«سفر برلك» جديد.. سوريون يسعون للذهاب إلى أوكرانيا للقتال مع «الأصدقاء»

أحد المرتزقة السابقين في ليبيا لـ«المجلة»: أسعى للذهاب إلى أوكرانيا من أجل المال

روسيا أرسلت سابقا مقاتلين سوريين إلى ليبيا (غيتي)

«سفر برلك» جديد.. سوريون يسعون للذهاب إلى أوكرانيا للقتال مع «الأصدقاء»

دمشق: ما إن يسمع سكان بلاد الشام عبارة «سفر برلك» حتى تعود بهم الذاكرة إلى أيام الحرب العالمية الأولى عندما كانت الإمبراطورية العثمانية تسوق الشباب للقتال إلى صفها، مع كل ما وقعت عليه عيون جنرالات الحرب من أغذية ولباس وماشية، والهدف الانتصار في معركة الأمة الإسلامية.

«سفر برلك» في بداية القرن العشرين، هي كلمة تركية وتعني الترحيل الجماعي، نالت من سكان الشام على مختلف أطيافهم وحفرت ألما لا يزال كثيرون يتذكرون مرارته من فقدان وحسرة وشباب ظلوا هنالك حيث المعركة ولم يعودوا.

وبعد 100 عام تقريباً تتجدد واقعة «سفر برلك» بطريقة إجبارية وطوعية، أولهما صعوبة المعيشة الاقتصادية وضياع الأحلام التي دفعت بعض الشباب السوري للتفكير بالتطوع إلى جانب الروس في معركتهم على أوكرانيا أشبه بالإجبار غير المعلن، وثانيهما أن القتال لا يكون غصباً بل عبر استمارة يملأها وصولاً إلى ساحة الوغى لا من أجل الذود عن الوطن بل للحصول على مال، عساه يسد الحاجة سواء لأهله أو له إن عاد حياً.

 

سوريون ينتظرون في طوابير للحصول على الخبز والبنزين في سوريا.

 

حزم الحقائب..

ما إن أعلنت سوريا موقفها المؤيد لروسيا في معركته ضد أوكرانيا، حتى انتشرت فرص التطوع إلى جانب «الأصدقاء» الروس للقتال في أوكرانيا، بين أوساط الشباب المتطوع في الجيش أو ممن عليهم تخلفات عن الخدمة الإلزامية، أو سُرحوا من الجيش ولم يعثروا على عمل بمردود يكفيهم.

التطوع في معركة الروس لم يعلن عنها من قبل الجهات الرسمية السورية وبقيت بشكل غير واضح مع انتشار أخبار عبر صفحات التواصل الاجتماعي تحدد فيها شروط التطوع:

للراغبين بالتطوع إلى جانب القوات الروسية في أوكرانيا إليكم المعلومات التالية:

  1. لتقديم طلب التطوع اذهب إلى شعبة التجنيد التابع لها
  2. ستتكفل الجهة المنظمة بإصدار جواز سفر لمن لا يحمل جواز سفر سوري
  3. ستقوم الحكومة الروسية بتقديم مبلغ 1500 يورو شهرياً كبدل تطوع
  4. تتكفل الحكومة الروسية بكافة المصاريف من طعام ولباس وطبابة
  5. تتعهد الحكومة الروسية بعلاج أي جريح مهما بلغت التكلفة وتقديم تعويض مادي كبير لمن يصاب أثناء تأدية واجب التطوع
  6. عند انتهاء الحرب ستقوم الحكومة الروسية بتقديم مبلغ 50 ألف يورو لكل متطوع كعربون شكر

وكانت إحدى صفحات «فيسبوك» المؤسسة عام 2011 وبإدارة من شخصين مقيمين في تركيا، نشرت ذات الشروط مع المطالبة في نهاية المنشور إلى تداول المعلومات بين الأصدقاء والأهل لتصل إلى أكبر قدر ممكن من الناس.

 

هذه الصفحة نشرت فيديوهات تظهر عددا من الجنود باللباس الرسمي للجيش السوري يهتفون مع جملة (بدء قبول أسماء المتطوعين للقتال إلى جانب القوات الروسية في أوكرانيا).

 

مراسل «المجلة» تواصل مع عناصر عاملة في الفيلق الخامس اقتحام المدعوم روسياً، ونفوا وجود استمارات لقبول طلبات التطوع من جنود الفيلق، ليتوجه المراسل بعد ذلك إلى مصدر رفض الكشف عن اسمه أكد أن هنالك مكاتب وساطة لتسجيل الأسماء وتعبئة استمارة التطوع وهذا ما لم يتم الإعلان عنه رسمياً.

أحمد علي، شاب متخرج من كلية الزراعة، أكد أنه حاول التواصل مع وسطاء ليسافر إلى أوكرانيا، لكن جميعهم يعملون بسرية وعلى صفحات التواصل الاجتماعي دون أي دليل ملموس على صدقية كلامهم.

عن طريق صفحة تشجع على القتال إلى جانب «الأصدقاء الروس» على موقع «فيسبوك»، وجدنا الكثير من التساؤلات حول التطوع للقتال في أوكرانيا، والأجوبة كانت عبارة عن أشخاص بأسماء وهمية يردون في التعليقات برقم هاتف وعبارة «الرجاء التواصل معي على الخاص».

أنشأ المراسل حساباً وهمياً، وتواصل مع أحد الأشخاص ممن وضعوا أرقامهم، وكان الرد: «انتشر في الفترة الماضية التسجيل عبر السفارة الروسية أو شعب التجنيد وكل هذه المعلومات عارية عن الصحة، في حين أن التسجيل يكون بذات طريقة ليبيا، عن طريق مندوبين في المحافظات، تسجل الأسماء وترسلها للجهات المعنية ومع الموافقة يحدد موعد السفر».

وأشار في رده إلى أن الاستمارة التي لديهم هي نقاط تثبيت لعدم وجود مؤهلات قتالية في حرب الشوارع، ومن يريد السفر للقتال، فهؤلاء لهم مندوبون خاصون ويخوضون دورة تدريبية قبل السفر.

تواصلنا مع الجهات المعنية للتأكد من صحة الكلام الوارد أعلاه لكن الرد لم يأتِ.

 

تكرار التجربة الليبية..

أيمن حمدي (اسم مستعار) لموظف حكومي في دمشق، بلغ من العمر 40 عاماً، يسعى بشتى الطرق للتطوع إلى جانب الروس في أوكرانيا كما فعل عندما تطوع معهم في ليبيا، لكن إلى الآن لم يحصل على جواب.

يقول أيمن لـ«المجلة»: «عملت إلى جانب الروس لمدة6  أشهر في ليبيا في حماية المنشآت النفطية، ثم عدت إلى سوريا بمبلغ محترم من المال، استطعت من خلالها أن أنهض بحياتي قليلاً اشتريت بعض الحاجيات المؤجلة، وكانت فرصة جيدة، والآن أسعى للذهاب إلى أوكرانيا».

ويتابع أن الوضع في ليبيا لم يكن صعباً، فقط اقتصر على الحراسة دون وجود عمليات قتالية، حتى مع اشتداد الوضع كان هناك من يقاتل، والمعارك في الأساس تكون بعيدة عن المنشآت إلى حد ما.

وعما إذا كان هناك عناصر من الجيش السوري، أكد أن كل الموجودين كانوا من المدنيين ولم يسمح لعناصر تخدم في الجيش بأن تسافر، وهذا ما ينافي فكرة أن من يريد التطوع للقتال في ليبيا اليوم الذهاب إلى شعب التجنيد.

يبين أيمن أنه لم يترك مكاناً ذكر في مواقع التواصل أو سمع به عن طريق أحدهم إلا وذهب إليه ليسأل، لكن دون جدوى لا شعب التجنيد لها علاقة بالموضوع ولا السفارة الروسية ولا أي مكان على الإطلاق.

يتوقع حمدي أنه ربما تحدث اليوم عن مكاتب الوساطة أو الوسطاء كأشخاص، لكنه لا يعرف أحدا منهم، خاصة أنه عندما سافر إلى ليبيا كان عن طريق شخص مقرب عرض عليه الفكرة فوافق ثم أعطاه صورة الهوية وجواز السفر، ليخضع بعدها لعدة فحوصات ويسافر بعد 22 يوماً.

ويختم الأربعيني أن العملية كلها لجني بعض الأموال، مما تساعده على مواصلة حياته بشكل لائق، مدة تطوع منطقية يقابلها مبلغ محترم يعود به إلى وطنه معززاً مكرماً، فيما يتخوف اليوم من أوكرانيا على اعتبار أن روسيا اليوم تقاتل بنفسها وهذا ما لم يكن في ليبيا، فيقول: «لا أعلم إن كان الوضع يشبه ليبيا أم لا، لكن أعتقد أنه أصعب فهنالك معارك كر وفر، وربما نعمل في حال سافرنا كنقاط تثبيت وهذا خطير إذا ما حاول (العدو) استهداف النقطة للتوغل أو استردادها من الروس».

 

عن الأجور والمدة والمهام

بحسب المعلومات المتداولة من المصادر المفتوحة تبين أن العقد مدته 6 أشهر وغير قابل للتجديد والراتب 1800 دولار لا 3000 والمهام تكون للتثبيت والحماية وليست مهام قتالية والسبب أن المهام القتالية لها عقود أخرى وأجورها مختلفة وتتطلب شروطاً قتالية ومهارات عالية في قتال الشوارع والتكتيكات العسكرية.

يقول محمد نادر (اسم مستعار)، ما يذكر اليوم عبر مواقع التواصل الاجتماعي لا يمت للصحة بصلة فكل الشروط المذكورة والمنتشرة تتبع لليبيا وأعيد تداولها على أنها مخصصة للسفر إلى أوكرانيا وهذا غير صحيح.

بلغ عدد المرتزقة السوريين الذي أرسلتهم روسيا إلى ليبيا 2700 شخص

 

لماذا نسافر؟.. لنعيش؟

توصل مراسل «المجلة» إلى رقم شخص ادعى أنه مقرب من جهة هامة تقوم بعمليات تطويع من يريد السفر إلى أوكرانيا، لكن مع وجود دفعة مالية تتراوح ما بين 50 لـ 200 ألف ليرة سورية على حسب الشخص ومؤهلاته وقدراته.

وأشار إلى أن المبلغ يقسم ما بين الفحص الطبي والاستمارة ومتابعة الإجراءات، وأنه قام بإرسال عدة أشخاص بذات الطريقة، الأمر الذي تم نفيه بشكل قاطع من قبل شباب حاولوا اللجوء إليه وتم النصب عليهم.

يقول سمير لحام (اسم مستعار) لشاب متخرج حديثاً من الجامعة، أحد أصدقائي اقترض مبلغ 150 ألف ليرة وأعطاه للشخص على أمل أن يعيد المبلغ حالما يعود من أوكرانيا، لكنه صدم عندما لم يعد الرقم الذي اتصل به يجيب.

ويتابع لم يترك باباً إلا ولجأ إليه، المكان الذي التقاه وأعطاه فيه المال، الرقم الذي اتصل به، كان لشخص آخر سرق هاتفه منذ فترة، مبيناً أن العملية كلها «نصب بنصب» والاحتيال ينتج عند وجود الحاجة، وفقدان المعلومات الموثوقة.

علي محاميد (اسم وهمي) لشخص كتبه باللغة الروسية نشر على «فيسبوك» عما يحدث في الآونة الأخيرة يقول: «كل الشباب متحمسون مشان الطلعة على أوكرانيا وأنا متلكن متحمس أكتر منكن، الوضع صعب على الكل ما حدا حابب يبعد عن عيلته وبلدو ويقاتل مع الأجانب ضد أجانب ويمكن يموت أو يعيش الله أعلم.. كل حدا فينا فيه حرقة قلب، كل حدا فينا الواقع دعس على أحلامو وطموحاتو كلنا منعرف إنه المكتوب ما منه مهروب بس نحنا علينا انو نسعى ما حدا فينا يطرق باب بيته ومصروفو ومصروف عيلته  بيجي لعنده.. شباب كلنا منعرف أنو النصابين ما في أكتر منن بس عم يلعبوا بدمنا ويحمسونا وفوق كل هاد كذابين، المصاري بتروح وبتجي كلنا منعرف هالحكي بس ليش ولدنة الحرام هالشب يلي عم تنصب عليه مبلغ 50 أو 100 ألف أنت بتعرف كيف جايبهن أكيد حارم حالو من كتير أشياء أو يمكن متدين ومتأمل بس ياخد سلفة يوفيهن.. نحنا لما نطلع على أوكرانيا إذا الله راد طبعا طالعين ومو حاسبين حساب أنو نموت أو نعيش نحنا بدنا نطلع من كمية القهر اللي جواتنا والحرمان اللي عشناه، الحرامي والنصاب عايش وما حدا بيقدر يحكي معو بس الدراويش يللي متلي ومتلك إذا ماشتغل مابعيش.. احكوا اللي عندكن أخواتي كل حدا فينا فيه وجع ما بيحكيه بسبب ضغط المجتمع بالنهاية نحنا بشر مو ملائكة حسبي الله ونعم الوكيل أحسن شي الله يعين الناس يللي بتنام وهي ماعندا شي تاكلوا.. شباب يلي متأكد انو التسجيل على أوكرانيا فتح يخبرنا ورجاءً خلي يكون كلامو واضح وبدون أي غموض أنا متلكن بدي سجل مع الروس بس لسا ما بعرف شي فيدو واستفيدو الله يجزيكن الخير‏».

 

النتيجة.. ما ذكر أسماء على ورق!

استطاع فريق «المجلة» التوصل إلى بعض النقاط من المصادر المفتوحة حول سفر السوريين للقتال إلى أوكرانيا:

  • ما تم تداوله عبر وسائل الإعلام كان عبارة عن أسماء سجلت وتم الموافقة عليها لكن لم يسافر أحد منها حتى لحظة إعداد المادة.
  • العناصر المرتدية للزي العسكري وانتشرت عبر شاشات الإعلام، هم أشخاص تم قبولهم للتطوع، لكنهم لم يسافروا.
  • عدد كبير يريد التطوع للقتال في أوكرانيا، لكن ما من رقم دقيق حول الأعداد الحقيقية، وآليات التسجيل حتى لحظة إعداد المادة.
  • الأشخاص الذين يودون السفر غالبيتهم لا يريدون القتال بل يريدون الحصول على المال للعيش بطريقة جيدة بعيداً عن المنغصات الاقتصادية.
  • هنالك من يريد السفر إلى أوكرانيا ثم الهرب باتجاه أوروبا للحصول على لجوء.

 

الرحلة المتوقفة..

كلام الشاب ذي الاسم المكتوب باللغة الروسية لم يختلف كثيراً عن غيره من السوريين الذي يودون السفر إلى أوكرانيا من أجل المال فقط، والذي سيمكنهم من الحياة بشكل أفضل عما يعيشونه في ظل الوضع الاقتصادي الصعب الذي تمر به سوريا.

ربما ساقهم ضيق الحال أو الحلم الذي لم يحققوه في ظل نزاع دام لسنوات طويلة لم يترك لهم من التفكير شيئا سوى البحث عن طرق سهلة تعوضهم مرارة الحرمان، ليكون السفر إلى أوكرانيا هو العنوان العريض لـ«سفر برلك» جديد لكن بمال وفير.

font change

مقالات ذات صلة