«قوم يا نايم... وحد الدايم»

للقاهرة في رمضان مذاق خاص لا يستطيع أن يستطعمه إلا من يأخذ الإذن من سلاطينها الذين كانوا حكاماً أو سلاطين للعشق الإلهي من المتصوفة الذين ترقد القاهرة في أحضان ألف من مآذنهم تشق عنان السماء كحراس أشداء يعطون الإذن بالدخول لأصدقائها ويقهرون أعداءها.

 

ولفهم قصة الأضرحة والمآذن والأسبلة كان لزاماً علينا أن نطرق أبواب السلاطين برفق لاسيما أنهم لا زالوا يتحكمون في القاهرة، على الأقل جغرافياً، وإن فقدوا سلطانهم الزماني بفعل الموت أحياناً والقتل غالباً؛ فبموت السلطان الصالح أيوب بدأت مرحلة جديدة لحكم مصر.

فبعد حكم الأسر التي استقلت فعليا عن الخلافة العباسية في بغداد والتي لم يبق لها من الخلافة إلا الاسم وأضحى الخليفة لا يحكم أبعد من حجرته في جناح الحريم، توالت على مصر الدولة الطولونية ثم الإخشيدية، وقرابة ثلاثة قرون حكم العبيديون، وشهرتهم الفاطميون، حتى هيأ الله لمصر صلاح الدين الأيوبي ليزيل آثار العبيديين ناصري القرامطة محدثي البدع الباطنية في الدين الإسلامي والذين أخذوا من الدين المظاهر والأبهة واهتموا بالعمارة الإسلامية، فبنوا الأزهر لينافس الكوفة كمعقل للمذهب الشيعي. وفي عهدهم عانت مصر من الشدة المستنصرية عندما غاض النيل وشحت الأقوات وأكل الناس بعضهم بعضا ليس مجازا ولكنها حقيقة ثابتة في التاريخ! وعندما إنزاحت الشدة ورجع النيل للجريان وعاد الناس لما يشبه الحياة الطبيعية لم يتلاوموا على ما فعله بعضهم ببعض، وكأن هناك اتفاقا سريا بالإجماع لطي صفحة المجاعة وسلوك العباد المشين خلالها.

وبالرغم من أن صلاح الدين الأيوبي كان له أربعة عشر ولدا، فإنه لم يكن يشعر بالأمان على دولته التي أسسها وهو على صهوة جواده وعاش يجاهد لنصرة دين الله، فخلص القدس من دنس الصليبيين ولم يكن عنده الوقت الكافي ليتمتع حتى باستراحة محارب.

وبالفعل عندما مات السلطان ناصر الدين صلاح الدين الأيوبي فشل أولاده في إدارة الدولة فانتقل الملك إلى أخيه الملك العادل ومن بعده أولاده وآخرهم الصالح نجم الدين أيوب بطل معركة المنصورة التي أٌسر فيها لويس  التاسع ملك فرنسا في دار ابن لقمان، وتوفي أثناءها السلطان وتكتمت زوجته شجر الدر الخبر حتى لا يتأثر الجيش واستمرت الأوامر تخرج ممهورة بختم السلطان وكوفئت على حسن إدارتها للمعركة بمبايعتها ملكة لمصر، ولقبت باسم عصمة الدنيا والدين أم خليل المستعصمية  صاحبة الملك الصالح. لكنها تخلت عن الألقاب وعادت لجناح الحريم بزواجها من عز الدين أيبك بعدما أرسل الخليفة العباسي رسالة لأهل مصر بأنهم إن لم يجدوا رجلا للحكم فسيرسل واحدا من عنده، فتوارت شجر الدر خلف أيبك لتقتله، ثم يتم قتلها، في واحدة من أهم مؤامرات القصور، ليصعد قطز حاكما على مصر ويدشن دولة المماليك عقيدتهم، وهي الغدروالقتل لبعضهم بعضا، وقد يحلفون ويبايعون السلطان ظهرا ثم يقتلونه عشاءً، فكان قانون الدم هو الذي يحكمهم؛ فقد تم أسرهم أو شراؤهم من سهوب التركمان والقوقاز وجركس وأرمينيا وهم أطفال أو صبيه، فلم يكن عندهم الوقت ولا القدرة على تعلم الدين الإسلامي الصحيح وافتقدوا روحانياته فعوضوها بمظاهر العمارة الإسلامية.

وعندما انتقلت الخلافة العباسية إلى القاهرة على يد الظاهر بيبرس كان معظم السلاطين يبنون مسجدا وضريحا ومدرسة لتحفيظ القرآن وتدريس علوم الفقه وأصول الدين وكانت سيداتهم أو خواندتهم يبنين الأسبلة والأضرحة والتكايا والخانقات للمتصوفة تقربا لله وعوضا عن تقصيرهم في واجباتهم الدينية. وكان القليل منهم يجيد اللغة العربية لكن دولتهم لم تخل من طرائف حدثت في رمضان. فقد كان السلطان يجلس على كرسيه بالقلعة في بداية كل رمضان ليشاهد الوزير والمحتسب وخلفهم جيش من الحمالين يحملون السكر والأرز والدقيق والزيوت والجوز واللوز والتوابل والبقول وبعد انتهاء التخزين ينسحب السلطان ويترك مهمة رؤية الهلال لشيوخ الأزهر وكانت مشكلة المشاكل أنهم يصرون على رؤيته بالعين المجردة وأغلبهم من ضعاف البصر بحكم السن بالإضافة إلى احتمال هبوب الرياح الرملية التي تجعل الرؤية متعذرة؛ ففي عصر السلطان برقوق ثبت ظهور الهلال في منتصف النهار تقريبا ونادى قاضي الشافعية بالإمساك بعد أن كان الغداء قد وضع على الموائد وأسرع السلطان بطرد مدعويه وأمر برفع الطعام وأعلن الصيام ولم يكن باقيا على المغرب إلا ساعات قليلة.

وقد أدهش السلطان أشرف أبو المعالي العلماء والمشايخ؛ ففي صبيحة اليوم الأول من رمضان تم استدعاؤهم على عجل ولبوا النداء خائفين فلم يكن الشيوخ يثقون بأي سلطان وكان السلطان يحتقر كل العلماء، وعندما طال الصمت في الديوان السلطاني تكلم الوزير (منجك) وطلب فتوى بإفطار السلطان، فتعجب العلماء؛ فهل يحتاج المفطر إلى فتوى؟ وخيم الصمت واحتقن وجه السلطان وزمجر حتى وجد أحد المشايخ الحل في التحايل بالسفر لأنه من أسباب الإفطار. فانبسطت أسارير السلطان وأعلن عن عزمه للسفر لتفقد قلاع الإسكندرية ودمياط والشام.

أما أيام السلطان أبي السعادات فقد ظل يصيح لا عيد يوم الجمعة ويصر على نهاية رمضان يوم الخميس التاسع والعشرين من الشهر، وبث رجاله على كل مآذن القاهرة لعلهم يرون الهلال ولم يظهر الهلال وصام الناس يوم الخميس وعيدوا الجمعة ودعوا للخليفة مرتين في صلاة العيد وفي صلاة الجمعة فكان هذا إيذانا بنهاية السلطان أبي السعادات كما كان يعتقد فيما هو مكتوب من طوالع النجوم، ولكن يظل رمضان محل احترام وتوقير الجميع ليطلق المسحراتي نداءه  الخالد «قوم يا نايم وحد الدايم».