ريم بسيوني لـ«المجلة»: أهتم بالجانب الإنساني لأبطال رواياتي

الروائية التي حصدت العديد من الجوائر العربية الدولية وأبرزها جائزة نجيب محفوظ

القاهرة: تحتضن مصر نخبة فريدة من الكتاب والروائيين الذين ألفوا أعمالا عظيمة خلدها التاريخ، استطاعت أن تلهم جيلًا بدأ مؤخرًا رحلته لإحياء بريق القراءة وتأثيرها الكبير في بناء العقول. ومن بين هؤلاء الكتّاب، الروائية ريم بسيوني، التي أخذت قراءها من خلال أعمالها للقيام برحلة شيقة نحو أسرار وألغاز التاريخ من خلال رواياتها.

ريم بسيوني، أستاذة اللغويات في الجامعة الأميركية، والروائية، ولدت بالإسكندرية عام 1973، ثم حصلت على ليسانس آداب قسم اللغة الإنجليزية بجامعة الإسكندرية وتم تعيينها في الجامعة ذاتها، ثم حصلت على الماجستير والدكتوراه من جامعة أكسفورد في بريطانيا في علم اللغويات، والدكتوراه في تحليل «الخطاب السياسي» من جامعة أكسفورد.

كما قامت ريم بسيوني بالتدريس في بعض الجامعات الأميركية عن الفكر والثقافة والأدب العربي، عملت لفترة قصيرة في المملكة المتحدة قبل أن تنتقل إلى الولايات المتحدة، ومن هناك انتقلت إلى جامعة جورج تاون، وحاليًا تعمل أستاذة بالجامعة الأميركية في القاهرة.

يتميز أسلوب كتابة ريم بسيوني بالبساطة، والوضوح، فلغتها عذبة وسهلة. تستخدم مفردات وألفاظا بسيطة في كتاباتها، كي تستطيع إيصال أفكارها العميقة للقارئ بانسيابية شديدة وسلاسة. كما أن رواياتها تمتاز بالإثارة والتشويق، وإنهاء قراءتها في جلسة واحدة. كانت دراستها للأدب الإنجليزي رحلة لاستكمال هوايتها ومتابعة حلم التعمق في الأدب والتاريخ العربي خارج أسوار المناهج الجامعية، حتى وقعت في أسر حب التاريخ، وخاصة تاريخ المماليك.

على الرغم من كل المصاعب التي مرت بها، إلا أنها لا تزال تحلم وتبحث في أوراق التاريخ، وترسم حوارات خيالية بين أناس عاشوا ذات يوم من أجل إعادة بعض الإنصاف إلى تاريخهم، وليضيفوا لونًا إلى عالمهم وكأننا نعيشه في وقتنا الحاضر.

خمسة عشر عامًا أو أكثر مرت على نشر الرواية الأولى للروائية العالمية، والتي ترجمت العديد من أعمالها إلى الإنجليزية والإسبانية واليونانية، وفازت بالعديد من الجوائز العربية والدولية، بما في ذلك جائزة نجيب محفوظ الأدبية، بالإضافة إلي جائزة الملك فهد عن رواية «بائع الفستق» عام 2009.

ستجعلك روايات ريم بسيوني تشعر وكأنك في إحدى جلسات القراءة الخاصة بك تطلق العنان لخيالك لاستحضار الشخصيات التي تخرج من بين السطور والمحفورة على الجدران من زمن مضى منذ زمن بعيد، ولكن بقاياه لا تزال موجودة على جدران معالم مصر المحروسة. فأبطالها يعيشون دون خوف، وبطلاتها يبحثن عن حريتهن لإثبات أنفسهن. تؤمن النساء في رواياتها بأن حريتهن هي حرية العقل والقلب، حيث يتحرر الجسد، ويتحرر الوطن من كل محتليه.

أجرت «المجلة» مقابلة شيقة مع الكاتبة والروائية ريم بسيوني حول الأدب والثقافة وكان هذا نصها:

* تخصصك في اللغويات، ما الذي دفعك لكتابة الروايات وبالأخص باللغة العربية؟

- أردت دائمًا أن أصبح مؤلفًة وكان هذا حلمي منذ أن كان عمري 12 عامًا. التحقت بقسم اللغة الإنجليزية بسبب حبي للأدب ومن ثم تخصصت في اللغويات. كان الأمر مقدرا منذ البداية أن أصبح كاتبة.

 

* لقد درست وعشت في المملكة المتحدة ولكن مع ذلك تكتبين باللغة العربية، فهل لذلك علاقة بالهوية؟

- من الغريب حقًا أن أكتب رواياتي باللغة العربية فقط وكتبي الأكاديمية باللغة الإنجليزية. لدي تسع روايات وتسعة كتب أكاديمية. اكتشفت أنني لا أستطيع أن أكون صادقة بشأن التعبير عن المشاعر الإنسانية بكافة جوانبها إلا بلغتي الأم.

* في ظل تعقيدات الواقع، وضراوة همومه وتحدياته، يكون اللجوء إلى الأدب التاريخي هو نوع من الهروب.  هل تتفقين مع ذلك؟

- الأدب التاريخي بالنسبة لي هو تحرير. إنه يمنح خيالي مزيدًا من الحرية في السيطرة. أحب إجراء الأبحاث، لذا فإن القدرة على استخدام مهاراتي كباحث لكتابة الروايات هي حالة مربحة للجانبين. كما أنني أشعر أن مهمتي هي إظهار الجمال الذي اكتشفته للناس في الآثار والقصص التاريخية.

* لماذا اخترت الكتابة عن الدولة الطولونية؟ وهل كنت تقصدين الربط بين الهوية المصرية والدولة الطولونية؟

- الدولة الطولونية هي أول دولة مصرية مستقلة تحت الحكم الإسلامي. كما أنها تعد الفترة التي كان لمصر فيها جيش مكون من المصريين منذ مصر القديمة. لذلك فهي فترة حرجة للغاية وتكوينية في التاريخ المصري، كما أنها فترة كانت مليئة بزخم من مشاعر الفخر والاعتزاز، بالإضافة إلى أن مسجد ابن طولون هو أقدم مسجد في مصر؛ حيث ما زال محافظا على أساسياته وأصالته حتى الآن.

* لماذا اهتممت بإبراز الجانب الإنساني لابن طولون؟

- أنا دائما أهتم بالجانب الإنساني لأبطال رواياتي. أشعر أن هذا هو جوهر الأدب الذي يسلط الضوء على روابطنا كبشر معًا. لذلك هذا ضروري في كتابتي. تكمن المشكلة في أن الشخصيات التاريخية في معظم الأعمال التاريخية ليست بشرية؛ إنهم طيبون أو شريرون، لكن هذا غير واقعي.

* ما الإلهام وراء كتابتك «ثلاثية المماليك» لـ«أولاد الناس» وكيف كانت كتابتها؟

- بعد زيارة مسجد السلطان حسن لأول مرة في عام 2013. لقد تأثرت بشدة بالهندسة المعمارية لدرجة أنني أردت دراسة مصر المملوكية وهذا قادني إلى رحلة استكشافية كبيرة في الحضارة الإسلامية.

* ما سر اختيارك للعصر المملوكي ليكون مسرحا لأحداث ثلاثيتك؟

- بدأت بالكتابة عن كيفية بناء المسجد وقصة المهندس. ثم وجدت نفسي أكتب الجزء الثاني عما حدث للمسجد بعد 80 عامًا. واصلت الثلاثية مع الحرب بين المماليك والعثمانيين ونهاية حقبة حاسمة لمصر.

 

* ألا تعتقدين أن إيقاع العصر لم يعد يحتمل فكرة الثلاثية؟ كيف اكتسبت الشجاعة لتأليف ثلاثية مطولة في وجه قارئ يشعر بالملل؟ كيف تغلبت على هذا التحدي؟

- تأليف كتاب من 800 صفحة هو تحدٍ لكنني لم أستطع أن أمنع نفسي من كتابته. كان الأمر أشبه بصوت داخلي يحثني على مواصلة القصة. لم أتوقع هذ النجاح الكبير. ومع ذلك، كانت الرواية على قائمة الأكثر مبيعًا لمدة ثلاث سنوات متتالية.

* ما السبب وراء تواجد المساجد دائما في رواياتك؟ ما سبب حرصك على التواجد مع قرائك في مسجدي ابن طولون والسلطان حسن؟

- زيارة مواقع رواياتي هي بمثابة استمرار للقصة. شعرت بالحاجة إلى مشاركة شغفي بالأماكن مع قرائي وما تعنيه بالنسبة لي.

* لماذا اعتمدت على تساؤلات الغزالي في رواية «سبيل الغارق: الطريق والبحر»؟

- الغزالي من المفضلين لدي؛ لا أنكر تأثري الشديد بكتابات هذا الفيلسوف المتصوف، فهو يفهم جوهر الحياة بعمق لدرجة أذهلتنا جميعًا. إنه يستحق الكتابة عنه. وأجدني أستمتع في كل مرة بطريقة تحليله، وأفهمه بصورة مختلفة، فلديه دائمًا الجديد.

* في رواياتك التاريخية «أولاد الناس»، «ثلاثية المماليك»، و«القطائع: ثلاثية ابن طولون» و«سبيل الغارق: الطريق والبحر»، كانت النساء دوما يقفن وراء الرجل لمحاربة البريطانيين أو ضد المجتمع من أجل الذهاب إلى المدرسة للتعلم. ما مدى قوة إيمانك بدور المرأة في المجتمعات العربية؟

- كان للمرأة دور كبير في مجتمعاتنا. لم يكونوا يقاتلون من أجل حريتهم فقط؛ بل كانوا يقاتلون من أجل الحرية من المستعمرين أيضا. لقد قاتلوا من أجل الإنسانية جمعاء، وليس من أجل أنفسهم فقط.

* كيف هو شعورك بعد استلام جائزة باسم محفوظ؟

- الفوز بجائزة نجيب محفوظ شرف كبير، نظرا لكونها جائزة مصرية مهمة جدا، كما أنها باسم الأستاذ نجيب محفوظ، الذي تمنيت أن يكون موجودا بالفعل وأن يقرأ الرواية بنفسه. إنه كاتب عميق يجسد جوهر الإنسانية.

* ما الموضوع الذي تودين الكتابة عنه ولكنك تخافين منه حتى الآن؟

- مصر القديمة. أتمنى أن أكتب عنها. لكنني أخاف من مقدار المعرفة التي أحتاجها قبل أن أبدأ.

* ما العمل الأقرب إلى قلبك؟

- «أولاد الناس» قريب جدا من قلبي لأنه تم تقديمه للقراء بشكل  أوسع وهو الآن يحمل شرف جائزة محفوظ.

* ما الذي تريدين أن يخرج به القارئ من كتبك؟

- أريد أن يفكر القراء بعمق في التجربة الإنسانية، وأن يكونوا أقل حكمًا وأكثر قبولًا وأكثر تسامحًا وتفهمًا.

 

 


مقالات ذات صلة