رمضان يطرق أبواب اللبنانيين بـ«غصّة» فرضتها الأزمة المعيشية 

الطقوس «غائبة» والتحضيرات للشهر الفضيل تكشف حجم المعاناة
المسحراتي يضيف إلى صيدا اللبنانية بهجة في ليالي شهر رمضان

بيروت: بأي حال عدت يا رمضان؟.. لسان حال اللبنانيين الغارقين في أتون أزمة معيشية تحكم بخناقها على يومياتهم الحبلى بالهموم، فاقمتها تداعيات اقتصادية واجتماعية جراء الحرب الروسية الأوكرانية، على وقع تواصل انهيار الليرة اللبنانية وتحليق أسعار المحروقات، في مسلسل يُعمّق معاناة شعب بالكاد بات يستطيع تأمين قوته اليومي بالحد الأدنى من مقومات الصمود في وجه الرياح العاتية التي تحاصرهم منذ عام 2019 بفعل سلطة عاجزة وخانعة، أوصلتهم مع البلاد إلى القعر.

أيام قليلة فاصلة على قدوم الشهر الفضيل، فيما التحضيرات في الشوارع والمحال وحتى داخل البيوت، ليست كما اعتادها اللبنانيون، فعلى الرغم من تخفيف تدابير كورونا التي قيّدت حركتهم الترحيبية بأيام الصوم خلال السنوات الثلاث الأخيرة، إلا أن هذا العام جاء أشد قسوة عليهم، فقدرتهم الشرائية خانتهم، كما أن جيوبهم شبه الفارغة تحرمهم من إحياء طقوس رمضانية وعادات اجتماعية، ففوانيس رمضان وزينة الشوارع كما البيوت خفت وجودها، وولائم الإفطار الجماعية غائبة، أما العائلية فمحدودة نظراً للظروف الراهنة.

لم تعد التحضيرات الرمضانية زاخرة كما جرت العادة، فوجبة الإفطار باتت مكلفة، فأسعار مستلزمات طبق يومي «طايرة» في منحى تصاعدي، ما سيجعل استعدادات اللبنانيين على قاعدة «كل يوم بيومه» و«الرزق على الله»، في مؤشرات توحي بأن التقاليد الرمضانية «ستتقلّص»، مع توقعات بأن يخرقها وجود المسحراتي في بعض القرى والبلدات النائية أو شوارع  العاصمة والمدن القديمة.

قدرة شرائية معدومة.. وأسعار «نار» وتخزين!

يتخبط  لبنان في أزمة اقتصادية هي الأسوأ منذ انتهاء الحرب الأهلية عام 1990، أدت إلى تراجع قياسي في قيمة العملة الوطنية مقابل الدولار، وانهيار القدرة الشرائية لمعظم المواطنين، وزيادة معدلات الفقر، لتزيد من شدة وطأتها الحرب الروسية الأوكرانية التي طالت بسهامها دول العالم، كما لبنان الذي يعتمد في إمداداته الأساسية من قمح وزيوت على الاستيراد منها.

فقبيل رمضان، شهدت الأسعار قفزة نارية، وسط خشية من انقطاع بعض المواد الأساسية بحكم توقف تلك الإمدادات جراء الحرب، وموجة تخزين، على الرغم من تدني القدرة الشرائية لغالبية اللبنانين الذين تهافتوا لتأمين المواد الأساسية، في حالة هلع غير مسبوقة، خشية من عدم توافرها في الأسواق.

وفي هذا الإطار، أكد نقيب مستوردي المواد الغذائية هاني بحصلي لـ«المجلة» أن «الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة واستمرار جائحة كورونا، قد يجعلان شهر هذا العام هو الأصعب على مرّ السنوات في لبنان»، مشدداً على أن «البضائع الأساسية لشهر رمضان موجودة».

نقيب مستوردي المواد الغذائية هاني بحصلي

واعتبر أنه «من المعروف أن تشكيلة بضائع رمضان تبدلت بحكم الظروف، والأولوية  لدى الناس باتت للأصناف الأساسية من الحبوب والأرز والزيت»، مشدداً على أنه على الرغم من الأزمة فهي موجودة وتكفي لرمضان، ويجب أن لا يكون هناك تهافت مفرط للتخزين، بغض النظر أن التخزين مبرر بسب خوف الناس على أمنها وغلاء البضائع، فهناك الكثير منهم لا قدرة لهم على شراء احتياجاتهم اليومية.

أما بخصوص الأسعار، فأوضح بحصلي أن مقولة أن الأسعار ترتفع دائماً في رمضان غير صحيحة، والسوق ترتكز على العرض والطلب وتطوراتهما، وخصوصاً البضاعة المستوردة، من دون إغفال تقلبات أسعار المحروقات عالمياً وسعر صرف الدولار محلياً.

وعن نسبة الاستهلاك، أشار بحصلي إلى أن هذا التهافت الذي حصل منذ أسبوعين خلط الأرقام، إذ ارتفعت نسبة مبيعات السوبر ماركت أكثر من معدلاتها اليومية أو الأسبوعية جراء الشراء بغية التخزين وليس الاستهلاك، مشدداً على أن القدرة الشرائية للمواطن تدنت إلى مستويات كبيرة جداً لا تسمح له بأن يشتري كل احتياجاته.

«سيبانة رمضان».. تقليد يغيب

تحكم الظروف على اللبنانيين الذين يجدون أنفسهم مضطرين للتخلي عن عادات توارثوها، ومنها ما يُعرف بــ«سيبانة رمضان»، فمشهدية الماضي الجميل التي تتمثل في قيام العائلات بالتجمع والذهاب إلى مقهى أو مطعم لتناول المأكولات والمشروبات والحلويات في اليوم الأخير من شهر شعبان استعداداً لاستقبال رمضان، باتت مستحيلة على كثيرين في ظل الغلاء المستشري، وفق ما أوضحه لـ«المجلة» مصطفى منصور صاحب أحد المطاعم في بيروت، لافتاً إلى أن الحركة بالإجمال خفيفة، وكلفة القيام بهذا التقليد تتخطى الحد الأدنى للأجور لرب العائلة الذي بات بحدود الـ30 دولاراً.
يغيب هذا التقليد ومعه الأجواء الاحتفالية الشعبية التي كانت تشهدها الكثير من المدن والمناطق اللبنانية، حيث كان يشارك فيها الكبار والصغار وتقام فيها العروض والمسابقات عبر فرق كشفية أو صوفية تجوب الأحياء ويردد المشاركون فيها الأناشيد والمدائح النبوية ترحيباً بالشهر الكريم.

التهديد يطال عرش المائدة الرمضانية

يستقبل اللبنانيون شهر رمضان بغصّة، وسط صعوبات في تأمين الطعام وشراء السلع، فالوضع المتدهور عكّر فرحتهم بقدوم شهر الخير.

وعلى الرغم من الغلاء، يُحاول البعض جدولة حساباته في ظل أزمة تفتك بهم، فالكثير من الأطباق التي كانت تُزيّن المائدة الرمضانية مهددة بالغياب، فالفتوش الذي كان يتربع على عرشها، إلى جانب الكبّة والجلاب وغيرهما من مكونات السفرة الرمضانية اللبنانية، أضحت أسعارها خارج قدرة الكثيرين، وبين الطبق الرئيسي للإفطار والسحور، ستغيب حكماً عناصر أساسية كاللحوم، مع وصولها إلى مستويات بعيدة عن متناول العديد من العائلات.

كيف سيتمكن المواطن من تأمين إفطاره؟ هكذا تختصر نهى طرابلسي، أمٌّ لثلاثة أولاد، قلقها من عدم قدرتها وزوجها على تأمين الإفطار لأولادها، حالها كحال غالبية اللبنانيين، إذ أوضحت لـ«المجلة» أنها بخلاف الأعوام السابقة، لم تتمكن من الاستعداد والتموين للشهر الكريم، ووجبة الإفطار بالكاد ستتكون من طبخة واحدة.

وقالت: «لم أتمكن من تحضير أي شيء قبل حلول رمضان، فالكهرباء غير موجودة وإن توافرت، فسعر مستلزمات السمبوسك من أجبان ورقاقات مرتفع، وكذلك اللحوم والدجاج، كما أن سعر غالون الزيت بلغ نصف مليون ليرة».

وأضافت: «حتى مكونات صحن الفتوش باتت تحتاج لميزانية مع ارتفاع أسعار الخضار، رمضان هذا العام مختلف عن السابق، حتى العصائر من تمر هندي وجلاب، كما الحلويات الرمضانية من قطايف وكلاج وحلاوة الجبن ستكون خارج قائمة رمضان، وتذوقها سيكون لمرتين كحد أقصى خلال الشهر في ظل دخل محدود لا يكفي لأسبوع واحد في الشهر».

من جهته، يأسف حسام حمود، أب لأربعة أولاد، لما آلت إليه الأمور، وقال: «على الرغم من قساوة الوضع، نأمل أن يحمل رمضان معه الفرج على الجميع»، لافتاً إلى أن «الصعوبات المعيشية كبيرة، إذ بتنا عاجزين عن تأمين الطعام الذي سنضطر إلى الاستغناء عن أنواع عدة منها اعتدنا أن تكون موجودة على مائدة رمضان، كاللحوم والدجاج والعصير، والتمر الذي وصل سعر الكيلو منه إلى حدود 150 ألف ليرة وما فوق».

التقشف طال زينة الشوارع والبيوت

أضحت بيروت كما يقية المناطق اللبنانية حزينة، فالبلديات لم تعد قادرة على تخصيص ميزانية لها لافتقارها للأموال، فغابت عنها زينة رمضان، وعصفت الظروف بطقوس باتت مجرد ذكريات، فالتقشف الناتج عن أوضاع مأزومة طال بتداعياته الشوارع ، كما البيوت التي باتت محرومة من فرحة كانت تشعّ بالأضواء والفوانيس والأعلام واللافتات.

انعكست الظروف الاقتصادية والمعيشية وفق عصام طقوش، صاحب محل لبيع الزينة ومستلزمات رمضان، على أن الإقبال على الزينة الرمضانية بسبب غلاء الأسعار، وبخلاف السنوات الماضية، تراجع المبيع بحدود 90 في المائة، بعد أن استغنى اللبنانيون عن الكماليات، مشيرا إلى أن «الأولوية لشراء الأساسيات من طعام وشراب ومستلزمات أساسية لم تعد بمتناول شريحة كبيرة من اللبنانيين الذين تبدّلت لديهم، بحكم الأوضاع الراهنة، أنماط الاحتفال بالمناسبات».

مدفع رمضان

لا يزال لبنان يحافظ على تقليد مدفع رمضان عبر إطلاق طلقة مدفعية عند غروب الشمس طيلة أيام الشهر لتنبيه الصائمين بحلول موعد آذان المغرب والإفطار، ويقوم الجيش اللبناني في المدن الكبرى، بإطلاق ثلاث قذائف مدفعية عند ثبوت شهر رمضان، وإطلاق قذيفة مدفعية واحدة قبيل حلول الفجر، وقذيفة واحدة عند الغروب، وفي نهاية الشهر وثبوت شهر شوال يتم إطلاق ثلاث قذائف مدفعية أخرى للإعلان عن انتهائه وحلول عيد الفطر.

مدفع رمضان الذي تزين به المدن والبلدات طيلة الشهر الفضيل

المسحراتي.. موروث تحوّل إلى مهنة!

«يا نايم وحد الدايم».. «قوموا على سحوركم جاية رمضان يزوركم».. هكذا يطلق المسحراتي العنان لصوته مع طبلته منذ الليلة الأولى من ليالي الشهر الفضيل وحتى ليلة إثبات رؤية هلال عيد الفطر، فيجول في الشوارع والأحياء والأزقة لإيقاظ النائمين ودعوة الناس إلى تناول طعام السحور، فينادي على الأهالي بأسمائهم، وينتظره الأطفال عند النوافذ، لينادي عليهم بالاسم.

من أجواء رمضان في بيروت في السنوات الماضية

حافظ المسحراتي على وجوده على الرغم من التطور وبقي حاضرا حتى خلال فترة كورونا، وتحولت عملية التسحير من تقليد تراثي إلى مهنة رمضانية لكسب المال، لذلك ازداد عدد العاملين فيها.

الصلاة والدعاء
يحيي المسلمون في لبنان ليالي شهر رمضان في المساجد بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن الكريم، وهم سيتمكنون من ذلك بعد فك قيود كورونا عن الأماكن الدينية جزئياً، ويحرص بعضهم على صلاة التراويح بعد الإفطار، وآخرون على قراءة دعاء الافتتاح، فيما يواصلون إحياء ليالي القدر الثلاث حتى الفجر.


ويقيم البعض موالد للمدائح النبوية خلال شهر رمضان، كما تقوم بعض الجمعيات الإسلامية بتنظيم مسابقات في قراءة القرآن.