الانتخابات في بيروت... «زحمة» مشاورات وصورة «ضبابية» تنتظر رصّ الصفوف

«المجتمع المدني» يتحضّر لـ«معركة الحسم» بوجه الأحزاب التقليدية
متظاهر يرفع العلم اللبناني (رويترز).

بيروت: «على نار حامية» بدأت «أرضية» التحضير للانتخابات النيابية المقبلة تأخذ منحاها بجديّة، بين طرفي «معركة»، يعدّ كلّ منهما «عدّة المواجهة» المرتقبة، في ظروف استثنائية سترسم صورة لبنان الذي يطمح شعبه من خلالها في العبور نحو «برّ الأمان»، بعد الاستحقاق المصيري «إن حصل».
كل المؤشرات توحي بأن الموعد لا يزال قائما في 15 مايو (أيار) المقبل، على الرغم من «تهويل» بين الحين والآخر من قوى السلطة من تدهور أمني أو انفجار اجتماعي «ينسف» الاستحقاق، على الرغم من تأكيدات دول العالم وقادتها على أهمية إجرائها في موعدها، ووعد بالتزام المسؤولين اللبنانيين بإجرائها.
على وقع انسحاب تيار المستقبل من المعركة الانتخابية، يتموضع حزب الله وحلفائه في لوائح موحدة، فيما بوادر التحالف بين الحزب التقدمي الاشتراكي وحزب القوات اللبنانية بدأت تسلك مسارها في الدوائر المشتركة، أما حزب الكتائب فيحاول وضع أسس شراكة مع بعض مجموعات الثورة، على الرغم من رفض العديد منها التحالف مع أحزاب موجودة في الحياة السياسية اللبنانية.

تشرذم لوائح «المجتمع المدني» في العاصمة
منذ انتفاضة 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2019. يُعوّل عدد من اللبنانيين على الانتخابات النيابية كوسيلة لتغيير المنظومة السياسية الحاكمة التي يتهمونها بالوصول إلى الانهيار التاريخي في البلاد.
وتمخّضت عن انتفاضة اللبنانيين تيارات ومجموعات جديدة من صلب المجتمع المدني الذي يطرح نفسه بديلا عن الأحزاب التقليدية، إلا أنه مع اقتراب موعد الانتخابات، لم تستطع تلك المجموعات بلورة تحالفات موحدة لخوض الاستحقاق، لتتباين في طروحاتها، ففئة أولويتها سيادة لبنان، وأخرى محاربة الفساد وإصلاح النظام الاقتصادي، فيما فريق آخر يعتبر أنه «لا مشكلة» في التنسيق مع أحزاب تلتزم بـ«الخط السيادي».
وتحتل العاصمة بيروت صدارة المعركة «المنتظرة»، إلا أنه وبحسب ما أكدته مصادر خاصة لـ«المجلة» من المجموعات المدنية، التي تُكثّف اجتماعاتها بغية رصّ الصفوف للخروج بلائحة موحدة، فإن الصورة لا تزال غير واضحة، وخصوصا في دائرة بيروت الثانية، إذ إن هناك عددا كبيرا من المرشحين، ما يعيق ولادة لوائح موحدة لقوى انتفاضة 17 تشرين، ليس في بيروت فقط بل في الدوائر الـ15 كافة.

خلال تظاهرة للمجتمع المدني في بيروت للمطالبة بانتخابات نيابية مبكرة عام 2020.


وعلى الرغم من التشرذم الحاصل، إلا أن استنفار تلك المجموعات بدا جليا من خلال زحمة لقاءات وندوات واجتماعات بغية توحيد الرؤية علّها تساهم في تذليل عقبات تمنع تكاتفها لمواجهة قوى سياسية حاكمة بالأمر، تتريّث في كشف أوراقها الانتخابية علّ مستجدات: ينتظرون حدوثها، تؤدي إلى تطيير الانتخابات، فيما بدأ طرف منها إعلان تحالفاته وأسماء بعض الدوائر.

هل من «فرصة» لتوجيه «الضربة القاضية» للسلطة؟
وسط تخوّف من تكرار سيناريو انتخابات 2018 حيث لم تتمكن قوى المجتمع المدني من خرق جدار السلطة المدعّم بقانون انتخابي بقي مفصّلا على قياس الطبقة السياسية، إلا أن واقع قوى التغيير بعد الثورة ليس أقل من السابق، بدليل التشتّت الذي تتخبّط في المجموعات المدنية، فانقسامها وتوزّع مرشحيها المفترضين على لوائح عدة، سيُبعثر الأصوات ويضيّع عليهم اقتناص مقاعد أكثر من حصة السلطة التي تعدّ عدّتها بهدوء صامت، فاصطفاف قوى المعارضة والمجتمع المدني لا تبدو تداعياته خطيرة حتى الآن، بانتظار جلاء نتائج المشاورات بين مختلف الأطراف التي تأمل أن تصل إلى نتيجة تؤمن لها الفرصة اللازمة لتوجيه الضربة القاضية للمنظومة الحاكمة.
وقد شدد أمين عام جبهة 17 تشرين العميد الركن المتقاعد جورج نادر لـ«المجلة» على «أنه لجبهة 17 تشرين مرشحين في كل المناطق من بيروت إلى المتن، مرورا بطرابلس وعكار، وصولا إلى زحلة وبعلبك والهرمل»، مشيرا إلى أن «التحالفات ستكون بطبيعة الحال مع مجموعات الثورة التي بدأت فعليا تتضح صورة معالم مرشحيها في المحافظات والأقضية اللبنانية».
وأكد أنه «سيكون للجبهة قرابة 20 مرشحاً، سيتم انتقاؤهم والإعلان عنهم وفق معايير محددة لضمان فوزها في الانتخابات، إذ ستكون المفاضلة من بين الأسماء المطروحة لتمثيل الجبهة للأشخاص الذين ستكون لديهم الحظوظ الأوفر لحصد الأصوات».

العميد الركن المتقاعد جورج نادر


لا يُخفي نادر أن «توحّد كل مجموعات الثورة في لائحة واحدة كان سيضمن لهذه الشريحة فرصة أكبر في الحصول على مقاعد أكبر، إلا أن البعض قرر في بيروت التحالف مع بعض المكونات التي أعلنت ترشّحها كفؤاد مخزومي وغيره، فيما اختارت فئات أخرى خوض المعركة بلوائح مستقلة ستتضح في الأسابيع المقبلة أسماء أعضائها وتوجهاتهم للمرحلة المقبلة».

الاستعدادات مستمرة
تكتسب هذه الانتخابات أهميتها باعتبارها الاستحقاق الأول بعد انتفاضة 17 تشرين وما رافقها من أحداث، قلبت الأمور في البلد رأسا على عقب، وأدت إلى إعادة الحسابات السياسية والشعبية، بعد أزمة مالية واقتصادية واجتماعية غير مسبوقة، أعادت خلط الأوراق وأدت إلى تخلي العديد من المناصرين عن انتمائهم لأحزاب عجزت عن انتشالهم من أتون مشاكل أنتجت «نقمة ونفوراً» من طبقة غارقة في الفساد والعجز.
وقبل «فوات الأوان»، تتداعى مجموعات الحراك المدني لجذب هؤلاء الباحثين عن بديل «منقذ» يتمثّل في مرشحين يحملون هواجسهم، فيما يحضر خيار «المقاطعة» الذي قد يتخذه بعض الناخبين ضمن قائمة العوامل التي تلحظها المجموعات التي تُكثّف لقاءاتها للخروج بلوائح وبرامج تتلاقى مع طموحات شريحة لن تأخذ خطوة نحو صناديق الاقتراع ما لم تجد أمامها عناصر تشجيعية تضمن لها بأن صوتها لن يذهب سدى، كي لا تدفع الثمن مرة جديدة كما الدورات الانتخابية السابقة.
لم يتم حسم الأمور بخصوص التكتّلات والتحالفات على الأرض بين جزء من مجموعات من المجتمع المدني التي خاضت الانتخابات البلدية في بيروت عام 2018 تحضيرا للانتخابات النيابية المرتقبة، وفق ما أوضحه فاروق يعقوب عن مجموعة «عامية 17 تشرين» لـ«المجلة»، إذ لفت إلى أن «التحالف سيكون مقسّما حسب الدوائر، والمعركة الأكبر والأساسية ستكون في دائرة بيروت الثانية، أما وطأة المنافسة في دائرة بيروت الأولى فستكون أقل حدّة».
وشدد على أنه «يتم العمل على تركيب تحالف بين قوى المعارضة التي تضم مجموعات من القوى التي تعمل على الأرض والمنخرطة في جو معارض واحد، ولكن الصورة فعليا لم تتبلور بعد، وهناك تجمّع سينبثق عن تلك المجموعات وسيُعلن عنه رسميا يوم الأحد المقبل بعد أن تكون قد حُسمت الأمور»، مشيرا إلى أنه «يتم العمل على تأمين أكبر مروحة من تلك المجموعات ضمن هذا التجمع الواحد الذي في حال نجح في رصّ صفوفه لن يقتصر على تواجده في العاصمة بيروت، بل سينسحب على كل المناطق».
وأوضح يعقوب أن «التجمع سيضم مجموعات عدة منها: عامية 17 تشرين، لقاء تشرين، التقدّم، الكتلة الوطنية، الخط الأحمر، وغيرها»، لافتا إلى أن ذلك لا يعني أن «التجمع سيختصر المشهد المعارض لوحده، فهناك الكثيرون خارج إطاره وينتهجون خط المعارضة».

نسبة التصويت في الانتخابات النيابية اللبنانية عام 2018 بلغت أكثر من 49%


وفي موضوع المرشحين والأسماء، اعتبر يعقوب أن «الاتصالات لا تزال مستمرة لاختيار الأسماء، ولكن تم حسم ثلاثة هم وضاح الصادق (عن أحد مقاعد السني) وميا عطوي (عن المقعد الشيعي) ووليد فخر الدين (عن المقعد الدرزي)، فيما حسم أسماء البقية رهن تبلوّر التحالفات ونتائجها»، مؤكدا أن «المفاوضات تتواصل لتأمين أكبر مروحة توافق بين المجموعات».
وعن أسباب عدم التوصل إلى لوائح موحدة بين مجموعات المعارضة، لفت إلى أن «العديد منهم لا يعتبر أن مشهد وحدة الصف له أهمية عند الناخبين، لذلك فالتركيز هذه الفترة يقوم على ضرورة وجود لوائح موحدة لتكريس حالة المعارضة في إطارها الصحيح الجامع لجذب الناس، فالناخب لا يهمّه التفاصيل بقدر ما يهمه وجود جسم واحد موحّد معارض».
واعتبر أن «وجود حالة معارضة موحّدة تُشكّل عنصر جذب للناخب، وخصوصا في بيروت التي تعد نسب المشاركة في التصويت على الانتخابات فيها ضعيفة تاريخيا وأقل من المعدلات الطبيعية، من دون اغفال وجود عامل إضافي سيؤثر على نسب مشاركة الناس في ظل وجود دعوات لمقاطعة الانتخابات، وهذا عنصر سلبي إضافي يعيق العملية ويجعل أرضية التحضير مربكة وغير مريحة».
وعلى الرغم من الصعوبات التي ترافق الاستعدادات للاستحقاق الانتخابي، جزم يعقوب بأن «خوض المعركة قائم على معارضة المنظومة الحاكمة، فهناك خصم واضح وصريح وهو قائد ومدير هذه المنظومة أي حزب الله، الذي أثبت مع الوقت واعترف بصراحة أنه الحامي لها ويديرها، وبالتالي الخصم واضح»، لافتا إلى أنه «يجب على كل المنضوين في المعارضة أن يعوا أن وضوح الخصم يتطلب وضوح ورص صفوف المعارضة ليستطيع أن يحصد ما يريد في انتخابات لن تكون بالسهلة، والمطلوب التعاطي بجدية مع هذا الأمر للتمكن من الوصول إلى الهدف المرجو».