بين الإسلاموفوبيا والتوسع الروسي... من يهدد أوروبا حقًا؟

التلويح بالخيار النووي صفعة بوجه النخبة الأوروبية
أشار الكونغرس الأميركي في تقرير حول مشروع القانون إلى (الارتفاع المذهل في حوادث العنف ضد الإسلاموفوبيا في جميع أنحاء العالم

القاهرة: انطلقت آلة الحرب الروسية وانفتح الباب لتساؤلات ستشغل الفضاء الأوروبي لسنوات قادمة، ولا مبالغة في أن العدوان على أوكرانيا منعطف تاريخي، وفي الساعات الأولى التي تلت الغزو، تسرَّع غير قليل من منتجي الخطاب، في استخدام (المنطق الخطي) في تفسير التاريخ، معتبرين أن ما حدث في العام 2014 عند احتلال القرم، سيكون هو نفسه ما سيحدث في 2022. وفي كتابه الشهير عن الحرب الحديثة رسم الجنرال الأميركي، ويسلي كلارك، القائد السابق لحلف شمال الأطلسي (ناتو) صورة أوروبا عند اندلاع أزمة البلقان في تسعينات القرن الماضي: مترددة وغير موحدة، أما اليوم فإنها– في مواجهة الغزو الروسي– تبدو كما لو كانت ولدت من جديد.

 

إعادة تقييم الخطر

وحكاية أوروبا مع مصادر الخطر طويلة ومملوءة بالتقلبات، مع بلوغها قمة القوة– عسكريا واقتصاديا- لم يأتها الخطر الداهم من وراء البحار، حيث نشرت أساطيلها الرعب والدمار، بل من قلبها. وكان القرن العشرون الدرس الأكبر للعقل والوجدان الأوروبيين، وكانت حربان عالميتان كافيتان لإقناعها بأن القوميات والفاشيات المتطرفة يمكن أن تكون مصدر الخطر الأكبر على أوروبا وأمنها ورفاهيتها، بل وجودها. وخلال النصف الثاني من القرن خاضت أوروبا– متحالفة مع الولايات المتحدة الأميركية– صراعها الأكثر إثارة مع الآيديولوجيا الشيوعية.

ورغم أن انهيار الاتحاد السوفياتي أطلق سيلا من الأدبيات تستشرف أن يتحول الإسلام (أو التطرف الإسلامي) إلى عدو بديل، إلا أن واقع العلاقات الدولية– حتى وقوع هجمات 11 سبتمبر (أيلول)– كان يكذب ذلك، وبعد الهجمات بدأ لكثيرين في الشرق والغرب أن ما كان تصورات نظرية وخيالات وافتراضات لا تخلو من جموح، يمكن أن يتحول إلى (مسار رئيسي) في العلاقات الدولية. وقد جيشت فرنسا خلال سنوات كل قدرات تأثيرها السياسي والدبلوماسي والثقافي، بأمل بناء تحالف دولي ضد ما تعتبره مصدر الخطر الرئيسي على فرنسا، بل على أوروبا بل على الحضارة الغربية كلها. وقد كان مما يعكس اختلافا نوعيا مهما بين العقليتين الأوروبية والإنجلوسكسونية، انشغلت النخبة الأميركية– الرسمية وغير الرسمية– بالخطر الذي يمكن أن تمثله الصين وروسيا، بينما غرقت شرائح لا يستهان بها من النخب الأووربية في فخ دعايات الإسلاموفوبيا.

وانعكس الاختلاف بين شاطئي الأطلسي على نحو شديد الوضوح في خطاب مختلف وترتيب مختلف لمصادر الخطر، وبينما كانت دول أرووبية عديدة– متأثرة بالموقف الفرنسي تتخذ إجراءات عليها بصمات الإسلاموفوبيا– كان مجلس النواب الأميركي، في ديسمبر (كانون الأول) 2021. يناقش قانونا لمحاربة ظاهرة (الإسلاموفوبيا) مستهدفا مواجهة التمييز ضد المسلمين في العالم، وطلب المشروع من وزارة الخارجية الأميركية إنشاء بعثة خاصة لرصد الإسلاموفوبيا ومكافحتها، و(إدراج العنف الذي ترعاه الدول ضد الإسلام، والإفلات من العقاب، في تقارير حقوق الإنسان السنوية للوزارة)، ما سيؤسس لاستراتيجية شاملة لتأسيس قيادة أميركية في مكافحة الإسلاموفوبيا في جميع أنحاء العالم. وفضلا عما سبق، فإن الولايات المتحدة الأميركية أدانت رسميا– عدة مرات– ما يواجهه مسلمو ميانمار والصين من أشكال متفاوتة من الاضطهاد. وقد أشار الكونغرس الأميركي في تقرير حول مشروع القانون إلى (الارتفاع المذهل في حوادث العنف ضد الإسلاموفوبيا في جميع أنحاء العالم، سواء الفظائع التي ترتكب ضد الأويغور في الصين والروهينغا في بورما).

 

من التظاهرات المناهضة للإسلاموفوبيا

 

 

الإسلاموفوبيا صناعة فرنسية

كان ميراث الخوف من الإسلام والمسلمين (وبخاصة التطرف الإسلامي)، مشتركا عاما في الثقافات الغربية بدرجات متفاوتة، لكن فرنسا- منفردة تقريبا– أصبحت منشغلة بشكل مرضي بمسلميها، ثم بالمسلمين في أوروبا، وتصاعد مد الإسلاموفوبيا من خطاب اليمين المتشدد، حتى كاد يصبح خلال عهد ماكرون (هيستريا وطنية عامة) لم تمتنع الدولة نفسها عن الانخراط في متاهاته رغم أن النظام السياسي الفرنسي يفترض أن يكون محايدا إزاء الأديان. ورغم أن فترة حكم الفرنسي جاك شيراك شهدت أول إجراءات رسمية فرنسية كبيرة تتسبب في جدل داخلي وخارجي (قانون حظر الرموز الدينية)، فإن عهد إيمانويل ماكرون شهد قمة صعود خطاب الإسلاموفوبيا، بحيث أصبح (التبشير) بالخطر سمة مميزة للخطاب الرسمي الفرنسي.

وعلى تعبير «الغارديان» فإن ماكرون الذي كان ذات يوم (أمل ليبراليي أوروبا الآن أصبح نهبا للشعبوية السّامة)، وأصبح يتحدث بلغة قاسية معارضة للهجرة والمهاجرين. وفي نهاية المسار تقدم المرشح الرئاسي والنجم التلفزيوني إريك زمور الصفوف بخطاب خلاصته أن فرنسا ستصبح تحت سيطرة المسلمين فيما أطلق عليه: (الاستبدال العظيم). وماكرون الذي نُظر إليه قبل أعوام كممثل لنوع جديد من الديمقراطية الواثقة من نفسها أصبح خطابه إعادة إنتاج لخطاب أقصى اليمين الفاشي. ولم يملك ماكرون شجاعة الاعتراف بأن جزءا كبيرا من مسلمي فرنسا ضحايا (أبارتهايد مناطقي وأخلاقي واجتماعي). وبحسب إحصاء حديث نسبياً، فمن بين 67 ألفا خرجوا من السجن كان هناك 47 ألف مسلم، بينما نسبة البطالة بينهم 14 في المائة وهي ضعف المعدل الوطني بمرتين.

وبحسب تقرير لافت نشرته واحدة من أعرق وسائل الإعلام الأوروبية (وكالة الأنباء السويسرية: سويس إنفو) في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019. شارك ما يزيد على عشرة آلاف شخص في مظاهرة في باريس نددت بالإسلاموفوبيا، (فانقسمت الطبقة السياسية بشأنها، ولقيت انتقادات حادة من قبل الحكومة واليمين المتطرف). وكالة الأنباء السويسرية، اعتبرت أن الرسالة الأساسية للمظاهرة: «أوقفوا الإسلاموفوبيا» و«لا للأحكام المسبقة بحق المسلمين»، وعلق عليها متحدث باسم الحزب الشيوعي قائلاً: «هناك جو من الكراهية ضد المسلمين ولا يمكن أن نقف مكتوفي الأيدي». ولعل مما لا يمكن إغفاله هنا ذلك التأثير المدمر الذي تسببت فيه هجمات إرهابية عديدة خلال سنوات- وبخاصة في باريس– ولعل أعنفها اعتداءات الثالث عشر من نوفمبر (تشرين الثاني) 2015.

 

الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون

 

خدعة «الاستبدال العظيم»

كانت السنوات القليلة الماضية شهدت مدا فاشيا كبيرا على جانبي الأطلنطي، وهذا المد تشابكت خطوطه– على مستوى الخطاب والممارسة معا– مع «السردية الروسية»، وكانت بعض مكوناته لا تخفي أن فلاديمير بوتين يمثل رمزا لهم، وبخاصة فيما يتصل بسياسات القوة والاحتقار الواضح للديمقراطية والقيم الليبرالية الغربية، ومن المؤكد أن بينها قيما لا تحظى بقبول عالمي.

إريك زمور، الرمز الأكثر ظهورا اليوم لخطاب الإسلاموفوبيا الفرنسي، يحذر مما يسميه: «الاستبدال العظيم»، للتعبير على مأزق فرنسي ثلاثي الأبعاد: علمانية أصولية، وذبول ديموغرافي، وأزمة هوية.

وزمور، فضلا عن ذلك، يدعو إلى أفكار أخرى لها مخاطرها على مستقبل العلاقات الغربية- الغربية، في مقدمتها موقفه من التجارة الحرة التي يعتبرها (لعنة)، وموقفه من الهجرة الذي امتد ليشمل خطابا غير مرحب باحتمال– مجرد احتمال– أن تستقبل فرنسا مهاجرين من أوكرانيا، ودعوته إلى (تجميد العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وبناء سياسة خارجية مستقلة). والطبيعة المندفعة المستهينة بالتاريخ، التي تتسم بها مقولات إريك زمور تثير مخاوف كبيرة على الاتحاد الأوروبي الذي خسر كثيرا بخروح بريطانيا منه في العام 2016. ويتجه بسبب النزوع الفاشي اليميني الانغلاقي إلى خسارة المزيد من الفضاءات والحلفاء، ما كان يمكن أن يؤدي– لولا صدمة الغزو الروسي لأوكرانيا- إلى مزيد من الارتهان لتوسع روسيا وينتقل من الخطاب إلى الفعل. وهذه الأفكار الشوفينية تهدد بأن تجعل الديمقراطيات الغربية تواجه مشكلة عويصة.

وفي مواجهة صعود كبير لخطاب شعبوي يستهدف القيم الغربية– قبل أن يستهدف الإسلام أو التطرف الإسلامي– أدى دخول الرئيس الأميركي البيت الأبيض إلى استعادة جزئية لزخم الاصطفاف وراء قيم تعددية وديمقراطية امتد جغرافياً ليشمل دولا في أقصى الشرق وصولا إلى أستراليا، وبميلاد تحالف (أوكوس) الأنجلوسكسوني، كانت المسافة بين أوروبا تصل إلى آخر مدى يمكن احتماله في التباعد بين الحلفاء. وقد كان أحد مصادر التباين الأطلسي- الأطلسي حيث الإغراق في إشاعة مناخ الخوف من الإسلام فكريا أو ديموغرافياً، طغى بشكل سهّل تضخم حجم الراوابط الاقتصادية الأوروبية الروسية، ووصل إلى حد الارتهان في سياسات الطاقة الأوروية إلى حدٍ كبير للقرار الروسي.

وقد كشفت السنوات القليلة الماضية روابط تنظيمية، تتجاوز التوافق في الفكر والخطاب، بين اليمين الأوروبي المتطرف ونظيره في روسيا، ما جعل ما يمكن أن نسميه: (الاختراق الروسي) يأخد أبعادا كبيرة. ومنذ الحرب العالمية الثانية، لم تشهد العلاقات الأنجلوسكسونية الأوروبية حجم التصدع الذي حدث خلال السنوات القليلة الماضية، وجاء الغزو الروسي لأوكرانيا ليعكس المسار بشكل واضح. وبينما تعزف أوركسترا اليمين الفرنسي (وخلفها حركات يمينية أوروبية أخرى) معزوفة (الخطر الإسلامي) المفتعل، وجدت أوروبا نفسها مضطرة للاصطفاف سريعا في مواجهة خطر فعلي كبير يشعل نار صراع عسكري هو الأول من نوعه منذ الحرب العالمية الثانية، مسلحا بمقولات من مخلفات الحرب الباردة. والخطاب الروسي في أزمة أوكرانيا لا يقتصر على ما هو عسكري مباشر، بل يعيد إنتاج مقولات تبلغ الغاية في الخطورة عن (حقوق تاريخية) في أوكرانيا، أما التلويح بـ(الخيار النووي)، فشكل صفعة للنخبة الأوروبية الرسمية غير الرسمية وأعاد إنتاج سؤال مصادر التهديد.

 

* باحثة في العلوم السياسية، مصر.

 


مقالات ذات صلة