عندما تفكك الاتحاد السوفياتي

ولأن السياسة ابنة التاريخ، والتاريخ ابن الجغرافيا، والجغرافيا لا تتغير، وهذا هو الدرس الذي لم يستوعبه الرئيس الأوكراني، فتصور وبتشجيع من الغرب أنه أفلت من الدب الروسي، وعندئذ تخلى الغرب عن أوكرانيا لتدرك أن الجغرافيا هي الحقيقة الوحيدة الراسخة على الأرض.

 

وكما أخطأت حسابات أوكرانيا فعل نفس الشيء الغرب بإيمانه بنظرية نهاية التاريخ التي ابتدعها فرانسيس فوكوياما أستاذ العلوم السياسية الأميركي ذو الأصل الياباني، وراجت نظريته فترة من الزمن بعد سقوط وتفكيك الاتحاد السوفياتي وانكماش الدب الروسي في مجاهل سيبيريا ليلعق جراحه ويتدهور نفوذه ويرى بعينيه كيفية دخول الدبلوماسيين الروس المحافل الدولية من باب الخدم، ومع ذلك باتت دول الاتحاد السوفياتي السابقة تدور في فلك روسيا سواء بحكم القوة القاهرة أو الجغرافيا أو الصداقة أو المعاهدات مثل أوكرانيا التي استقلت عن الاتحاد السوفياتي وتخلت عن ترسانتها النووية بمقتضى معاهدة بودابست ديسمبر (كانون الأول) 1994 مقابل ضمان أميركا وبريطانيا حماية واستقلال أوكرانيا فكان السلاح النووي مقابل الاستقلال.

ولأن الذئاب تعدو دائما على من لا كلاب لهـ فقد كانت النتيجة الحتمية هي محاولة أوكرانيا التعايش مع الروس بحرفية سياسية تضمن الاستقلال لأوكرانيا والاطمئنان للروس جارتهم اللدودة حتى بدأت ثورة البرتقال ومحاولة البعض إيجاد حكومة مناوئة للروس وهو ما استفز الروس ولكن ليس لدرجة الحرب. حتى أتى الرئيس الحالي لأوكرانيا زيلنيسكي فحاول أن يلعب الروليت الروسي مدفوعا بالتأييد الغربي الأجوف لتحترق أصابعه ويخسر بلاده ويهيم مليون لاجئ أوكراني على وجوههم.

وكل ذلك لأنه لم يفهم أن بلاده هي الحديقة الخلفية لروسيا وأن طلبه بالانضمام إلى حلف الناتو سيكون القشة التي كسرت ظهر الدب الروسي ليكشر عن أنيابه ومقلدا غزو أميركا لجريناد (جزر البهارات) في أكتوبر (تشرين الأول) 1983 عندما قامت بها حكومة موالية لكوبا وروسيا بالرغم من عدم وجود حدود برية بين البلدين إلا أن أميركا استخدمت القوة القاهرية للحفاظ على مجالها الحيوي وهو الأمر الذي تكرر في أفغانستان والعراق وبنما محدثة سنة سيئة تأسى بها الروس في هجومهم على أوكرانيا ليقف العالم على حافة حرب نووية مقابل وعود ضبابية بالانضمام لحلف الناتو الذي لم يعد يغني ولا يسمن من جوع بعد أن أصبح شبه نادٍ اجتماعي تتبادل فيه الأنخاب. فلم يعد هناك حلف يضاهيه مثل أيام حلف وارسو الشيوعي فتقاعس معظم أعضائه عند دفع نصيبهم المادي تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والشعور الزائف باستحالة قيام حرب عالمية أخرى تصديقا وتطبيقا لنظرية نهاية التاريخ.

ولأن التاريخ يتمتع بميزة خفية قد لا يدركها البعض ألا وهي أن حركة التاريخ ليست دائما مضمونة ولا مستقيمة بل إن معظم مقدماتها لا تدل على نتائجها خاصة في حالة الأخطاء غير المتعمدة والتي تفرز نتائج خطيرة لم تكن مقصودة ولكنها تغير المسار التاريخي ومعظمها تغييرات كارثية وأقلها ذات نتائج سعيدة مثل اكتشاف ألكسندر فلمنغ المضادات الحيوية بالصدفة البحتة.

ولكن هناك النتائج الكارثية وهي الأكثر انتشارا وبعدها يصبح العالم ليس كما كان قبلها ويهلك الحرث والنسل وتختفي إمبراطوريات وتحل محلها أخرى وقد يحدث الخطأ نتيجة الاستعلاء مثل الرايخ الثالث وتبني هتلر نظرية النقاء العرقي، وكذلك إيمان اليابان بأن إمبراطورها هو سليل آلهة الشمس فتهمشت الدولتان في الحرب العالمية الثانية. وقد يتخذ القرار الخطأ في الوقت الخطأ مثل اضطهاد أخناتون لكهنة آمون لحساب إله الشمس آنون فذهب أخناتون وآنون وبقي آمون وكهنته. أو خطأ الإسكندر في عدم تسمية وريث لإمبراطوريته فتوزعت أملاكه على القبائل وذهبت ريحهم. أو مهاجمة أرناط الصليبي لقافلة الحجاج المسلمين التى كان بها أخت صلاح الدين الأيوبي فكانت موقعة حطين التي كانت بداية النهاية للصليبيين. أو كما في كسر القواعد كطلب هنرى الثامن الطلاق فاعتنقت أوروبا الشمالية والغربية المذهب البروتستانتي المناوئ لسلطة بابا الفاتيكان.

وكل هذه الأمثلة لا تبعث الطمأنينة على ما يدور في أوكرانيا، فخطأ غير مقصود كفيل بإشعال حرب لا يعرف منتهاها إلا الله، وتكون أوكرانيا هي النقطة الساخنة التي تتصارع عليها الأفيال لتتكسر الأعشاب وذلك كله بسبب عدم خبرة الرئيس الأوكراني ومحاولة الغرب مشاكسة ومناكفة روسيا ظنا منها بأن روسيا لن تتحرك، ناسين أو متناسين أن لا أحد يستطيع التنبؤ برد فعل بوتين الذي شعر بالخذلان والهوان في ليلة تفكك فيها الاتحاد السوفياتي.