الأقوى بين الضعفاء

أصبح الجميع يدرك أن نتائج الانتخابات النيابية القادمة لن تغير في التمثيل القائم بالمجلس اليوم، بالشكل الذي يتمناه البعض أو أعلن عنه ووعد به في حملاته الانتخابية. الجميع بمن فيهم المجتمع الدولي الذي يصر على إجراء الانتخابات النيابية يعرف جيدا أن حزب الله هو الأقوى بين حلفاء أو خصوم ضعفاء. وهذا يعود لعدة أسباب.

أولا لا يمكن بأي شكل من الأشكال مواجهة الإرهاب والسلاح بالسياسة، كالاعتقاد بأن الانتخابات النيابية واستحواذ الأكثرية من خصوم حزب الله يمكن أن يغير في سلوكه وهيمنته على القرار اللبناني.

ثانيا لم يتوقف الدعم المادي من قبل إيران لحزب الله الذي استثمره في الإحاطة بجمهوره قدر الإمكان، مقارنة مع غياب المساعدات كليا للأطراف الأخرى لا سيما خصومه بفعل ابتعاد رعاتهم الإقليميين عن المشهد اللبناني. فمؤسسات الحزب ما زالت قائمة وعملها مستمر، فيما مؤسسات الدولة، منها ما لم يعد قائما. والكلام عن إفلاس الحزب، هذا الخطاب الذي تبناه عدد من اللبنانيين ينظرون من بيروت وواشنطن ثبت أنه مضلل. فالقرض الحسن مثلا يقدم اليوم خدمة تقسيط الطاقة الشمسية للأفراد والبلديات على مدة 60 شهرا، والتعاونيات التي افتتحها مع تفاقم الأزمة المعيشية لتقدم للمستهلك بضائع بأسعار متدنية ما زالت أبوابها مفتوحة. ومعاشات المنتسبين ما زالت تدفع وبالدولار الفريش، ما يعني أن شبهة الإفلاس بعيدة عنه.

ثالثا أن مقاطعة الرئيس الحريري وجمهوره الحياة السياسية أربك جهات سياسية حليفة مبدئيا كانت تعول على عزل الرجل والاستحواذ في نفس الوقت على أصوات جمهوره. ولكن الأهم في اعتزال الرجل هو اعترافه بأن مواجهة حزب الله غير ممكنة اليوم.

حتى حلفاء الحزب من المسيحيين فشلوا بشكل كبير في ممارساتهم السياسية، ووعودهم بقيت حبرا على ورق، إن في الشأن النيابي أو الوزاري أو الرئاسي، بل إن تراكمات الفشل أضعفتهم شعبيا وهم يعانون في تجميع أصوات مناصريهم حول رئيس حزب أجمع اللبنانيون على كرهه.

للأسف خصوم حزب الله اليوم لا يملكون تصورا واقعيا لمواجهته في الداخل. كل الشعارات المرفوعة هي مجرد شعارات لا تقدم ولا تؤخر في معاناة الناس. ليس هناك مثلا تخطيط جدي على صعيد صغير(مايكرو)، بلدي أو مناطقي يختص بالاجتماعي والاقتصادي أكثر منه بالسياسي من قبل تلك الجهات الذين يدعون ليلا نهارا إلى تطبيق اللامركزية الإدارية.

ليس هناك من جهد فعلي لإحياء مشاريع صغيرة تبقي بعضا من الشباب في البلد بعيدا عن معارك كبيرة إقليمية لا يملك أي من الفرقاء قدراتها. فبدل العمل على تحرير لبنان من التبعية الطائفية و«الزعاماتية» تراهم يرفعون شعار تحرير لبنان من إيران، وهو على الأقل ليس عمليا لأسباب تتعلق بهوية حزب الله اللبنانية وتطبيقه يفوق إمكانياتهم ويتعلق بالإقليم وتسوياته ومتغيراته. لا أحد من حاملي شعارات السيادة بنى معملا واحدا أو افتتح مستوصفا واحدا دعما لمجتمعه بدل النهل من المواقف والشعارات.

من لا يريد أن يتعايش مع حزب الله فليتفضل ويخلق بديلا منتجا ومفيدا من خارج إطار العنتريات الافتراضية على صفحات التواصل الاجتماعي ليستقطب به أكبر عدد من الناس الذين يرغبون في البديل.

سيقول البعض إن هذه الأفعال ستحل مكان الدولة. ولهؤلاء نقول عن أي دولة تتحدثون؟ لبنان عاش منذ أن كان على المبادرات الفردية ومساعدات الخارج واستفاد مرحليا من أحداث إقليمية خارجة عن إرادته، لم يستطع الحفاظ على المكتسبات التي تأتت منها للأسف. قضاؤه كان مسيسا منذ أيام السلطان سليم، اقتصاده كان ريعيا منذ أن صبغه ميشال شيحا بدور خارج التاريخ المادي، وأمنه كان هشا منذ أن وطأ المارينز بطلب من شمعون الرئيس شواطئ بيروت لمواجهة «الوحش الأحمر» فلم يلق سوى رواد البحر.

الحاجة اليوم إلى أفعال لا أقوال. وهناك هبات ومساعدات وأموال من الغرب والعرب يستطيع أن يستفيد منها اللبنانيون على شرط أن يستثمروها في الدور الذي يمكن أن يلعبه لبنان في هذا الإقليم على ضوء التطورات التكنولوجية التي تحدث من حولنا. وهذا كفيل مع الوقت بأن لا يعود حزب الله الأقوى بين ضعفاء.