المرتزقة في الحرب الروسية الأوكرانية

ما يقلق في موضوع الغزوة الروسية لأوكرانيا إلى جانب العامل العسكري والسياسي والاقتصادي الذي ينعكس على منطقة النزاع والعالم أيضا هو تهافت بعض الشباب للالتحاق بجبهات القتال مع هذا أو ذاك من الفرقاء المتقاتلين. وكان الرئيس الروسي بعدما اطلع على المعلومات التي أسرّ له بها وزير دفاعه عن ازدياد عدد الطلبات الآتية من الشرق الأوسط والراغبة في القتال إلى جانب روسيا رحب وطلب تسهيل أمورهم. في الوقت نفسه، طلبت الحكومة الأوكرانية رسميًا من الأجانب الانضمام إلى الفيلق الدولي المنشأ حديثًا، والذي يعد جزءًا من وزارة الدفاع. وهناك تقارير تشير إلى انضمام أعضاء في الجيش البريطاني بالمقاومة في كييف.

 

امر المرتزقة هذا ليس بالجديد أبدا، الأمثلة كثيرة تعود إلى حقبات تاريخية، منها البعيدة ومنها القريبة والمعاصرة كما في الحرب الأفغانية التي خاضها الاتحاد السوفياتي قبل انهياره والذي واجه فيها مقاتلين أجانب أتوا من العالم العربي وعرفوا بالافغان العرب، أو مع داعش الذي استطاع جذب شباب ونساء من دول غربية عدة قاتلوا إلى جانبهم.

 

الفرق اليوم هو أن هناك حكومات وجهات رسمية تعمل على تجنيد أكبر عدد من الشباب والشابات بشكل علني ومن خلال وسائل التواصل الاجتماعي وتشجعهم على الالتحاق بجبهات القتال. أما البعض من هؤلاء المرتزقة فقد يفعلونها من أجل المال كما رأينا في ليبيا مثلا حيث التحق الشباب السوري بمجموعة فاغنر الروسية طمعا في مكافآت بالعملة الأجنبية، أو قبلها في العراق حيث كثر من اللبنانيون تعاقدوا مع شركة الأمن الخاصة الأميركية بلاك ووتر، أما البعض الآخر فقد يقاتل من أجل آيديولوجيا يؤمن بها.

المشكلة الأساسية للأسف التي واجهت الحكومات التي التحق رعاياها بالحرب الأفغانية مثلا فتكمن في عودتهم إلى ديارهم بعد أن مارسوا العنف أو تعرضوا له وتمرسوا في الأعمال الحربية. اليوم المشكلة الأساسية للأشخاص الذين التحقوا بداعش هو رفض حكومات البلاد التي ينتمون إليها استقبالهم. حيث يعتبر هؤلاء عبئا على مجتمعاتهم.

ولكن هناك خشية حقيقية في أن يمارس هؤلاء العائدون العنف في بلادهم أو أن يكونوا مؤثرين في أوساط المتطرفين ويدفعونهم ويوجهونهم إلى ممارسة أشكال من العنف أيضا وهم الذين اكتسبوا خبرة قتالية في مناطق الصراع التي يتواجدون فيها وبالتالي طوروا قدراتهم على التخطيط وتنفيذ الهجمات بنجاح وفقًا لآيديولوجياتهم.

من الصعب فهم ترحيب وقبول بوتين بتوافد مقاتلين أجانب إلى مناطق الصراع وهو الذي خطط لتلك الغزوة منذ سنين واستعد لها على ما يفترض على كل الأصعدة وأعد لها كل الاحتمالات، إلا إذا كان هدفه الضغط على الأوروبيين وتهديدهم بورقة المهاجرين الذين قد يلتحقون بجبهات القتال شكليا ليدخلوا أوروبا خلسة من خلال النقاط الكثيرة التي تفصلها عن مناطق السيطرة الروسية في أوكرانيا.

وفي هذا الاتجاه أيضا يجب على الأوروبيين أن يكونوا حذرين للغاية من توافد المقاتلين الأجانب إلى أوكرانيا ذات التوجهات المتطرفة وهم الذين عانوا وما زالوا من صعود اليمين المتطرف فيها.

ومن هنا أيضا يجب على الغرب إعادة النظر في دور وسائل التواصل الاجتماعي التي غالبا ما تلعب دورا بارزا في التسويق لأفكار تدفع بالشابات والشباب إلى الالتحاق بجبهات القتال. من هنا مراقبة المحتويات التي تشجع على الانخراط بالحرب وأعمال العنف تصبح أولوية، لأن الحروب لا تنتهي مع انتصار فريق على آخر أو بمعاهدة سلام ما، بل تستمر في عقول وأجساد هؤلاء المرتزقة، فتتحول خطرا على مجتمعاتهم.