الاقتصاد المصري يتجرّع المرّ بسبب الأزمة الأوكرانية

الجنيه يسجل أدنى مستوى في 5 سنوات
المركزي المصري يبقي «الأموال الساخنة» برفع الفائدة

القاهرة: أجبرت الحرب الروسية الأوكرانية الحكومة المصرية على استخدام أدوية مرّة، تستهدف مواجهة أعراض اقتصادية لا يمكن تركها للتفاقم بداية من خروج الاستثمارات الأجنبية من أدوات الدين بالأسواق الناشئة، ومروراً بارتفاع أسعار السلع الأساسية في بلد تحتل المرتبة الأولى بواردات القمح، ونهاية بارتفاع التضخم المستورد لغالبية السلع.


قبل الأزمة الأوكرانية، كانت الأمور تسير على ما يرام في الاقتصاد المحلي مع انتعاش في قطاع السياحة، وارتفاع الاحتياطي النقدي بصورة مطردة حتى لو بمبالغ زهيدة، وارتفاع الصادرات لأعلى مستوى وكسرها حاجز الـ30 مليارا، واستقرار معدل التضخم عند الحدود المستهدفة عند 7 في المائة (± 2 نقطة مئوية)، قبل أن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.


فاجأ البنك المركزي الأسواق باجتماع استثنائي للجنة السياسة النقدية قبل موعده الرسمي بأربعة أيام، قررت خلاله سعري عائد الإيداع والإقراض لليلة واحدة وسعر العملية الرئيسية للبنك المركزي بواقع 100 نقطة أساس ليصل إلى 9.25 في المائة و10.25 في المائة و9.75 في المائة، على الترتيب، كما تم رفع سعر الائتمان والخصم بواقع 100 نقطة أساس ليصل إلى 9.75 في المائة.


بالتزامن مع إعلان قرار الفائدة الذي تضمن فقرة أكد فيها تبني البنك سياسة صرف مرنة، كان الدولار يشق طريقه صاعدا في تعاملات البنوك الرسمية ليصل في أول يومين لتعويمه لأدنى مستوى منذ يناير (كانون الثاني) 2017، بعدما وصل إلى 18.45 جنيه للشراء و18.55 جنيه للبيع، في تعاملات بعض البنوك الرسمية.

الجنيه يسجل أدنى مستوى في 5 سنوات


وبحسب المركزي، فإن قرار رفع الفائدة هدفه مواجهة الضغوط التضخمية العالمية التي بدأت في الظهور من جديد بعد بوادر تعافٍ من اضطرابات جائحة كورونا، وذلك بسبب تطورات الصراع الروسي الأوكراني، والارتفاع الملحوظ في الأسعار العالمية للسلع الأساسية، واضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن، بالإضافة إلى تقلبات الأسواق المالية بالدول الناشئة.


تشير عبارة تقلبات الأسواق إلى أحد أهداف المركزي من القرار، وهو الحفاظ على استثمارات الأجانب بأدوات الدين الحكومية، وموجة نزوح الأموال الساخنة من الأسواق الناشئة على وقع رفع الفائدة في الأسواق الغربية.


تشير تقديرات غير رسمية إلى خروج 5 مليارات دولار من مصر، في أعقاب الأزمة الروسية وتوقعات رفع الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الفائدة للعام الحالي عدة مرات، ما سيجبر السياسة النقدية بمصر هي الأخرى إلى رفع الفائدة المرتفعة أساسا من أجل الحفاظ على جاذبيتها.


بنك غولدمان ساكس، المؤسسة الشهيرة في تقديم الخدمات المالية والاستثمارية، ذكرت أن قرارات المركزي بخفض الجنيه بنسبة تراوحت ما بين 10 و11 في المائة ورفع المعدل الرئيسي للفائدة بمقدار 100 نقطة أساس، يزيدان من جاذبية السوق المصرية أمام المستثمرين الدوليين وصناديق الاستثمار العالمية.


لكن المؤسسة، ترى في مذكرة بحثية، بعدا آخر لقرارات «الاثنين الكبير» تتمثل في احتمالية قيام مصر بالتفاوض على اتفاق أو برنامج جديد مع صندوق النقد الدولي، فحزمة القرارت الجديدة من شأنها تحسين تصنيف الجنيه، وعكس اتجاه التدفقات الخارجة للأموال لتتحول لشراء الجنيه المصري من جانب الصناديق الدولية.

السيطرة على التضخم
طارق عامر، محافظ البنك المركزي، قال في مؤتمر صحافي، إن القرار هدفه السيطرة على مستويات التضخم المستورد حاليا من الخارج، لأن المنتجات أسعارها ارتفعت، مما دفع البنك المركزي لاتخاذ قرار يساعد على سحب السيولة عن طريق زيادة الفائدة وتشجيع المواطنين على الادخار.


وطرح أكبر بنكين حكوميين (الأهلي ومصر) شهادات ادخارية سنوية يتم توزيع عائدها شهريا بفائدة تصل إلى 18 في المائة وتبدأ من ألف جنيه فقط، والتي هدفها منع تآكل ودائع صغار المودعين والودائع العائلية، في ظل اعتماد قطاع من المصريين على الفائدة، في الإنفاق على شئونهم الحياتية.

تخفيض توقعات النمو إلى 5.5 في المائة


البنك المركزي يسعى للمحافظة على موارد مصر والسيولة بالنقد الأجنبي لتوفير السلع الأساسية، وإبقاء قنوات الاستثمار الأجنبي ومعدلات تحويلات المصريين بالخارج لتلبية الاحتياجات التنموية للدولة، بحسب طارق عامر.


تضرر قطاع السياحة الذي يمثل أحد موارد العملة الصعبة بمصر بسبب الحرب، فروسيا وأوكرانيا يمثلان معا نحو 35 في المائة من إشغالات السياحة بجنوب سيناء، ومن شأن إضعاف الجنيه أن يساعد خطط وزارة السياحة في جذب أسواق جديدة، من آسيا وأميركا اللاتينية.


وتسعى مصر أيضا لحماية تحويلات عامليها بالخارج من إغراءات الفائدة الغربية، خاصة أنها مصدر أساسي للعملة الصعبة، وسجلت خلال عام 2021 نموا بنسبة 6.4 في المائة تعادل 1.9 مليار دولار لتصل إلى 31.5 مليار دولار مقابل نحو 29.6 مليار دولار خلال عام 2020، بحسب البيانات الرسمية.


يقول محمد عبد العال، الخبير المصرفي، إن قرارات المركزي جاءت في ظل ظروف خارجة عن إرادة الاقتصاد المصري، وهدفها حماية مكتسبات برنامج الإصلاح الاقتصادي وامتصاص أي ضغوط تضخمية جديدة مصدرها الأزمة الروسيةـ الأوكرانية.


يضيف عبد العال أن تحريك سعر صرف الدولار يحقق مكاسب للاقتصاد المصري، عبر تشجيع تحويلات المصريين العاملين في الخارج وزيادة جاذبية الجنيه للاستثمار الأجنبي غير المباشر بعد تحسن الفائدة وسعر الصرف.


من شأن تلك القرارات- بحسب عبد العال- أن تجعل الجنيه محتفظًا بمركزه المتميز بين قائمة العملات المحققة لعائد حقيقي بين عملات الدول الناشئة، كما يدعم التصدير المصري عبر منح الصادرات قدرات أعلى على المنافسة أمام السلع المشابهة.


وتعتبر وزارة المالية المتضرر الأول من رفع سعر الفائدة، التى تفاقم أعباء تمويل الدين العام على الموازنة العامة للدولة، كما يحجم مستهدفاتها لخفض عجز الموازنة والسيطرة على الدين العام وكذلك نسبة البطالة وزيادة مساهمة القطاع الخاص فى الاقتصاد.


بدوره، اكد وزير المالية الدكتور محمد معيط، في مؤتمر صحافي، أخيرا، أن وزارته تسعى إلى خفض الدين لما دون 90 في المائة بحلول نهاية العام المالي الحالي في 30 يونيو (حزيران) 2022، على أن يهبط لأقل من 85 في المائة من الناتج المحلي عام 2025/2026.


وخفضت الحكومة توقعاتها للنمو الاقتصادي للعام المالي المقبل 2022-2023 إلى 5.5 في المائة، مقارنة مع توقعات سابقة بنسبة 5.7 في المائة قبل اندلاع حرب أوكرانيا، بحسب وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية.


ورغم التحديات الصعبة للخزانة العامة، أعلنت الحكومة عن حزمة من الإجراءات المالية والحماية الاجتماعية بقيمة 130 مليار جنيه للتعامل مع تداعيات التحديات الاقتصادية العالمية، وتخفيف آثارها على المواطنين.


تضمنت تلك الحزمة تدبير 7.2 مليار جنيه لضم 450 ألف أسرة جديدة للمستفيدين من «تكافل وكرامة»، وتبكير موعد العلاوات السنوية لتبدأ من شهر أبريل (نيسان) وليس شهر يونيو (حزيران) كالمعتاد.


حاولت الحكومة امتصاص تأثير الفائدة والدولار على القطاع الخاص، فأعادت العمل بالدولار الجمركي عند 16 جنيها للسلع الأساسية ومستلزمات الإنتاج، بديلا من متوسط سعر الدولار المصرفي، مع تحمل الخزانة العامة للدولة قيمة الضريبة العقارية المستحقة عن قطاعات الصناعة لمدة 3 سنوات بقيمة 75.3 مليار جنيه.

جذب المستثمرين
وشملت أيضا مجموعة حوافز ضريبية إضافية لدعم سوق رأس المال وزيادة الإقبال على التداول وكذلك قيد الشركات فى البورصة، وإعفاء نسبة من الربح المحقق لحملة الأسهم تعادل معدل الائتمان والخصم الصادر من البنك المركزي في بداية كل سنة ميلادية، وخصم نسبة 50 في المائة من قيمة الأرباح الرأسمالية المحققة عند الطرح الأولي في بورصة الأوراق المالية لمدة سنتين، تخفض إلى 25 في المائة بعد ذلك.


محمد عبدالوهاب، الخبير الاقتصادي، يقول إن تحريك الجنيه يستهدف السيطرة على انسحاب الاستثمارات الأجنبية غير المباشرة (الأموال الساخنة) من السوق المصرية فى ظل منافسة كبيرة تشهدها أسواق السندات بعد رفع الفيدرالي الأميركي الفائدة وتوقعات برفعها أكثر من مرة خلال العام الحالي.


يرى عبد الوهاب أن تلك القرارات ستجتذب المستثمرين الأجانب خاصة العرب في ظل أزمة روسيا وأوكرانيا التي تلقي بظلالها على الاقتصاد العالمي، خاصة في ظل ما تتمتع به السوق المحلية من ثقة وأمان للمستثمرين أكثر من الأسواق الغربية حاليا.


يقصد عبد الوهاب، موجة تجميد استثمارات رجال الأعمال الروس في الدول العربية المقدرة بمليارات الدولارات بزعم ارتباطها بنظام الرئيس الروسي والتي جعلت قطاعا من المستثمرين يرون أن الأسواق الناشئة أكثر أمانا.


يعتبر عبد الوهاب خطوة البنك المركزي في مصر استباقية هدفها امتصاص جزء من التضخم الموجود بالسوق المصرية، فجزء أساسي من ارتفاع الأسعار ناجم عن ارتفاع المواد الخام وليس ارتفاع القوة الشرائية أو زيادة منحنى الطلب عن العرض.
توقع الخبراء في مصر رفع البنك المركزي أسعار الفائدة أكثر من مرة العام الحالي، لكن بنسب أقل من 1 في المائة لحماية مناخ الاستثمار وتوسع الشركات بالسوق في وحدات إنتاجية جديدة لمنع ارتفاع البطالة، خاصة أن الدولة تعتمد على القطاع الخاص في التشغيل.


توجد تخوفات لدى القطاع الخاص في مصر حاليا من تداعيات الفائدة وارتفاع المواد الخام، خاصة القطاع العقاري الذي يقبل منذ شهور على الاقتراض البنكي لتمويل المشروعات خاصة بعد قرار حكومي لمنع بيع الوحدات الجديدة إلا بعد الانتهاء من 30 في المائة من الإنشاءات.


سجلت أسعار الحديد والأسمنت اللذين يمثلان نحو 60 في المائة من تكلفة العقارات، ارتفاعات قياسية لم تشهدها السوق من قبل بسبب الأزمة الروسية الأوكرانية، بعدما قفز السعر بنحو 3500 جنيه في المتوسط للحديد خلال عام، بينما ارتفع الأسمنت بنسبة 40 في المائة إلى مستوى 1500 جنيه للطن في المتوسط.


تحديات للسوق العقارية
أحمد الشناوي، عضو لجنة التشييد بجمعية رجال الأعمال المصريين، يؤكد أن صناعة التطوير العقاري أمام تحديات كبيرة، فالشركات تواجه أزمة سيولة بعد رفع سعر الفائدة وارتفاع أسعار مواد البناء وسعر صرف الدولار.


وأضاف أن الشركات العقارية ربما تضطر للتنازل عن جزء من هامشها الربحي للحفاظ على الطلب، رمطالبًا بتيسير إجراءات التمويل العقاري للحد من الأعباء التي تقع على عاتق الشركات وزيادة فترات السداد لثمن الأراضي، خاصة أن القطاع العقاري يساهم بنحو 25 في المائة من الناتج المحلي وترتبط به 100 حرفة بشكل مباشر وغير مباشر.

السماسرة رفعوا أسعار العقارات في القاهرة (فرانس برس)

ملف الأمن الغذائي
جعلت الأزمة الأوكرانية الحكومة المصرية تفكر بشكل مغاير في ملف الأمن الغذائي، عبر تكرار تجربة الخليج في استغلال أراضٍ في الخارج، وزراعتها بالمحاصيل الاستراتيجية لتجنيب الاقتصاد أزمة نقص الإمدادات والأزمات السياسية التي قد تنشب في أي وقت.
وكانت الحكومة قد بدأت مشروعات عملاقة مثل الدلتا الجديدة وإعادة الاهتمام بمشروع توشكي في جنوب مصر مع مشروع آخر للصوب الزراعية، لكن توجهها المستقبلي سيكون باتجاه المحاصيل الأساسية وليس الفاكهة والخضراوات.


وأمام محدودية الرقعة الزراعية والتحديات المائية، ستتجه الحكومة جنوبا، خاصة أن لديها حاليا سجلا من المشروعات الخدمية في أفريقيا من الطرق والسدود والمباني ما يسهل من الإجراءات ويمنحنا مزايا تفضيلية.


وكانت مصر قد اتخذت خطوات منذ سنوات لزراعة أراضٍ بالسودان بدوار الشمس وفول الصويا والذرة، ما يساهم فى توفير زيوت الطعام للسوق المصرية، ويحد من الاستيراد، خاصة أن السودان تمتلك ملايين الأفدنة الصالحة للزراعة.

خطوة البنك المركزي في مصر استباقية


وتعتبر الكونغو أيضا من الدول التي يمكن للحكومة المصرية التفكير فيها، فمساحتها 2.35 مليون كيلومتر مربع، منها مساحة تغطّيها الغابات تبلغ 1.3 مليون كيلومتر مربع.


وتسعى الحكومة حاليا لتعزيز التحوط أيضا عبر منح مزايا للإنتاج المحلي وبناء مخزونات بالتوقيت ذاته، وتعاقد وزارة التموين والتجارة الداخلية، ممثلة في الهيئة العامة للسلع التموينية، الثلاثاء الماضي، على كمية 101 ألف طن زيت خام، لتكوين مخزونات استراتيجية من السلع الغذائية الأساسية المختلفة بما لا يقل عن 6 أشهر، رغم التقلبات السعرية المرتفعة للمواد الغذائية على مستوى العالم في الوقت الحالي.


طالب حسين أبو صدام، نقيب الفلاحين، بمزيد من الدعم للفلاح المصري لزيادة المحصول وتقليص الاستيراد، واعتبر الأسعار الجديدة لتوريد القمح مرضية ومساوية للأسعار العالمية، وتقطع الباب أمام إمكانية التخزين، مضيفا أن استيراد 50 في المائة من القمح من الخارج مشكلة يجب حلها.


وتعتبر مصر، أكبر مستورد في العالم، بنحو 10 ملايين طن سنوياً بينها 6 ملايين تشتريها وزارة التموين لصالح المخابز والباقي للقطاع الخاص، كما تستورد نحو 60 في المائة من الزيوت من الخارج بينما يتم أيضا استخلاص الزيوت الباقية من منتجات مستوردة وليس محلية.


ووافق مجلس الوزراء على صرف حافز استثنائي للتوريد والنقل للقمح، بقيمة 65 جنيها، ليضاف إلى أسعار التوريد المحددة سلفاً، بذلك يصبح إجمالي أسعار التوريد، شاملة الحافز الاستثنائي 865 جنيها للإردب زنة 150 كغم، بدرجة نظافة 22.5 قيراط، و875 جنيها للإردب زنة 150 كغم، بدرجة نظافة 23 قيراطا، و885 جنيها للإردب زنة 150 كغم، بدرجة نظافة 23.5 قيراط.
وأشاد نقيب الفلاحين بسرعة صرف مستحقات المزارعين فور توريد القمح للشون والصوامع الحكومية، وعدم الانتظار لفترات طويلة للحصول على المستحقات، وإنشاء نقاط جمع عديدة قريبة من الأراضي الزراعية بمختلف المحافظات لجمع القمح من الفلاحين، وخفض تكلفة النقل والتوريد.