نهى يحيى حقي: والدي كان ليبراليا عاشقا للسادات ومعجبا بأفكاره

كشفت لـ«المجلة» عن تفاصيل مثيرة من حياة الأديب الراحل

القاهرة: قالت الإعلامية والأديبة نهى حقي إنّها دهشت عندما حضرت لقاءً بين والدها وعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين لحديثهما باللغة العربية الفصحى، وكأنهما يقدمان مشهداً في عمل تاريخي، على حد وصفها، وأضافت ابنة الأديب الكبير يحيى حقي أنها تشعر بالفخر والاعتزاز بأبيها وبما تركه لها من إرث ثقافي تعتبره كنزا. وكشفت في حوار خاص لـ«المجلة» عن علاقة والدها بنجيب محفوظ وتوفيق الحكيم، وكذلك أهم أعماله التي قدمتها السينما المصرية. وأعربت حقي عن ترحيبها بالاستعانة بمؤلفات والدها لتقديم أعمال درامية حديثة. وأضافت أن عمل والدها الدبلوماسي لم يقيد إبداعاته كأديب ينحاز إلى فئة البسطاء، مشيرة إلى أنه كان ليبراليا يعشق الرئيس أنور السادات ومعجبا بأفكاره.

يذكر أن الأديب يحيى حقي من رواد الأدباء المبدعين خاصة في مجال القصة القصيرة ويعد من كبار الأدباء المصريين، ويعتبر علامة بارزة في تاريخ الأدب والسينما. ولد يحيى حقي في يناير (كانون الثاني) 1905 وتوفي في ديسمبر (كانون الأول) عام 1992 ونشأ في أسرة تعشق الثقافة والإبداع وكان عمه طاهر حقي من أوائل كتاب الرواية المصرية.

درس في مدرسة الحقوق العليا التي كانت قبلة السياسيين والزعماء آنذاك، وتخرج فيها ليعمل محاميا قبل أن ينتقل للعمل بالسلك الدبلوماسي. وقد ساعده السفر والانتقال بين دول العالم في التعرف على الإبداعات العالمية في شتى المجالات وخاصة الفنون والموسيقى التي أجادها وتذوقها حتى اشتهر بعشقه لها وكتاباته المهمة عنها.

قدم يحيى حقي للمكتبة العربية عددا كبيرا من إبداعاته المميزة والتي تحول بعضها إلى أعمال سينمائية شهيرة منها «البوسطجي» و«قنديل أم هاشم».

ونال أكبر جائزة عالمية تمنح للعلماء والأدباء وهي جائزة الملك فيصل العالمية، تكريما وتقديرا لعطائه الإبداعى وجهوده الأدبية. ومنحه الرئيس جمال عبد الناصر جائزة الدولة التقديرية فى الآداب عام 1969، كما منحته الحكومة الفرنسية وسام فارس من الطبقة الأولى عام 1983، بالإضافة إلى حصوله على العديد من الجوائز فى أوروبا وفى البلدان العربية. وكرمه مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته السادسة عشرة ومنحه جائزة المهرجان.

شاء القدر أن يحرم ابنته من أمها قبل أن تكمل عامها الأول، مما دفع يحيى حقي للزواج من أخرى وهي التشكيلية الفرنسية جان ميري جيهو وظلت رفيقته حتى رحيله.

حول مسيرته الإبداعية وأعماله وكتاباته التي أثرى بها المكتبة العربية كان هذا الحوار مع ابنته الوحيدة الإعلامية والأديبة نهى حقي...

 

* ماذا يعني يحيى حقي الأب بالنسبة لك؟

- بالطبع يعني الكثير لقد ترك لي اسماً كبيراً أعتز وأفخر به وكان دائما يقول لي «أنا تركت لك اسمي، هذا هو الميراث أو الثروة الحقيقية التي منحتك إياها». وهذا حقيقي لأن اسمه من الأسماء التي لها بصمة مهمة في حياتنا الثقافية والأدبية والفنية.

 

* ما البصمة التي تركها في حياتك الخاصة؟

- لم يكن والدي يوجه النصيحة مباشرة بل يقدمها بشكل عملي ولا ينصحني إلا نادرا عندما يشعر أنني مخطئة ويقول لي «هنا خطأ» وكان يؤكد دائما أن أهم شيء هو الصدق مع النفس وأن لا ينطق إلا بما يخرج من قلبه ليكون صادقا.

 

* هل كانت هناك خصوصية باعتبارك الابنة الوحيدة التي تحمل اسمه وبحكم حرمانك المبكر من الأم؟

- تزوج والدي ووالدتي أوائل عام 1944 وتوفيت أمي في النصف الثاني من شهر أبريل عام 1945 ومع ذلك لم أعش مع والدي طوال تلك المرحلة لأني كنت أقيم مع جدتي لأمي التي عوضها الله بي عن فقدانها لابنتها وعوضني بها عن فقداني المبكر لأمي، لأن والدي كان يعمل في وزارة الخارجية ولم يكن من الممكن أن يصطحب ابنته الرضيعة معه إلى فرنسا وجدتي أو أمي كما كنت أناديها فكانت أمي فعلا وكلانا عوض الآخر ولم أشعر أبدا أن أمي توفيت لأن إحساسي بالأمومة ينجرف تجاه جدتي.

 

* هل كانت والدتك تنتمي لعائلة سياسية شهيرة؟

- جدي لأمي كان عضو مجلس نواب وكان أيضا من أمراء الحج الذين كانوا يشاركون في توصيل كسوة الكعبة للأراضي المقدسة. وقد شهد على زواج والدي ووالدتي النقراشي باشا السياسي الكبير، لأن والدي كان مدير مكتبه عندما كان في وزارة الخارجية.

 

* كيف جمع يحيى حقي بين دراسة الحقوق والإبداع الأدبي؟

- درس والدي بمدرسة الحقوق العليا وتخرج فيها محاميا ولكنه عشق الأدب والكتابة منذ صغره حيث كانت لديه الموهبة كما أن الظروف المحيطة به ساعدته على إبرازها حيث كان أهل بيته جميعهم يمارسون القراءة وكان عمه طاهر حقي من أوائل كتاب الرواية المصرية. واشتغل والدي في البداية محاميا تحت التمرين ثم معاون إدارة بالريف ثم انتقل بعدها للعمل كدبلوماسي.

 

* هل كان لعمله الدبلوماسي أثره في تقييده في الكتابة بالمحاذير والخطوط الحمراء؟

- أبدا لم يكن له تأثير بل أضاف له محطات مهمة في حياته ساهمت في تكوين شخصيته الفنية والإبداعية لأن السفر أتاح له التعرف عن قرب على الفنون الجميلة بكل ألوانها وأطيافها ومن ثم لم يعد كاتبا فقط بل أصبح شغوفا بالفنون ودارسا لها كما فهم الموسيقى بكل أنواعها وألف كتابا بعنوان: «تعالى معي إلى الكونسير» لتعليم القارئ كيف يتذوق الموسيقى الكلاسيكية وكافة أنواع الفنون. ومع ذلك كان مهتما أيضا بالفنون المصرية الأصيلة فدرس موسيقى سيد درويش وموسيقانا الشرقية حتى صار موسوعة فنية.

 

* هل كان له أصدقاء من هذه العوالم الفنية المختلفة؟

- عندما عمل مديرا لمصلحة الفنون كان حسن سيد درويش من أهم الشخصيات التي عملت معه في المكتب وكان على صلة بعمالقة الفن الشعبي مثل زكريا الحجاوي كما كان على تواصل مع الموسيقار محمد عبد الوهاب.

 

* رغم عمله الدبلوماسي وحياته المخملية في فرنسا واهتمامه بالموسيقى الكلاسيكية إلا أن كتاباته كانت تركز على البسطاء وتهتم بالطبقة الشعبية مثل «البوسطجي» و«قنديل أم هاشم»، فكيف حقق هذه المعادلة؟

- بالفعل كان يحيى حقي مع البسطاء وهمه الرجل البسيط وكان يقول دائما عندما أذهب للمسرح أرتوي بالقصة ولكن عقلي وقلبي مع الكومبارس الذي يقف على المسرح. وكان عاشقا للمهمشين ويعيش لهم ويكتب من أجلهم. وهو ما يبدو واضحا في قصة «قنديل أم هاشم» التي كان يخاطب فيها البسطاء ويطلب منهم اليقظة والأخذ بالعلم.

 

* على ذكر كتاباته ما أهم أعماله التي قدمها للأدب العربي؟

- لا شك أنه بمجرد أن نذكر يحيى حقي يبرز اسم «قنديل أم هاشم» كأشهر أعماله إلا أن هناك أعمالا أخرى مهمة منها «البوسطجي»، «سارق الكحل»، «فكرة فابتسامة».

 

* كيف كان يتوقع مستقبل أعماله؟

- كان يرى أن أعماله وأفكاره سوف يتم استيعابها فيما بعد وبالفعل صدقت توقعاته وهناك عدد كبير من الأجيال اللاحقة تعرفت على فكره وكتاباته وسعدوا بها. واليوم أشعر كأنه يعيش بيننا لأن كتاباته عصرية. وأعتقد أن لوالدي أعمالا يمكن معالجتها بشكل حديث لتقديمها في الدراما التلفزيونية وهي تحتوي قيما جميلة يجدر بنا أن نقدمها أمام المشاهد.

 

* كيف كان ينظر للعالم من حوله خاصة في مراحل حياته الأخيرة والتي شهدت تطورا علميا متسارعا؟

- لا زلت أذكر آخر حواراته معي عام 1992 وكان عائدا من فرنسا مبهورا بالتكنولوجيا فكان يرى أننا أصبحا نلهث وراء التقدم وتوقع شعورنا بالتعب مع الوقت وطالبنا أن نلتقط أنفاسنا للحاق بذلك التقدم وكانت لديه توقعات بكل ما حدث وما نجم عنه من آثار تنقل الإنسان لقرن جديد مختلف تماما عما كان عليه وكان يرى أنه من الطبيعي أن يعيش الإنسان عصره حتى لا يكون منقطعا عما يحدث في العالم. ولكنه كان يخشى جدا من العولمة رغم اعتقاده أنها مطلوبة بشرط أن يكون شبابنا مدركين للأرض التي يقفون عليها وينطلقون منها وأن لا ينسوا جذورهم ودينهم وأخلاقهم وكان دائما يراهن على وعي الشباب في الأجيال الجديدة.

 

* بحكم عمله الدبلوماسي، هل كان شغوفا بالسياسة؟ وهل كانت له علاقات وطيدة مع السياسيين في مصر والعالم؟

- كان والدي ليبرالي الفكر وكان مؤيدا لكل ما يحدث من تطور وأفكار جديدة ولم أشعر أنه وقف ضد شيء. وكان مؤيدا متحمسا للسلام، كما كان معجبا جدا بالرئيس أنور السادات وبأفكاره.

 

* هل يعني ذلك أنه لم يكن على علاقة جيدة بالرئيس جمال عبد الناصر؟

- أبدا. لقد كرمه الرئيس جمال عبد الناصر ومنحه جائزة الدولة التقديرية عام 1969.

 

* هل كانت له طقوس خاصة عند الكتابة؟

- بطبيعة الحال لم أعش معه ولكني ذات مرة كنت أصاحبه في مرسى مطروح وشعرت أنه يحب الكتابة في الفجر والوقت المبكر من الصباح، فكانت أهم أوقات حياته الإبداعية عندما يستيقظ من النوم حيث كان يعد نفسه ويتناول إفطارا خفيفا وينزوي عنا ويذهب للكتابة. كما كان يحب أن يكتب بمكتبه وبجواره عدد كبير من قواميس اللغة العربية ليلتقط منها الكلمة المناسبة في مكانها بالضبط بحيث لو أزيلت لتغير المعنى. وهو من أصحاب الأسلوب العلمي في الكتابة وذات مرة رأيته في البيت خارجا من مكتبه وبدا متهالكا جدا فسألته عن السبب فقال لي: «كنت في ولادة متعثرة». وسألته مازحة: «كيف تكون متعثرة في عصر به ولادة قيصرية؟»، فضحك قائلا: «القيصرية لا تدوم، ولا نشعر بجمالها ولا تعبها».

 

* عاش الأديب يحيى حقي عصرا زاخرا بعمالقة الكتابة والأدب. فكيف كانت العلاقة بينه وبينهم؟ وهل حضرت لقاءات مشتركة بينهم؟

- أعتبر كل هؤلاء العمالقة المبدعين عقدا لؤلؤيا يكمل بعضهم بعضا. ورغم حالة التنافس فيما بينهم لكني لم أشعر بوجود غيرة لأن كل واحد منهم كان واثقا من نفسه. وكل منهم له قدره ويدرك قيمته جيدا. فكان هناك تناغم وتواصل جميل بين مبدعي تلك الفترة ومنهم والدي، فمثلا كان يلتقي مع الأستاذ نجيب محفوظ والأستاذ توفيق الحكيم، وكل منهم له مكانته ولا ينظر للآخرين على أنه أكبر أو أصغر منه. فكان هناك تقدير ومحبة متبادلة وهو ما كنت أستشعره في أي جلسة تجمع بينهم في مقاهي الفكر والأدب كأندية الثقافة في الإسكندرية مثلا. وأذكر أن أستاذنا توفيق الحكيم اشتهر بوجوده في مقهى بترو وكذلك الأستاذ ثروت أباظة، ورافقت الوالد في بعض هذه اللقاءات.

 

* ما ذكرياتك عن تلك اللقاءات النادرة؟

- من الذكريات التي لا أنساها أنني رافقته ذات مرة في إحدى زياراته لعميد الأدب العربي الدكتور طه حسين وجلسنا في حديقة بيته وأمرني والدي أن لا أفتح فمي وأجلس صامتة وكانا يتحدثان عن كتاب صادر بينما كنت مهتمة بجمال الحديقة بحكم سني الصغيرة وقتها (حوالي 13 سنة) حتى لفت نظري حديثهما، والحقيقة لم يكن يهمني محتوى الحديث قدر اهتمامي بطريقة وأسلوب الحديث بين والدي وبين العميد، وكان باللغة العربية الفصحى ولا زلت أتذكر عبارة الدكتور طه حسين وهو يقول: «ألم تر معي صديقي العزيز أنه كذا وكذا»، فيرد عليه والدي قائلا: «نعم هناك فجوة معينة في كذا وكذا» وكأنني أشاهد مسرحية تاريخية فاستوقفني الحوار!

 

* الم تحاولي الاستفسار عن سبب هذه الطريقة بدافع الفضول الطفولي؟

- لم أستطع ولم يأت ببالي ذلك السؤال لكني اندهشت من طريقة الحوار وكأني أشاهد عملا تاريخيا على الشاشة أو مسرحية. ومع ذلك كان الكلام سلسا لأنها كانت لغة عربية مبسطة.

 

* هل كانت يتحدث معك في البيت بهذه اللغة أحيانا عندما كبرت؟

- أبدا. وكنت أخشى أن أقرأ أعماله أمامه لأنه «كان بيلطم» وينزعج غاضبا من قراءتي ولذلك كنت أقوم بتسكين الكلام تجنبا للوقوع في الخطأ. وبطبيعته كان مهتما بتعليم اللغة العربية للطلبة وحريصا على الارتقاء بمستواها وكان يقول: «أتمنى أن يأخذوا برأيي في تعليم اللغة العربية لأنها ثرية». وعارض فكرة أنها لن تندثر باعتبارها لغة القران الكريم مبررا ذلك بوجود دول تقرأ القرآن الكريم ولا تتكلم العربية، فكان يحرص أن تكون اللغة ثرية وحية لأنها لو ضاعت فستذوب شخصيتنا العربية، وهكذا كان يرى.

 

* كيف كان ينظر لجائزة نوبل بعد حصول نجيب محفوظ عليها؟ وهل كان يحلم بها؟

- بعد فوز الأديب نجيب محفوظ، سألته عن جائزة نوبل فقال لي إن الجائزة لن تذهب بعد ذلك إلى الأدباء، وستصبح موجهة للعلماء، وصدقت توقعاته حيث فاز الدكتور أحمد زويل بها.

 

* ما سر توقفه عن الكتابة في الفترة الأخيرة من حياته؟ وهل أصابه الإحباط أو استشعر بقرب نهايته؟

- أبدا لم يعرف الإحباط له طريقا لأنه لم يفقد الأمل وظل محتفظا بابتسامته حتى النهاية. لكنه توقف عن الكتابة عندما شعر بأنه لم يعد لديه ما يقدمه من جديد وذلك انطلاقا من صدقه مع نفسه.

 

* ما وصيته الأخيرة لك؟

- كانت نصيحة أقرب منها وصية ولا زلت أتذكرها وهي أن أصطحب معي دائما كتابا من كتبه عند السفر وقد عملت بها ولا زلت أحرص على اختيار أحد كتبه ليكون رفيقا لي طوال السفر كما يشعرني بأنني أتحدث إلى والدي وأنه لم يرحل.


مقالات ذات صلة