التعايش مع الإرهاب

لم تبق جريمة إلا وارتكبها تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)؛ قتل وتعذيب واغتصاب واختطاف، لا جريمة تخطر على بال إلا وارتكبها هذا التنظيم الإرهابي العابر للحدود، وبطبيعة الحال لم تبق دولة في العالم إلا وصنفت داعش تنظيما إرهابيا وشاركت بطريقة أو بأخرى في محاربته، فالأمر من البديهيات.

 

وكما فعلت داعش فعل الحرس الثوري الإيراني وأكثر، تفجيرات وقتل واختطاف واغتيالات في كل أرجاء المعمورة، حتى نكاد نسأل إن كانت هناك أي دولة لم تصل إليها يد الحرس الثوري إن لم يكن بالقتل والتفجير فمن خلال الجرائم المالية وتجارة المخدرات.

ومع ذلك توحد العالم لمحاربة داعش وانقسموا على محاربة تنظيم لا يقل خطورة بل يكاد يكون أخطر، حيث إن الحرس الثوري هو جزء من أجهزة دولة يعترف بها العالم ويفاوضها، بل ويسعى اليوم رئيس أقوى دولة في العالم جو بايدن إلى رفع العقوبات عن «مؤسسة» الحرس الثوري وأفرادها بمن فيهم أولئك الذين تورطوا بقتل الأميركيين.

وإن كانت التسريبات الإعلامية تتحدث عن توجه الإدارة الأميركية إلى شطب الحرس الثوري من القائمة السوداء للتنظيمات الإرهابية الأجنبية مقابل ضمانات إيرانية بكبح جماح قوات الحرس، كجزء من الاتفاق النووي الإيراني، إلا أنه لا يوجد ضمانات حقيقية أو ملزمة لإيران بكبح جماح الحرس الثوري.

وتاريخ هذا التنظيم يدل على أنه لا يشكل خطرا على الدول العربية فحسب، ولا على إسرائيل، بل على جميع دول العالم وشعوبه، فقد امتدت عملياته الإرهابية لتشمل أوروبا وأميركا وأفريقيا، تفجيرات وتبيض أموال وتجارة مخدرات. ووفقا لتقرير لوزارة الخارجية الأميركية في عام 2019، فقد خططت إيران ونفذت هجمات إرهابية على نطاق عالمي، وأنفقت ما يقرب من 700 مليون دولار سنوياً لدعم الجماعات التي صنفتها الولايات المتحدة جماعات إرهابية، كذلك تحدث التقرير عن «تعاون طهران مع تنظيم القاعدة».

إذن، ما الذي تغير؟ بالطبع لا إيران تغيرت ولا الحرس الثوري تبدل، فإيران وحرسها حتى الأمس كانت تقصف القنصلية الأميركية في أربيل، وميليشياتها تقصف أرامكو في المملكة العربية السعودية، لكن من تبدل هي الولايات المتحدة وأولوياتها، وهذا التبدل لم يحصل اليوم بل حصل يوم وصل باراك أوباما إلى البيت الأبيض وخدع العالم بخطب عن الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، ومن ينسى خطابه الشهير في القاهرة يوم توجه إلى العالم العربي والإسلامي، وتحدث عن العلاقة بين الإسلام والغرب وعن نبذ التطرف، كل هذا كان يحصل، بينما كانت إدارته خلف الكواليس تفاوض المتطرفين، أو ليس النظام الإيراني من أبرز وجوه التطرف في العالم؟ ألا يمثل نقيض كل ما تدعي الولايات المتحدة تمثيله؟ حيث حقوق الإنسان معدومة، وأبسط حقوق النساء منتهكة على يد النظام؟ ألم يقل أوباما في حديث صحافي في العام 2016 إن «الحروب والفوضى بالشرق الأوسط لن تنتهي إلى أن تتمكن السعودية وإيران من التعايش معا والتوصل إلى سبيل لتحقيق نوع من السلام». وأثبت بايدن اليوم أنه توأم أوباما إن لم يكن ظله، وبات العالم كله مطالبا بالتعايش مع الإرهاب. فهل اعتدت السعودية على إيران؟ هل مولت السعودية ميليشيات وسلحتها لتفجر وتقصف طهران؟ هل اعتدى السوريون على الشعب الإيراني وشاركوا في قتله؟ أم إن لبنان استخدم إيران ساحة خلفية لعملياته القذرة؟

فما هي هذه السياسة التي تتبعها الإدراة الديمقراطية في واشنطن؟ وأي رسالة للعالم توجه وليس فقط للحلفاء؟ وعلينا أن نتذكر أنها وجهت رسالة شبيهة لهذه الرسالة قبل أشهر عندما انسحبت من أفغانستان بالطريقة التي انسحبت بها. وهل كانت إدارة بايدن لترفع داعش من قوائم الإرهاب لو أن داعش ربحت الحرب أو كانت من الدهاء السياسي كما إيران لتبتز العالم بعملياتها الإرهابية؟

قد يكون الملف الإيراني وتحديدا موضوع رفع العقوبات عن الحرس الثوري وغيره من أبرز الملفات التي ناقشها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع كل من ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، ورئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينيت في القمة الثلاثية التي انعقدت بمدينة شرم الشيخ، فكما يحق لأميركا ترتيب أولوياتها وصب أغلب جهدها على الصين وروسيا، من الواقعية أن تتحرك دول المنطقة لترتب أولوياتها أيضا، فإيران على الحدود وأحيانا كثرة باتت داخل العديد من دول المنطقة، وهي تمثل خطرا وجوديا، لا يعني ذلك أن تتحول أميركا إلى خصم، ولكنها بالتأكيد لم تعد الصديق الذي من الممكن الاعتماد عليه ومنحه ثقة عمياء. فالتحالف الذي تزعم الولايات المتحدة أنها حريصة عليه مع دول المنطقة بات من الماضي، لأن عقلية أن العرب لا يغضبون مهما فعلنا انتهت منذ زمن، منذ كان جو بايدن سيناتورا في مجلس الشيوخ.