليا، وهي مسوحات تمتد تواريخها لسنوات بعيدة، درست العلاقات الجنسية بين الأطباء والمريضات (وأحيانًا المرضى) من الزوايا كافة، كما خضعت لعمليات تحليل متعددة، فضلًا عما أثارته الأرقام من نقاشات أكاديمية وأخلاقية ومهنية. وأحد أكثر التفسيرات خطورة في الدراسات التي تناولت الانتهاكات الجنسية، افتراض عديد من الباحثين «وجود صلة بين إدمان الجنس ووقوع الانتهاكات»، و«أن إدمان الجنس شكل من أشكال الضعف الشبيه بالاعتماد على الكحول». وقد اعتبر باحثون آخرون أن الانتهاكات الجنسية أقرب إلى «الاغتصاب أو سفاح القربى، والاغتصاب، والاعتداء الجنسي على الأطفال».
قائمة المحللين النفسيين المرموقين الذين تورطوا، من وقت مبكر، في ممارسة الجنس مع المرضى أو الزواج منهن قائمة طويلة. وتضم:
كارل يونغ
ساندور فرينزتشي
إريك فروم
فريدا فروم رايخمان
فيلهلم رايش
ويعد «الاعتراف» واسطة العقْد في التَّقاطع بين عدة ظواهر أسهمت في حدوث كارثة الانتهاكات الجنسية في العيادات، وقد انتشرتْ فكرة «السر المُمرِض» على نطاقٍ واسع بينَ رجال الدين والناس العاديّين في ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر. وقد لمحت بالفعل تشابهات «بنيوية» بينَ دور المحلل النفسي و«الكاهن»، وقد أبدَى المحللُ النفسي البريطاني الشهير ديفيد مان ملاحظةً عبقرية عندما أشار إلى أنَّ فرويد «حاول تحقيق المستحيل: لقد أسَّس التحليل النفسي على الطبيعة الشاملة للرغبة الجنسية أو قيادة الغزيزة الجنسية للعقل، بينما حاول في الوقت نفسه تقليلَ وجود الإثارة في غرفة العلاج، وبخاصَّة عند المعالج». ويضيف مان: «إنَّ محاولة التخلص من الإثارة الجنسية... تتشابهُ مع بعض أساطير التوالد العذري».

هل الفرويدية علاج جنسي؟
الباحثان بجامعة كولومبيا: ريتشارد سي فريدمان وجنيفر آي. داوني، يقرران أن «التحليل النفسي بدأ كعلم نفس عميق، يعتمد بشكل كبير على التجربة الجنسية». وفي عبارةٍ تستوحي سحرَ المدوّنات التاريخية التي تتناول حقبةً تمتدُّ لمائة عام لخَّصت الدكتورة جوديث إل ألبرت، (عضو هيئة التدريس في جامعة كولومبيا) المأساةَ المتوارية عن الأنظارِ في عنوان ورقتها البحثيَّة: «انتهاكات الحدود الجنسية: قرنٌ من الانْتهاكات الجنسية وقتَ التحليل النفسي»، مؤكدةً أنَّ الانتهاكات الجنسية تمَّ دمجها «في نسيج تاريخ التحليل النفسي بشكل وثيق»!
في مؤشرات رقمية يمكن تلخيص «المسار الهابط» لوجود التحليل النفسي في عيادات الطب النفسي:
في عام 1917، كانت نسبة الأطباء النفسيين الأميركيين الذين يمارسون «التحليل النفسي» 8 في المائة.
بحلول عام 1941 ارتفعت النسبة إلى 38 في المائة.
في عام 1970، وصلت إلى 66 في المائة.
واليوم، عمليًا لا يوجد قسم طب نفسي يرأسه طبيب يعمل بـ«التحليل النفسي»!

الكتاب: «فـخُّ فرويد.. قرنٌ من العلاقات الجنسيّة بين المرْضى والمعالجين في عيادات الطبِّ النفسي الفرويدي»
المؤلف: ممدوح الشيخ
الناشر: دار إشراقة للنشر- مصر
تاريخ النشر: 2022    
الحجم: 182 صفحة