العالم العربي يحتفي بيوم الموسيقى العربية... ومطالب بالاحتفال به عالمياً (فيديو)

بعد 90 عاماً من مؤتمرها الأول في القاهرة عام 1932
يوم الموسيقى العالمي

القاهرة: شهد معهد الموسيقى العربية في القاهرة احتفالات في يوم الموسيقى العربية الذي نظمته لجنة الموسيقى والأوبرا والباليه في المجلس الأعلى للثقافة برئاسة دكتورة رشا طموم، بالتعاون مع المجمع العربي للموسيقى العربية في الأردن، والذي يوافق 28 مارس (آذار) من كل عام.


شهد الحفل

كلمات احتفالية حول أهمية اليوم من تونس والأردن ومصر، وحفلاً غنائياً قدمت فيه موشحات عربية تعكس أصالة وعراقة الموسيقى العربية.

يوم الموسيقى العالمي


وفي حديث خاص لــ«المجلة»، صرحت دكتورة رشا طموم، بأنّ اختيار يوم 28 مارس جاء لأنه يوم انعقاد أول مؤتمر للموسيقى العربية وذلك عام 1932، والذي كان محفلا علميا هاما؛ حيث اجتمع فيه علماء الموسيقى وفنانون من العالم العربي للنقاش حول تراثنا الموسيقي وخصائصه والسلم الموسيقي.  

 


مضيفة: «إفراد يوم لها يؤكد تمسكنا بالحفاظ على الموسيقى وتعريف الأجيال الجديدة بها، في ظل وقت غزت فيه ألوان مختلفة عالم الموسيقى العربية».


وأعربت طموم عن سعادتها بإقامة الاحتفال في معهد الموسيقى العربية الذي يضم أيضا متحفا للموسيقار الكبير محمد عبد الوهاب، قائلة: «هذا المكان هو نفس المكان الذي شهد انعقاد أول مؤتمر للموسيقى العربية بحضور أعلام الفن العربي».

معهد الموسيقى العربية


وأضافت: «الاحتفالية فرصة لنوقر مبدعيها الكبار ونسعد بمبدعيها الشباب، ونرتوي من مناهلها العذبة، ونؤكد كل عام على ترسيخ الموسيقى العربية في وجدان شبابنا العربي. هذه الموسيقى التي تشكلت من حضارة عربية عريقة وتفاعلت فيها ثقافات متعددة لتنتج موسيقى ثرية غير منغلقة على ذاتها، اختلفت الآراء حول خصائصها المقامية والإيقاعية وطرق أدائها والتحولات التي طرأت عليها من عصر لآخر، وكانت مرآة عاكسة للتغيرات الاجتماعية والسياسية والثقافية في الوطن العربي».


 ونظرا لما تمثله الموسيقى وتاريخها من روابط بين الشعوب والحضارات، قال دكتور محمد الأسعد قريعة، رئيس الهيئة العلمية وممثل الجمهورية التونسية في مجمع الموسيقى العربية: «هذه الاحتفالية تأتي للاحتفال بحلقة من حلقات الربط المتين بين مصر وتونس منذ قرون عديدة، ظروف انعقاد مؤتمر عام 1932، تبدأ عند البارون دي لونجيه المولع بالثقافة العربية وهو مستشرق فرنسي وضع على عاتقة مهمة البحث عن قواعد الموسيقى العربية وتتبع تاريخها عبر المخطوطات القديمة وأصبح مشروعه الأثير وقد استعان فيه بجملة من المترجمين والموسيقيين من تونس ثم استكمل عمله سكرتيره الخاص المنوبي سنوسي».

تشارك في حفلات المعهد فرق عالمية


وللتعرف على قواعد الموسيقى في المشرق العربي «استعان في البداية بشخصية موسيقية مصرية من أصول شامية وهو إسكندر شلفون، وبدأ العمل بينهما من 1923 وتواصلا وكان يقدم له معلومات عن المقامات والإيقاعات في المشرق العربي ومصر تحديدا قديمها وحديثها، كان لهذه المعلومات سعر للمقامات، ثم قيل إنه لا يمكن التأكد من صدقية هذه المعلومات؛ لذا اقترح البارون دي لونجيه والمنوبي سنوسي عقد المؤتمر عام 1930 ثم تأجل للعام الذي يليه ليعقد فعليا عام 1932، وأمن البارون التسجيلات الصوتية للمؤتمر وقد قام ببحث المسارات اللحنية للمقامات وهي الطريقة المعتادة حاليا لتحليل المقامات والسلالم الموسيقية وتحليلها لأجناس إلى يومنا هذا سواء في البحوث العلمية أو في التأليف الموسيقي».


 ويلفت قريعة إلى أن «اسم المؤتمر كان (الموسيقى الشرقية) لكن البارون دي لونجيه لعب دورا أيضا في تعديل الاسم».


 وفي كلمته التي تم بثها في حفل القاهرة، تحدث دكتور كفاح فاخوري، أمين عام المجمع العربي للموسيقى ومقره الأردن، مشيداً بدور العلامة دكتور محمود أحمد الحفني، الذي شارك في أول مؤتمر للموسيقى العربية عام 1932 ونوقش فيه تراثها المنوع وجرى التباحث حول تاريخها ونظرياتها ومصطلحاتها ومقاماتها وإيقاعاتها».

معهد الموسيقى العربية


 وأكد أن «أهمية الاحتفاء بيوم الموسيقى العربية يكمن في إبقاء هذا النوع حيا في ذاكرة الأجيال الجديدة وضرورة الاهتمام بأنواعها تربويا واجتماعيا وثقافيا».


وذهب فاخوري إلى أن «فكرة المجمع العربي للموسيقى ولدت من رحم هذا المؤتمر حين ولدت في واحدة من جلساته، يؤلف من ذوي الكفاءات في مجالات الموسيقى العربية، ويأتي الفضل للسيد أحمد أبو الغيط في الموافقة على تخصيص يوم 28 مارس من كل عام يوما للموسيقى العربية وذلك قبل 3 أعوام».


وطالب فاخوري وزارات الثقافة والإعلام والسياحة ورعاية الناشئة والشباب «بالتشجيع على أنشطة تعزّز الموسيقى العربية وتجعل الشباب مفاخرا بموسيقاه والثقافة التي ينتمي إليها وطالب سفارات الدول العربية ومكاتبها الثقافية المنتشرة في العالم، بإحياء هذا اليوم للترويج له وإقامة فعالياته، فضلا عن نشر مقالات في الصحف ووسائل الإعلام وتخصيص فقرات وأمسيات وندوات تروج لهذا اليوم وأهميته، ودعوة كبار المفكرين الموسيقيين لإلقاء المحاضرات التي تتناول أهمية الموسيقى ودورها في التراث القديم والمعاصر، إلى جانب تنظيم المسابقات والمعارض وعرض الملصقات والمخطوطات، وتكريم الموسيقيين على المستويين الإقليمي والدولي، وإحياء حفلات مجانية للموسيقى العربية في كل ربوع العالم العربي في الساحات والمستشفيات والمدارس والتعريف بها».


 وأعرب عن رفضه مصطلح الزمن الجميل لوصف الموسيقى العربية الأصيلة باعتبارها من زمن ولى ومضى بل هي تتسم بالاستمرارية والتجدد، مطالبا بأهمية استعادة الموسيقى العربية لزخمها الذي يليق بها.  

يعتبر المعهد من معالم القاهرة الفنية والحضارية


بينما يقول دكتور محمد شبانة، أستاذ الموسيقى الشعبية بأكاديمية الفنون، لـ«المجلة»: «يوم الموسيقى العربية هو فرصة عظيمة للاحتفاء بموسيقانا العربية الأصيلة والإعلاء من قيمتها، والتأكيد على حلمنا بأن تكون لدينا موسيقى راقية نفخر بها في منظومة الإبداع الموسيقى العالمي».


ويضيف: «نحتاج لمراجعة متأنية وموضوعية لما انتهت إليه نتائج وتوصيات مؤتمر 1932 لنتبين ما كنا فيه وما أصبحنا عليه، ولنعاود الجهد والبحث للكشف عن الأسباب التى أدت إلى ما نحن فيه من ظواهر مقلقة، وما آلت إليه حال موسيقانا في الوقت الراهن».
ويدعو إلى حركة نقدية جادة ومستنيرة وبناءة، تلقي الضوء على الإبداعات الموسيقية المتميزة  وتكون جسرا يرتقي بالذائقة الجمالية للمتلقي كي يكون قادرا على نبذ المتهافت ويحتفي بالجاد والمتميز.. وذلك لخلق رأي عام مستنير يعلي من شأن الإبداع ويعقد الصلة بين الأصيل والمعاصر دون وصاية أو تغريب، حفاظا على الهوية وتأكيدا لها»، قائلا: «نحلم بأرشيف قومي لموسيقانا العربية يضم إنتاجنا الموسيقي».


ويضيف دكتور شبانة: «الاحتفالية فرصة للمطالبة بأرشيف عربي ضخم لكل ما أنتجه فنانونا من المحيط إلى الخليج، خاصة في ظل توافر التكنولوجيا التي تسمح بالحفاظ على هذا الإبداع  الذي يزيد عمره على المائة عام».

لوحة من المعهد


وقال: «نحلم بمتحف متطور وراق لآلاتنا الموسيقية بتنوعها وثرائها الشعبي والتقليدي، وأن نجمع ونحقق عيون الكتب والمراجع والرسائل الجادة التي تتناول الإسهام النظري العربي في مجال البحث الموسيقي».


وينادي عضو لجنة الفنون الشعبية والتراث الثقافي غير المادي بالمجلس الأعلى للثقافة بأهمية وجود حركة جادة لجمع إبداعنا الموسيقي الشعبي، مضيفا: «ربما تكون منطلقا لنهضة موسيقية جديدة نفتقد إليها في ظل واقع مضطرب وعولمة قاسية تلقي بظلالها القاتمة على إبداعنا الموسيقي».


الاحتفال بيوم الموسيقى العربية، يطرح بدوره العديد من التساؤلات الخاصة بأحوال التراث الموسيقي الشرقي ومصيره في ظل العولمة والتمازج بين المقامات والألحان العربية والغربية، والتعليم الموسيقي، وحول هذه التساؤلات علقت الناقدة الموسيقية دكتورة إيناس جلال، لـ«المجلة» قائلة: «يأتي يوم الموسيقى العربية كفرصة للإضاءة على قوالب الموسيقى وأساليب الأداء وتطورها، وعناصر العمل الموسيقي كافة التي يشارك فيها الملحن والمطرب والعازف والمايسترو، وحقيقة لدينا إشكالية في التغافل عن مناقشة قضايا التراث الموسيقي العربي»، مؤكدة: «لدينا أرشيف غني وموثق لمسيرة الموسيقى العربية وتطورها وكيف ازدهرت عبر العصور، لكن تبقى إشكالية تدريس الموسيقى في المدارس كمادة رئيسية وعدم إهمالها معضلة كبيرة».

لوحة من المعهد


وتطالب جلال بالوصول بالموسيقى العربية للأجيال الجديدة، قائلة: «كانت لدينا حفلات أضواء المدينة التي تقدم الطرب العربي والتراث الشعبي الموسيقي عبر وسائل الإعلام المصرية لكافة أنحاء العالم العربي، واليوم في ظل التطور التكنولوجي يمكن أن تبث الموسيقى العربية في كل مكان، هي رمز لهويتنا لماذا لا تبث في المطارات والفنادق ومراكز العمل ووسائل النقل العام كنوع من أنواع التثقيف الموسيقي؟».


وحول انجذاب الشباب العربي لموسيقى الراب بطابعها الغربي البعيد عن الموسيقى العربية، تقول دكتورة إيناس جلال: «الذائقة الفنية تبيح وجود كافة الأشكال الموسيقية، ولكن المهم في الأمر هو أن نقدم أيضا موسيقانا الأصيلة بشكل متطور ومواكب للعصر، وندعمها بكلمات راقية لتصل للأجيال الجديدة».