العرب والصراع الدولي الراهن: الحياد لدرء مخاطر الاستقطاب

بغض النظر عن دوافع الأزمة الأوكرانية الراهنة وأسبابها، وحساسية  الظروف المحيطة بها، والمآل الذي ستنتهي إليه، ومهما اختلفت المواقف التي اتخذتها وستتخذها معظم دول العالم بشأنها؛ فإن اندلاعها لا يعكس فقط مدى الأحقاد الدفينة بين طرفيها المباشرين الروس والأوكران، وإنما يجسد في جزء كبير منه رفضا روسيا صريحا ومسلحا لإصرار واشنطن على استمرار الأحادية القطبية التي ميزت السياسة الدولية في الثلاثين سنة الماضية.

 

إن هذا الرفض لا يقتصر على روسيا وحدها، إذ تشاركها فيه قوى كبرى أخرى مثل الصين الشعبية التي تعطي الأولوية في التعبير عن طموحاتها الكونية للتميز على الأصعدة الاقتصادية والتجارية والاستثمارية التي استطاعت بواسطتها اقتحام قلاع كانت فيما مضى حكرا على الدول الغربية، إضافة إلى دول أخرى ذات طموحات وأطماع توسعية، ولكن حجم قوتها لا يسمح لها بالعمل على تحقيقها إلا في إطار محيطها الجغرافي المباشر كما هو الشأن بالنسبة لإيران، ناهيك عن قوة التشويش والاستفزاز اللذين تمارسهما كوريا الشمالية في شرق آسيا.

ولا يستبعد في ضوء المعطيات الراهنة على الساحة الدولية أن تزداد حدة رفض الاستئثار الأميركي بالزعامة الدولية شراسة، وقد تعبر عن نفسها عسكريا في بقاع أخرى من العالم إذا ما استمر تعنت الولايات المتحدة على تجاهل الحقائق الجديدة على المسرح الدولي، ومواصلة احتكار التفرد بالقيادة ولو بأسلوب المقاولة من الباطن من خلال منح تسوية أو تدبير بعض القضايا الدولية الملتهبة إلى دول متحفزة، لاعتبارات مختلفة، للعب بعض الأدوار؛ ولكنها دول إما قريبة من واشنطن وإما تدور في فلكها.

وبديهي أن استمرار تعنت الأطراف المتصارعة كونيا في مواقفها سيقطع الطريق على أي مساع حميدة جادة لاحتواء الخلافات التي بدأت تحتدم شيئا فشيئا بتبادل فرض العقوبات، وشخصنة الاتهامات؛ الأمر الذي دفع هذه الأطراف إلى تحويل الساحة الدولية إلى حلبة لسباق محموم بغية استقطاب بقية دول العالم الصغيرة والمتوسطة إلى هذا المعسكر أو ذاك بشكل بات ينذر بعودة أجواء الحرب الباردة، ولكن بمعطيات جديدة، ومن المحتمل بأقطاب متعددة.

ومن خلال رصد ومتابعة التحركات الدبلوماسية للأطراف المتورطة مباشرة أو بطريقة غير مباشرة في الأزمة الأوكرانية وتواصلها المكثف بالزيارات أو بالاتصالات الهاتفية مع معظم بلدان العالم العربي يتضح أن استقطاب هذه الأخيرة لموقف أحد الأطراف أو تحييد بعضها إذا ما تعذر استقطابها يمثل أمرا بالغ الحيوية اعتبارا لوزن دول عربية وتأثيرها في عدد من المجالات المفتوحة للصراع.

وأمام حقيقة عدم وجود موقف عربي موحد ولو في الحد الأدنى مما يجري، فإن معظم العواصم العربية وجدت نفسها في مواقف حرجة مع احتدام الصراع واتساع نطاقه؛ مما دفع جلها إلى اتخاذ مواقف متوازنة إلى حد كبير مكتفية بدعوة أطراف الصراع إلى حل الأزمة وتبعاتها سياسيا وفق مقتضيات قواعد القانون الدولي، مركزة على التخفيف من هول المآسي الإنسانية الناجمة عن الصراع ومساهمة فيه، دون تحميل أي طرف مسؤولية ما وقع، وذلك مخافة أي تأويل غير مناسب لموقفها من طرفي الصراع.

ولا شك أن عواصم عالمية أخرى عديدة استشعرت وما تزال تستشعر ذات الحرج، الذي يرتبط بعلاقة طردية مع تزايد حدة الصراع وتوسع دائرته. لهذا وتفاديا لأي مخاطر محتملة من التطورات المتسارعة، وما يتبعها من تكثيف لمحاولات الاستقطاب أو للتحييد على الأقل سواء بالإغراء أو بالضغط والإكراه يبدو أن المجتمع الدولي بات في حاجة إلى استعادة بعض أدوار الحياد الإيجابي التي سبق وأن لعبتها  حركة عدم الانحياز إبان الحرب الباردة التي تلت الحرب العالمية الثانية.

صحيح أن حركة عدم الانحياز فقدت الكثير من الفعالية التي كانت تتمتع بها على الساحة الدولية وفي أروقة المنظمات الأممية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتفكك منظومته الاشتراكية، بل في أحيان كثيرة لم يعد لها معنى في ظل تهافت بعض أعضائها على الانحياز للمنظومة الغربية ومفاهيمها الاقتصادية على الأقل، وخاصة للسياسات الأميركية بعد أن تعمقت مصالحهم وتوطدت مختلف روابطهم مع واشنطن؛ ولكن يحسب لأعضاء آخرين أنهم حاولوا في عز سطوة الأحادية القطبية إيجاد وظائف جديدة للحركة من خلال السعي إلى تطوير أهدافها ورغم خفوت بريقها.

والواضح من سياق التطورات الدولية الراهنة وعلو نبرة الاتهامات والتهديدات المتبادلة أنه حتى لو تم التوصل إلى حل ما للأزمة الأوكرانية، فإن التنافس حول الريادة الكونية لن يهدأ وسيتواصل معه الاستقطاب الحاد الذي تركز فيه القوى الكبرى بشكل كبير على استمالة بلدان العالم العربي إلى مواقفها ومحاولة كسب ودها باعتبار بعض هذه الدول مصادر مهمة للطاقة التي غدت ميدانا مفتوحا للي الأذرع وممارسة الضغوط.

ونظرا لأن الحرب على أوكرانيا أثرت كثيرا في مجال الأمن الغذائي لعدد من دول العالم ومن بينها الدول العربية المعتمدة بشكل كبير على استيراد القمح من البلدين المتحاربين، وتفاديا لمخاطر تطور الأمور في اتجاه إما مجاعة في بعض الدول كما يتوقع صندوق النقد الدولي وإما ارتفاع مهول في الأسعار قد يتسبب في توترات اجتماعية وأمنية خطيرة، فإن بلدان العالم العربي وخاصة ذات الصوت المسموع في عواصم العالم الكبرى والمؤثرة في محيطها الجغرافي مدعوة إلى قيادة نشاط دبلوماسي واسع يستهدف إحياء حركة عدم الانحياز وبعث الروح من جديد في مبادئها الإنسانية السامية، وفيما تميزت به من حياد إيجابي ساهم كثيرا في تسوية الكثير من الأزمات، وفي خفض نسبة الاحتكاك في عدد من بؤر التوتر العالمية خلال الحرب الباردة.